لبنان «يقاتل» في مفاوضات روما مع إسرائيل لـ... تثبيت حدوده

لم يكن عابراً أن يتجلّى مجدداً وقوع لبنان «بين ناريْ» إسرائيل و«حزب الله»، في إطار سعي الأولى لضبط دينامية جبهة الجنوب وخريطة الطريق الشائكة لقفْلها «لمرة واحدة» وأخيرة على إيقاع مقتضيات انتخابات الخريف وبما يُبْقي في يدها «الضمانة» لسحب السلاح في شكل كامل، وإصرار الثاني على إحياء «الأوعية المتصلة» مع جبهة إيران بعدما قطع الاتفاق الإطار الذي وقّعتْه بيروت وتل أبيب وواشنطن «حبل السرة» الذي كان يُرسي «وحدة المسار والمصير» بين «بلاد الأرز» والجمهورية الإسلامية.
ففي وقت كان لبنان يخوض معركة دبلوماسية على طاولة روما 2 في اليوم الأول من الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، وهي الثانية على التوالي التي تستضيفها العاصمة الإيطالية، ساعياً إلى انتزاع «صكّ اعتراف» إسرائيلي موثق بحدوده الدولية وتالياً إقراراً بأن خطّ الانسحابات المتدرّجة وفق سيناريو المناطق النموذجية هو إلى ما وراء هذه الحدود، عاجل «حزب الله» السلطة اللبنانية بهجومٍ تخويني وتهديديّ لها بلسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، شكّل واقعياً تقويضاً لموقفها وموقعها التفاوضي وإسناداً لمحاولة تل أبيب استئخار عملية الانسحاب وتعزيزاً لسرديتها التي تشكّك من خلالها بقدرة بيروت على التحكم بمفاتيح الحل الشامل، ومحورها سلاح الحزب.
فقاسم، وفي كلمة بالصوت والصورة، اعتبر «أن كل المفاوضات المباشرة لم تجلب للبنان إلا العار والذل والخيبة والتنازلات المتتالية»، متهماً «الحُكْمَ في لبنان بأنه تنازل عن كل ما لديه مجاناً ومن دون أي فائدة»، والسلطة السياسية بأنها «كانت عوناً لإسرائيل بدل أن تكون عوناً لسيادة لبنان. والرئيس (جوزاف عون) لم يعمل كحَكَم وجامع بل أصبح طرفاً ومُفرّقاً»، وصولاً لتوعُّده «سنواجه مَن ينخرط في المشروع الإسرائيلي ويُنفّذ خطواته ضدّ المقاومة وشعبها وضدّ وطننا كما نواجه العدو الإسرائيلي (...)».
وأكد «أن الاستقرار في لبنان مبني على الاستقرار في الجنوب. المستقبل واحد والمركب واحد ويجب أن نكون يداً واحدة»، لافتاً إلى «أن الخيار الوحيد أمام العدو الإسرائيلي هو الانسحاب الكامل وسينسحب ولن يستقر في لبنان. نحن مع انتشار الجيش في جنوب نهر الليطاني، وهذا الانتشار مُرحب به بل ونساعد إلى الحد الأقصى كما ساعدْنا».
وذكّر بأن «إيران عملت على أن نكون في البند الأول من مذكرة التفاهم (مع واشنطن)، واشترطت أن يكون وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي أساساً، ولم يكن هذا الوقف لإطلاق النار أن يحصل لولا هذه المذكرة»، داعياً «السلطة السياسية في لبنان إلى وقف التنازلات المجانية، وفتح باب الحوار مع المقاومة، وترميم الوضع الداخلي»، ومعتبراً «أن مسار مذكرة التفاهم هو الذي سيحقق الانسحاب الإسرائيلي، فالجمهورية الإسلامية الإيرانية انتصرت».
وأكد «أهمية وضرورة العلاقة الأخوية والإيجابية والتعاونية بين دولتي لبنان وسوريا»، معتبراً«أن سوريا المستقرة هي سند للبنان كما لبنان المستقر هو سند لسوريا، لا يوجد أي مانع من اللقاء العلني بين حزب الله والقيادة السورية في الوقت الذي يكون مناسباً بتقدير الطرفين».
وسريعاً، ردّ رئيس الحكومة نوّاف سلام، عبر حسابه على منصّة«إكس»على حزب الله من دون تسميته، إذ كتب:«يطلّ علينا اليوم من يتّهم السلطة السياسية بأنها «كانت عوناً لإسرائيل بدل ان تكون عونًا لسيادة لبنان»، ثم يدعو إلى الحوار والوحدة وكأن اللبنانيين بلا ذاكرة. فالحقيقة أن العون الأكبر لإسرائيل قدّمه مَن تفرّد بإدخال لبنان في مغامرات حروب اسناد عبثية، ومَنَحها الذرائع للاعتداء على بلدنا ودوْس سيادته وتدمير مدنه وقراه وقتل أبنائه وتهجيرهم بمئات الالاف».
وأضاف «مَن تفرّد بقرار الحرب ويحاول الاستمرار بمصادرة قرار الدولة، وربط لبنان بحسابات ومحاور خارجية، متجاهلاً مصالح بيئته و اللبنانيين عموماً، لا يملك أن يوزّع شهادات في الوطنية، ناهيكم في السيادة. فلا سيادة للبنان إلا بقرار واحد مستقل في دولة لها جيش واحد، تبسط سلطتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصراً. أمّا الحوار والوحدة، فلا يُبنيان إلا بشجاعة الاعتراف بالحقائق على مرارتها، وبتحمل المسؤولية عن الخيارات المتهورة التي لايزال يدفع اللبنانيون أثمانها الباهظة».
وتابع «تبقى الدولة حضناً لكل اللبنانيين ولا سيما لأهلنا الذين تكبدوا الخسائر، الواحدة تلو الأخرى، وهي تبقى ملتزمة بإزالة الاحتلال الإسرائيلي عن كل شبر من أرضنا وإعادة كل أسرانا، وملتزمة بتأمين شروط العودة الكريمة والآمنة لأهلنا الى مدنهم وقراهم وحقولهم وبيوتهم وإعادة إعمارها. ويبقى أيضا أن الاقلاع عن لغة التخوين والصدق في الدعوة إلى الحوار والتضامن الوطني هو طريقنا الأجدى لتعزيز قدرة لبنان على مواجهة كل هذه التحديات الجسام».
ولم يحجب «فتْح النار» من حزب الله على السلطة السياسية الأنظار عن مفاوضات روما التي تستمر جولتها السابعة حتى الخميس، وقد تركّزت الثلاثاء على موضوع إعادة إظهار وتثبيت الحدود الدولية المعترف بها، وآلية التحقق من خلو المناطق التي تنسحب منها إسرائيل - في إطار المراحل التجريبية - من سلاح«حزب الله»وعدم عودته إليها، إلى جانب وقف تل أبيب أعمال الجرف والتفجير، وتثبيت وقف النار.
وفيما وصفت تقارير صحافية أجواء محادثات الثلاثاء التي خيضت بوفود موسّعة ولا سيما من جانب لبنان والولايات المتحدة بأنها كانت«دقيقة وحساسة»، تحدثت معلومات عن أن الجانب اللبناني قدّم عرضاً بالاعتداءات الاسرائيلية ودعا لالتزام كامل بوقف النار، كما وثّق نتائج انتشار الجيش في المناطق النموذجية الأولى (زوطر الغربية وفرون وصريفا) وجوارها.
وبحسب المعطيات، فإن موضوع آلية التحقق، والذي اعتبره الأميركيون مدخلاً للانتقال الى مراحل تجريبية أخرى، يتمحور النقاش فيه حول تفاصيل تنفيذية بما في ذلك الجهة التي ستشرف على اللجنة العسكرية المولجة تأكيد أن البلدات المشمولة باتت«مطابقة للمواصفات»، وسط رفض الولايات المتحدة أن يكون لها أي حضور ميداني، واعتراض لبنان على أي دور مباشر لإسرائيل أو أي إطار يفترض تنسيقاً معها، وفيتو تل أبيب على أي مشاركة فرنسية، وهو ما يحتاج إلى تقاطعات رُجح أن تُفضي الى أن يترأس جنرال إيطالي اللجنة.
وفي الإطار نفسه، تم التعاطي مع ملف الحدود البرية على أنه بمثابة ورقة بارزة يمكن أن تعزّز رصيد الدبلوماسية اللبنانية، وتعوّض الرفض المتوقّع من إسرائيل لجدولةٍ سريعة لانسحابات جديدة (بيروت تريد أن تكون بنت جبيل والخيام هي التالية) قبل التحقق من المرحلة الأولى، وذلك من ضمن رغبة بنيامين نتنياهو، في ملاقاة انتخاباته بصفر انسحابات من منطقة«الخط الأصفر».
ومن شأن التفاهمات على موضوع الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل وبت النقاط الخلافية حولها، أن يشكل خرقاً بارزاً وإن بمفعول مؤخَّر، يطوي في شكل نهائي صفحة الأطماع الاسرائيلية بالأراضي اللبنانية، وإن كانت تل ابيب تربط الخروج الكامل بالسحب الكامل لسلاح «حزب الله».
وفي حين أشارت تقارير الى أن الوفد اللبناني المفاوض رفض مناقشة الملفّ الاقتصادي في ظلّ وجود الوفد الإسرائيلي، وسط توقعات بتشكيل لجان لبحث القضايا التي تشكل جزءاً من اتفاق شامل، نُقل عن مصادر الرئاسة اللبنانية أن «النقاش خلال جولة المفاوضات بدأ بالتفاصيل التقنية والتفصيلية للآليات التنفيذية الخاصة في المناطق النموذجية».
وقالت إن «الوفد اللبناني أصر على نقل مطلب الالتزام بوقف النار إلى المستوى السياسي الإسرائيلي بانتظار الأجوبة، والجانب الأميركي متفهّم جداً لهذا الطلب»، لافتة إلى أنه «طلب أيضاً البحث في مناطق نموذجية جديدة بعد التوصل الى الالية التنفيذية والتقنية».
وأضافت أن «الوفد الإسرائيلي تراجع للمرة الأولى عن موقفه السابق بشأن الحدود البرية وسيتم العمل على إعادة إظهار الحدود المرسمة دولياً».
وفي ذكرى المأساة التي سقط فيها أكثر من 230 ضحية بمئات أطنان نيترات الأمونيوم التي انفجرت في 4 أغسطس 2020 وكانت مخزنة في العنبر رقم 12 في مرفأ العاصمة التي دُمر نصفها في ثوانٍ جُرح فيها أيضاً نحو 6000 شخص، جدد ذوو الضحايا المطالبة بالحقيقة والعدالة والمحاسبة وكلها مازالت غائبة.
أما وزير العدل عادل نصار، فأكد «أن القرار الظنّي سيصدر، وستتم المحاكمة بعد ذلك، وهذا واجب الدّولة وليس منّةً»، موضحاً أنّ «النّيابة العامّة تعمل بشكل جدّي ورصين ودون مماطلة على إنجاز المطالعة في ملف التحقيقات بانفجار المرفأ، مع احترام استقلاليّة القضاء، ومن المفترَض أن تنتهي من المطالعة قبل نهاية العام، والإجراءات تسير بوتيرة طبيعيّة».
أعلن الجيش اللبناني، أنه «ونتيجة المتابعة الأمنية لعمليات التهريب عبر الحدود الشمالية والشرقية، ضبطت وحدة من الجيش في جرد عرسال صواريخ غراد 122 ملم جرى تهريبها من الأراضي السورية إلى الأراضي اللبنانية، إضافة إلى آلية بيك أب كانت تُستخدم لنقلها، وأوقفت المواطنَين (ع.ح.) و(م.و.)، وهُما من أفراد شبكة التهريب».