سيد البئر الجنوبيه

زرت مدينه الاحمدي، حيث يقبع تحت ارضها حقل برقان النفطي، الضخم، لاول مره في الخمسينيات، وكانت مرتع صبانا. واصبحت مع الوقت نموذجيه في طرقها وبيوتها وتنظيمها وحدائقها والزهور في طرقها، والاشجار تسور ملاعبها، ونواديها الرياضيه والاجتماعيه، ودار السينما، حتي بضائع السوبر ماركت كانت «غير شكل»! مع كل ما امتازت به الاحمدي من تنظيم عصري، الا اننا فشلنا في ان نبني ولو واحده من مناطقنا السكنيه بالطريقه نفسها، بل بنت الحكومه بيوتا تفتقد لكل ذوق لاسر ذوي الدخل المحدود والمتوسط، علي الرغم من ان تصاميم بيوت الاحمدي كانت ملائمه اكثر، بل مثلي، لطقس الكويت، كما كانت احتياجاتها من الغاز والخدمات الاخري تتوافر مباشره من المصدر، وبعد سبعين عاما، لا نزال نصر علي استخدام سلندرات الغاز الخطره والقبيحه، وربما في الامر سر ما؟ كنا ننهي «كشه الاسبوع»، بالمرور علي الاحمدي، وشراء، ما لذ وطاب من مخزن زمزم، للمرحوم عبدالخضر عبدالرحيم. ومع منتصف الستينيات اصبح لنا اصدقاء من موظفي شركه النفط، وكنا بالفعل نتحسر علي بساطه وجمال بيوتهم، مقارنه بقلاع الكونكريت التي كنا نسكنها، فقد كانت بسيطه وجميله وبارده، والاشجار والزهور تملا اركانها. كلما زرت الاحمدي كنت استغرب من اطلاق اسم «البئر الجنوبيه»، ساوث ويل South Well، علي مستشفاها، وكنت اعتقد انه مكان اول بئر حفرت لاستخراج النفط، وكنت اتساءل عن سبب وجود فوهه البئر علي ما يشبه «التله». استغرق الامر قرابه ستين عاما، لاكتشف بان «ساوثويل» لا تعني البئر الجنوبيه، بل كلمه واحده، تعني اسم اول من تولي رئاسه مجلس اداره شركه نفط الكويت، السير فيليب ساوثويل (Sir Philip Southwell)، وتم تكريمه باطلاق اسمه علي مستشفي المدينه، عند افتتاحه عام 1960. علما بان ادارته استمرت من 1946، سنه تصدير اول شحنه نفط، مع نهايه الحرب العالميه الثانيه، حتي تقاعده عام 1959. تغير اسم المستشفي تاليا مرات عده، قبل ان يستقر علي «مستشفي الاحمدي». بعد انقطاع دام طويلا، قمت قبل ايام بزياره الاحمدي، بدعوه من صديق يشغل منصبا تقنيا رفيعا، للاطلاع علي انشطه الشركه، وزياره معرضها الذي يروي تاريخ الشركه، وهناك اكتشفت كم كنت جاهلا، ربما مثل الغالبيه الساحقه من المواطنين، بما تعنيه هذه المدينه لنا، وعلي الرغم من انها مصدر المعيشه الطيبه التي ننعم بها، وعنوان رخاء الدوله، وموطن «حقل برقان»، سيد حقول الكويت النفطيه، الذي تم اكتشاف امكاناته عام 1938، ولكن انشغال بريطانيا في حربها مع المانيا، دفعها لاغلاقه، واعاده فتحه بعدها بثماني سنوات، والذي يعتبر الاكبر في العالم، بعد حقل الغوار السعودي. عرفت في تلك الزياره الكثير الذي كان خافيا علي، خاصه بعد زياره معرض الشركه، وكان العرض الذي استغرق قرابه نصف الساعه مميزا، عرفت من خلال شرح العاملين فيه من الشباب الكويتي، الكثير من اسرار انتاج النفط، وطرق تصديره، وطبعا كان لا بد من مشاهده عرض قريب للواقع عن جريمه صدام البيئيه الهائله، عندما اصدر «اوامره الجبانه»، في فبراير، لاشاوسته، لتدمير نحو 1073 بئرا نفطيه، ما ادي الي اشتعال النيران في قرابه 737 بئرا منها، ولا يزال العالم، وبعد 36 عاما، يتساءل عن الدافع وراء ارتكاب تلك الجريمه البيئيه الكبري في التاريخ، فلا احد استفاد من ارتكابها، واضرت بمن ارتكبها، بمثل ما اضرت باصحابها، وهي بالتالي من الجرائم الاكثر غباء في التاريخ. ملاحظه: علي الرغم من كل اللغط الذي دار حول مبالغه الاداره الانكليزيه، واسرافها في الصرف علي نفسها، خلال الفتره السابقه لتاميم الشركه، وفي المزايا الماليه التي كانوا يحصلون عليها، فانه من الانصاف الاعتراف، من واقع ما اعرف، بان الاداره الوطنيه، التي خلفتها في معظمها، لم تكن افضل منها!. احمد الصراف
زيارة احمد الصراف لمعرض شركة نفط الكويت