ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiخارجيات بقلم أحمد فتحي,خالد الحطاب,أحمد فتحي,خالد الحطاب,أحمد فتحي,خالد الحطاب,أحمد فتحي,خالد الحطاب,أحمد فتحي,خالد الحطاب,محمد أبو خضير,زكي أبو الحلاوة

غزة... بين الإعلان الطموح وعقبات التنفيذ

غزة... بين الإعلان الطموح وعقبات التنفيذ

- خطة ترامب «خريطة طريق» وليست اتفاقاً نهائياً

- قبول «حماس» بـ «بالاتفاق التاريخي»... تحوّل جذري في خطابها وسياساتها

- من منظور إسرائيلي... أشبه بـ «هزيمة سياسية» ونتنياهو قد يقلب الطاولة أو يعيد تعريف «النصر»

في 31 يوليو الماضي، أقدم الرئيس دونالد ترامب، على خطوة غير مسبوقة في تاريخ الدبلوماسية الأميركية تجاه الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، معلناً عبر منصة «إكس» توصل «مجلس السلام» إلى اتفاق «تاريخي» لنزع سلاح حركة «حماس» والفصائل المسلحة في قطاع غزة، كجزء من خطته المكونة من 20 بنداً لإنهاء الحرب.

غير أن هذا الإعلان، الذي وُصف بأنه «رهان مطلق» على إمكانية تحقيق اختراق في ملف متعثر منذ تسعة أشهر، سرعان ما واجه تراجعاً وتشكيكاً إسرائيلياً، ما يعكس حالة من الترقب والغموض حول مصير هذا الاتفاق.

ويؤكد المحللون السياسيون أن خريطة الطريق هذه «تتجاوز مجرد إعلان وقف إطلاق النار، إذ تحاول وضع آليات عملية لحكم مرحلة ما بعد الحرب، بما في ذلك ترتيبات إدارة غزة وإعادة الإعمار والأمن، ما يمنحها أهمية سياسية وتشغيلية أكبر من المقترحات السابقة».

لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن «المقترح لا يزيل الخلافات الجوهرية بين الأطراف وحماس وإسرائيل التي لديها تفسيرات مختلفة للاتفاق ولخريطة الطريق ووضعت أولوياتها الخاصة لتحقيق مصالحها أولاً، لذلك من المرجح أن مرحلة التنفيذ ستواجه اختبارها الأصعب».

ينص البند الأساسي على تسليم أسلحة الفصائل، وتفكيك البنية التحتية العسكرية والأنفاق، وتخزين الأسلحة تحت إشراف دولي. لكن الغموض يكتنف التفاصيل الجوهرية، إذ تتحدث حماس عن «إيداع السلاح الثقيل» لدى اللجنة الوطنية، وليس تسليمه للاحتلال كما يريد نتنياهو.

ويوضح مسؤول في مجلس السلام أن عملية تسليم الأسلحة الثقيلة وتفكيك الأنفاق قد تستغرق ما بين 200 و350 يوماً. وهذا الجدول الزمني الطويل يثير تساؤلات جدية حول إمكانية حدوث نزاعات متكررة بشأن الامتثال، ما قد يؤخر الانسحاب الإسرائيلي حيث يرفض نتنياهو، تنفيذ بنود الاتفاق إلا بعد نزع السلاح بخلاف إعلان ترامب.

تنص الخطة على تشكيل «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، وهي هيئة فلسطينية تكنوقراط تتولى المسؤوليات المدنية والأمنية في القطاع، لتحل محل حكومة حماس. لكن المحللين يشيرون إلى تحديات كبيرة تواجه هذه اللجنة، بما في ذلك الحاجة إلى تأمين إجماع فلسطيني واسع، وإعادة تنظيم المؤسسات، والحصول على تمويل كافٍ لإعادة الإعمار.

ينص الاتفاق على انسحاب تدريجي لقوات الاحتلال الإسرائيلي، مرتبط بالتقدم الملموس في عملية نزع السلاح وفق ما يريد نتنياهو. وهنا تبرز المعضلة الأساسية: إصرار نتنياهو، على أن أي انسحاب يجب أن يكون مشروطاً بـ «نزع سلاح حماس الحقيقي» شرط تعجيزي لأنه لا يوجد كم أو تعداد أو أنواع السلاح الموجود في ظل غابة من العصابات التي مولتها وسلحتها تل أبيب في الأشهر الاخيرة، بينما تريد حماس وقفاً للهجمات وانسحاباً فعلياً قبل تسليم السلاح والحصول على ضمانات بوقف الاجتياحات والاغتيالات ووقف تزويد عصابات الاحتلال بالسلاح والمخدرات وغيرها من المتيازات التي تشكل وصفة لحرب أهلية.

يُتوقع أن تضم القوة الدولية جنوداً من كوسوفو وألبانيا والمغرب وأوغندا، لتأمين المرحلة الانتقالية، وحماية المساعدات، وتدريب الشرطة الفلسطينية. لكن تقارير تشير إلى أن قوة التثبيت الدولية لم تُنشر بعد بشكل فعال، فيما وُصفت خطة الإعمار بأنها «طموحة لكنها غير مموّلة» بحاجة الى ملياري دولار وخمسة آلاف عنصر مع سلاح ومقرات في قطاع غزة وعلى الحدود مع سيارات عسكرية وشبكة اتصالات ودعم لوجستي دولي وعربي.

تشير مصادر اللجنة ومجلس السلام أنه لا يوجد أي أموال في صندوق المجلس بعد - إلى أنه رغم إعلان ترامب، تخصيص مليارات الدولارات، فإن صحيفة «Financial Times» أفادت في 27 مايو بأنه لم تصل أي أموال مانحة إلى البنك الدولي، وأن مصادر مطلعة أكدت أنه «لم يُنفق دولار أميركي واحد» حتى الآن على إعادة إعمار غزة من خلال آليات تمويل المجلس.

رغم أن نتنياهو أعلن في السابق دعمه لخطة ترامب، إلا أن موقفه العملي أبدى تحفظاً كبيراً. وشرع في وضع العراقيل. وقد أكدت مصادر سياسية إسرائيلية أن إسرائيل «لا تقبل خارطة الطريق» كما هي، وأبلغت اعتراضاتها لمجلس السلام - لديها تفسير مختلف للبنود جميعها.

يقول المحلل العسكري رونين بيرغمان في صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الاتفاق «ليس نصراً»، وأن نتنياهو تنازل عن معظم مطالبه الخمسة التي وضعها قبل عام لإنهاء الحرب. ويخلص بيرغمان إلى استنتاج قاطع: «إذا قسنا النتيجة وفقاً للشروط التي وضعها نتنياهو نفسه، فمن الصعب وصفها بالنصر الكامل، ولا حتى بالنصر الجزئي. هذه الخارطة هي هزيمة لنتنياهو».

يواجه نتنياهو ضغوطاً كبيرة من حلفائه اليمينيين، وفي مقدمتهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي وصف الاتفاق بأنه «غير مقبول» ويعني موافقة إسرائيل على «تنظيم حماس لليوم التالية».

هذا الانقسام الداخلي، بالتزامن مع الانتخابات المقررة في أكتوبر 2026، يجعل نتنياهو، في موقف حرج للغاية، إذ يحاول إرضاء ترامب، من جهة، وناخبيه من اليمين المتطرف من جهة أخرى.

يحلل مركز «تايمز أوف إسرائيل» المأزق الذي يواجهه نتنياهو، مشيراً إلى أن الاتفاق قد يثبت صحة المنتقدين الذين قالوا إن «النصر الكامل» الذي طالما سعى إليه نتنياهو، قد فاته، وأن قطاع غزة قد يُسوى أخيراً ليس باستسلام غير مشروط، بل عبر اتفاق مع حماس، يُعطي مستقبلا للقطاع بعد تدميره، ويخلق «حكومة فلسطينية» ويطرح افق حل الدولتين من جديد.

يُعد قبول «حماس» بالمبادئ العامة للخطة حدثاً تاريخياً بامتياز، وهو ما يُقر به كبار المحللين الإسرائيليين حتى لو انتقدوا التفاصيل. يشير المحلل تسفي برئيل في «هآرتس» إلى أن موافقة حماس على التنازل عن السيطرة الأمنية معروف وسبق أعلنت عن ذلك أكثر من مرة ومبدأ تسليم السلاح هو «القرار الأعمق أثراً في تاريخ الحركة».

يرى المحللون أن مرونة الحركة تعكس إلى حد كبير التكاليف البشرية والعسكرية والسياسية الباهظة للصراع المطول، ما «شجع حماس على الاستجابة بسرعة أكبر لمبادرات الوساطة». ويشير إلى أن حماس أظهرت مرونة أكبر في القضايا التي كانت تُعتبر سابقاً غير قابلة للتفاوض، مع سعيها لضمان أن تكون أي تنازلات مقابلة بالتزامات إسرائيلية متبادلة في ظل التراجع العربي والإسلامي والمجازر التي نفذها الجيش الإسرائيلي والدمار الشامل من دون أي رادع.

تبقى العقبة الأكبر هي خلاف «من يبدأ أولاً». تريد إسرائيل نزع سلاح فعلي قبل الانسحاب، بينما تريد حماس وقفاً للهجمات وانسحاباً فعلياً قبل تسليم السلاح. تحاول خارطة الطريق حل ذلك بالتوازي، لكن هذا يتطلب درجة عالية من الثقة غير الموجودة.

تشير التحليلات إلى أن التحقق من تسليم حماس لكل أسلحتها، خصوصاً الأنفاق والصواريخ المخفية، هو مهمة شبه مستحيلة في بيئة معادية ومعقدة، ما يعطي إسرائيل ذريعة لتجميد الانسحاب. ولم يقدم المقترح بعد شرحاً تفصيلياً لكيفية التحقق المستقل من نزع سلاح حماس.

التساؤل الأهم هو إن كانت «اللجنة الوطنية» قادرة على ملء الفراغ الذي ستتركه حماس، وفرض سيطرتها، وكسب شرعية شعبية في غزة المدمرة.

ويشير المحللون إلى أن اللجنة ستواجه عقبات كبيرة، بما في ذلك تأمين إجماع فلسطيني واسع، وإعادة تنظيم المؤسسات، والحصول على تمويل كافٍ.

ويمثل إيران عاملاً آخر من عوامل عدم اليقين. فقد ذكر مسؤول أميركي أن طهران حثت «حماس» على عدم قبول الصفقة. لكنه أضاف أن قدرة إيران على دعم الجماعة قد تكون محدودة لأنها منشغلة بصراعها مع الولايات المتحدة.

قبول الحركة بالاتفاق يُعد تحولاً جذرياً في خطابها وسياساتها، كما يشير المحللون، محاولة للتكيف مع وقائع الحرب أكثر من كونه تحولاً أيديولوجياً جوهرياً.

من منظور إسرائيلي، يمثل الاتفاق في صيغته الحالية تراجعاً عن الشروط التي وضعتها حكومة نتنياهو سابقاً، ما يجعله أشبه بـ «هزيمة سياسية» في نظر المحللين الإسرائيليين أنفسهم.

نتنياهو في مأزق، إذ يواجه ضغوطاً متناقضة من ترامب، الذي يريد تمرير الصفقة، وحلفائه اليمينيين الذين يهددون بإسقاط حكومته. كما توصلت تحليلات «تشاتام هاوس» إلى استنتاج مفاده بأن «سياسات نتنياهو، انهارت واحدة تلو الأخرى» في مواجهة الضغوط الأميركية.

السؤال الأهم: هل سيتحول هذا الإعلان إلى بداية حقيقية لمرحلة جديدة في غزة، أم سينضم إلى سلسلة المبادرات التي ظلت حبيسة الأدراج وطاولات المفاوضات؟

الإجابة، كما يؤكد المحللون، لن تحددها التصريحات والإعلانات، بل ما سيحدث على الأرض في الأسابيع والأشهر القادمة.

في النهاية، يبقى الرهان على قدرة الأطراف الدولية والإقليمية - وفي مقدمتها مصر وقطر وتركيا - على سد الفجوة بين الموقفين الإسرائيلي والفلسطيني، وبناء نظام ثقة حقيقي على الأرض، وإلا فإن هذا الاتفاق الطموح سيبقى مجرد «ورقة إعلان» أخرى في تاريخ الصراع الطويل.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓