عمالقة البنوك يستثمرون المليارات لتشكيل مُستقبل المال والوظائف بالذكاء الاصطناعي

تضخّ كبرى بنوك «وول ستريت» المليارات من الدولارات في تقنيات الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعيد رسم ملامح الوظائف وثقافة العمل وموازين القوى في القطاع المالي العالمي،
وفي الوقت الذي يتعرض فيه قادة القطاع لضغوط متزايدة لتقييم العوائد الفعلية لهذا الإنفاق الضخم، يتواصل السباق المحموم للحفاظ على الصدارة في مشهد تكنولوجي سريع التغير.
وحسب «بيزنس إنسايدر»، يؤثر الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم على كافة نواحي العمل البنكي، بدءاً من صالات التداول ووصولاً إلى الأقسام الخلفية ومكاتب الإدارة التنفيذية، حيث يُعيد تعريف مفهوم الهندسة البرمجية، وآليات تمييز الكفاءات الشابة، وبنية الوظائف القيادية.
ورغم هذه القفزات المعلنة، يواصل المحللون طرح أسئلة حاسمة حول عوائد الاستثمار ومستويات الأمان، وسط مخاوف متزايدة من تضخم الميزانيات.
غير أن توظيف التقنية بات شرطاً أساسياً للبقاء، إذ صرّح الرئيس التنفيذي لبنك «جيه بي مورغان» جيمي ديمون، بأن بنكه لا ينفرد بميزة حصرية من الذكاء الاصطناعي لأن الجميع أصبح يستخدمه اليوم، مع وجود تفاوت واضح في إستراتيجيات التنفيذ بين المؤسسات المالية.
ويضع أكبر بنك في الولايات المتحدة جهوداً مكثفة لضمان ريادته المبكرة في مجال الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى ميزانية تكنولوجيا سنوية تقارب 20 مليار دولار، ويرى ديمون أن استثمارات البنك في هذا المجال، البالغة 2 مليار دولار، حقّقت عوائد مجزية تمثّلت في توفير التكاليف التشغيلية. وفي إطار المراقبة الدقيقة للإنتاجية، يتابع البنك مدى استخدام عشرات الآلاف من مهندسيه لأدوات الذكاء الاصطناعي، كما طور أهدافه المؤسسية لربط كفاءة المهندسين بمدى تبنيهم لهذه التقنيات.
وشهد البنك في يوليو الماضي إعادة هيكلة لقيادات التكنولوجيا عقب تقاعد رئيسة قطاع الذكاء الاصطناعي تيريزا هايتسينريثر، وتحوّلاً من التركيز على البنية التحتية إلى المبادرات التجارية المباشرة. ويملك البنك حالياً نحو 1,000 حالة استخدام تغطي مجالات مكافحة التزوير والتسويق وتدوين الملاحظات، إضافة إلى تزويد أكثر من 200,000 موظف بمنصته الخاصة للذكاء الاصطناعي التوليدي.
خصّص بنك غولدمان ساكس 6 مليارات دولار للإنفاق التكنولوجي هذا العام، ورغم هذا المبلغ الضخم، أعرب، الرئيس التنفيذي للبنك ديفيد سولومون، عن رغبته في زيادة الميزانية لتصل 8 مليارات دولار لولا الالتزام بتحقيق العوائد المرجوة للمستثمرين. وفي إطار إعادة تنظيم العمليات، أعلن البنك عن مبادرة تسعى لاستغلال الذكاء الاصطناعي لرفع الكفاءة التشغيلية، وتبطيء معدلات التوظيف، مع إجراء خفض محدود في بعض الوظائف.
وعلى غرار منافسيه، أتاح «غولدمان ساكس» أدوات ذكية لكافة موظفيه تشمل مساعداً افتراضياً داخلياً، في حين يركز على قياس سرعة إنجاز الفرق ككل بدلاً من تقييم الاستخدام الفردي. كما يتعاون البنك مع شركة «أنثروبيك» لتطوير وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على أتمتة الوظائف الداخلية، ولا سيما التسوية المحاسبية للصفقات وإجراءات إلحاق العملاء الجدد.
يركز بنك سيتي على كسب رهان الذكاء الاصطناعي من خلال ضمان التبني الشامل للموظفين فوق أي اعتبار آخر. ويمتلك البنك ميزانية تكنولوجية تصل 12 مليار دولار، حيث ينتهج إستراتيجية تصاعدية لإدماج التقنية في مختلف قطاعات الأعمال، وقام بتأهيل أكثر من 4,000 موظف ليكونوا أمناء ومُوجّهين للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة.
وأكّدت الرئيسة التنفيذية جين فريزر أن ما يقارب 90 % من موظفي البنك يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بالفعل، كما كشف البنك عن مستشار مالي مدعوم بالذكاء الاصطناعي لإدارة الثروات ووسع نطاق استخدام الوكلاء الأذكياء. وخلافاً لمنافسيه، لا يتتبع سيتي التفاصيل الدقيقة لاستخدام كل موظف، بل يركز على قياس المؤشرات الكبرى ويُشجّع الموظفين على اختيار النموذج الأقل تكلفة الذي يلبي احتياجات العمل.
يعتمد بنك ويلز فارغو نموذج «المركز والأطراف» في هيكليته التنظيمية للذكاء الاصطناعي، حيث يتولّى فريق مركزي يقوده سول فان بوردن إدارة الإستراتيجية بالتعاون مع مسؤولي الذكاء الاصطناعي التوليدي في كلّ قطاع عمل، مع التركيز على تطوير الوكلاء الأذكياء للتعامل مع الحالات الأكثر تأثيراً.
وأوضح الرئيس التنفيذي للبنك تشارلز شارف، أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي ساهمت في رفع إنتاجية المهندسين بنسبة تصل 35 %، كما أطلق البنك خيار «زميل العمل الذكي» لدعم المستشارين الماليين وزيادة إنتاجيتهم اليومية.
استندت الطموحات التكنولوجية لبنك أوف أميركا إلى ميزانية بلغت 13 مليار دولار، حيث أكد رئيسه التنفيذي بريان موينيهان أن الذكاء الاصطناعي بات مدمجاً في مختلف الخدمات المصرفية المقدمة للأفراد والمؤسسات. واعتمد البنك أكثر من 300 حالة استخدام في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، إضافة إلى تشغيل 34 حالة استخدام توليدي بشكل كامل في قطاعات إدارة الثروات والخدمات المصرفية الاستثمارية والهندسة.
وسجل المساعد الافتراضي للبنك «Erica» أكثر من 3.2 مليار تفاعل مع العملاء منذ إطلاقه عام 2018. كما يعتمد البنك على نماذج ذكية متعددة لإعداد التقارير اليومية للأسواق المالية، وتوليد العروض الاستثمارية التقديمية لكبار العملاء.
ترتبط مؤسسة مورغان ستانلي بشراكة إستراتيجية ممتدة لسنوات مع شركة «أوبن أيه آي» حيث حرصت على تزويد مستشاريها الماليين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتطوير جودة الخدمات المقدمة.
وكشفت الشؤون المالية للبنك عن أداة «DevGen.AI» البرمجية، التي نجحت في توفير أكثر من 280,000 ساعة عمل على المطورين، ما يعادل نحو 11,666 يوماً كان يتطلبها تحليل الشفرات البرمجية القديمة.
إضافة إلى ذلك، يعتمد البنك على منصة «Parable» التفاعلية لتحليل البيانات وتلخيصها، إلى جانب نظام «LeadIQ» الذي يوزع فرص التمويل ويربط العملاء بالمستشارين الماليين المناسبين. وتأكيداً على هذا التحول، أظهرت استطلاعات الرأي بين متدربي البنك أن 72 % منهم يستخدمون تطبيق «تشات جي بي تي» بشكل يومي أو عدة مرات أسبوعياً كعنصر أساسي في إنجاز مهامهم.
ورغم تباين الإستراتيجيات بين التركيز على الإنتاجية الفردية أو توسيع نطاق الوكلاء الأذكياء أو تقليص التكاليف التشغيلية، يبقى التحدي الأكبر لعمالقة المال والأعمال محصوراً في إثبات جدوى هذه المليارات من خلال عوائد مالية واضحة، وضمان أمان وحماية هذه الأنظمة المعقدة في بيئةٍ مالية لا تحتمل الخطأ.