«التنس»... حكاية قرن بين الكويت وبريطانيا

لم تكن المباراة الودية التي نظّمتها السفارة البريطانية لدى الكويت أخيراً، على ملاعب أكاديمية «رافا نادال الكويت»، تزامناً مع بطولة ويمبلدون، مجرد فعالية رياضية عابرة، بل أعادت إلى الذاكرة صفحة منسية من تاريخ العلاقات الكويتية - البريطانية، حين كانت ملاعب التنس شاهدة على لقاءات جمعت الأسرة الحاكمة في الكويت مع ممثلي بريطانيا منذ نحو قرن.
ويرى الباحث في العلاقات الكويتية - البريطانية الحاصل على ميدالية الإمبراطورية البريطانية (BEM) عيسى دشتي، أن المشهد الذي ظهر فيه السفير البريطاني لدى الكويت قدسي رشيد وهو يمارس التنس، يعكس امتداداً لعلاقة رياضية وتاريخية تعود إلى بدايات ثلاثينات القرن الماضي، عندما كانت اللعبة تمارس في الكويت قبل أن تصبح رياضة واسعة الانتشار.
وأكد دشتي، في حديثه لـ«الراي» أن هذه المباراة أعادت إلى الأذهان أولى مباريات التنس التي شهدتها الكويت، والتي أقيمت على ملعب خاص أنشأه حاكم الكويت العاشر الشيخ أحمد الجابر الصباح، مؤكداً أن التنس ليست رياضة حديثة العهد في الكويت، بل يمتد تاريخها إلى ما يقارب مئة عام.
ويستند دشتي، إلى ما وثقته فيولت ديكسون في كتابها «أربعون عاماً في الكويت»، والذي يروي تفاصيل اهتمام الشيخ أحمد الجابر الصباح، بهذه الرياضة، مشيراً إلى أن الشيخ أحمد الجابر، لم يكتفِ بتشجيع اللعبة، بل أنشأ ملعباً خاصاً للتنس داخل إحدى حوطاته القريبة من قصره في مدينة الكويت، كما اقتنى مضارب التنس وارتدى الملابس المخصصة للعبة، في خطوة تعكس اهتمامه بالرياضات الحديثة آنذاك.
ويضيف أن هذا الملعب تحوّل إلى ملتقى أسبوعي يجمع عائلة المعتمد البريطاني وموظفي المعتمدية البريطانية، كما استقبل ضباط البحرية الملكية البريطانية خلال زيارات سفنهم المتكررة إلى الكويت.
وبحسب ما أورده كتاب فيولت ديكسون، فإن الكولونيل هارولد ديكسون، كان يرى أن ممارسة الرياضة اليومية ضرورة للحفاظ على الصحة النفسية والجسدية، وكان يحرص على المشي وركوب الخيل ولعب التنس بصورة منتظمة.
وفي أواخر عام 1930، طلب ديكسون، من الشيخ أحمد الجابر، تخصيص موقع لإنشاء ملعب تنس جديد، فما كان من الشيخ إلا أن رحّب بالفكرة فوراً، واقترح أن يكون داخل حوطته الخاصة، وطلب بنفسه الإرشادات الفنية الخاصة بإنشاء الملعب.
ومنذ افتتاحه، أصبح الملعب مقصداً أسبوعياً لعائلة ديكسون وضيوفهم، فيما كان الشيخ أحمد الجابر وأفراد أسرته وأصدقاؤه يتابعون المباريات من مقاعد قريبة، أو ينشغلون بلعبة «الكيرم» في أجواء اجتماعية مميزة.
ويبيّن دشتي، أن استخدام ملعب الشيخ أحمد الجابر، استمر حتى نهاية العام 1937، قبل أن تُنشئ شركة نفط الكويت ملعباً جديداً في منطقة الشويخ العام 1938 لخدمة موظفي الشركة والزوار، لينتقل النشاط الرياضي إليه تدريجياً.
كما يلفت إلى أن مبنى دار المعتمد البريطاني الجديد في منطقة دسمان، والذي أصبح لاحقاً مقر السفارة البريطانية، شهد إنشاء ملعب آخر للتنس في أوائل خمسينات القرن الماضي، ومازال الملعب قائماً داخل السفارة حتى اليوم، وإن تغير موقعه داخل محيطها مع مرور السنوات.
ويختتم دشتي، حديثه بالتأكيد على أن المباراة التي نظمتها السفارة البريطانية ليست مجرد نشاط رياضي، وإنما امتداد لعلاقة إنسانية وثقافية ورياضية عريقة جمعت الكويت وبريطانيا منذ ثلاثينات القرن الماضي، عندما كانت ملاعب التنس شاهدة على واحدة من أقدم صور التواصل الاجتماعي والرياضي بين البلدين، لتستمر هذه الحكاية حتى يومنا هذا، وإن اختلفت الملاعب وتغيرت الوجوه.