ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasسياحة

«مارغريت»... جزيره هنغاريه تتهادي علي ايقاع ينابيعها الحراريه

«مارغريت»... جزيره هنغاريه تتهادي علي ايقاع ينابيعها الحراريه

علي بعد نحو خمس عشره دقيقه بالسياره من قلب بودابست، تستلقي جزيره مارغريت Margaret Island في احضان نهر الدانوب، كانها استراحه خضراء اختارتها المدينه لنفسها. هنا تخف وطاه العاصمه، ويصبح للوقت ايقاع اخر؛ اشجار وارفه، وممرات تتهادي بين المساحات الخضراء، ومياه النهر تحيط بالجزيره من كل جانب. ولاهل بودابست علاقه خاصه بهذه البقعه التي يصفونها بانها «رئه بودابست الخضراء» فهي ليست مجرد متنزه واسع، بل مساحه تختلط فيها الطبيعه بالتاريخ، وتبقي اثار القرون الماضيه حاضره بين الاشجار والممرات. وفي الخريف، تزداد مارغريت فتنه؛ تكتسي الاشجار بدرجات الذهب والنحاس، بينما ينساب الدانوب حولها بهدوء، فتبدو الجزيره وكانها لوحه رسمتها الطبيعه في قلب العاصمه. لكن مارغريت لا تستمد سحرها من جمالها الطبيعي وحده. فكل زاويه فيها تحمل اثرا من تاريخ المجر، ولعل اكثر القصص حضورا تلك التي ارتبطت بالقديسه مارغريت، ابنه الملك بيلا الرابع، والتي حملت الجزيره اسمها. حكايه اميره وراء اسم الجزيره حكايه تعود الي واحده من اكثر الفترات اضطرابا في تاريخ المجر. ففي القرن الثالث عشر، اجتاحت جيوش المغول اراضي المملكه، ووجد الملك بيلا الرابع نفسه امام تهديد يطال البلاد والعرش معا. وفي خضم تلك المعركه، نذر الملك ابنته مارغريت للحياه الدينيه، متعهدا بان يكرسها للدير اذا نجت المملكه من الخطر. وبعد انحسار الغزو، اوفي بوعده، فارسلت مارغريت الي دير الدومينيكان وهي في الحاديه عشره من عمرها، لتبدا حياه مختلفه تماما عن حياه القصور، عنوانها الزهد والتقوي وخدمه الاخرين. عاشت مارغريت بين عامي 1242 و1270، وظلت سيرتها وما نسب اليها من معجزات حاضره في الذاكره الروحيه للمجر، حتي اعلنت قديسه رسميا عام 1943. ولا تزال بقايا دير الدومينيكان وكنائسه القديمه شاهده علي تلك الحقبه، فتمنح الجزيره بعدا اخر؛ تاريخا يمكن رؤيته في الحجاره، واستشعاره في صمت المكان. حين تصبح العافيه اسلوب حياه في الطرف الشمالي من الجزيره، حيث يزداد المشهد هدوءا، يقع فندق «ثيرمال مارغريت ايلاند»، احد ابرز عناوين الاستشفاء والعافيه فيها. وهنا تتخذ الاقامه معني مختلفا؛ اذ تلتقي الرعايه الطبيه المتخصصه براحه المنتجع، في مكان صمم ليمنح الجسد والعقل فرصه للابتعاد عن صخب الحياه اليوميه. يضم الفندق 277 غرفه وثمانيه اجنحه، الي جانب منتجع صحي ومركز طبي يقدم مجموعه واسعه من البرامج المتخصصه في العنايه بالجهاز العضلي والهيكلي، والجهاز العصبي والدوره الدمويه والجهاز الهضمي، فضلا عن برامج اعاده التاهيل بعد الاصابات والعمليات الجراحيه. اما المياه الحراريه، فهي في صميم التجربه. ففي الحمامات المعدنيه، يجد الضيف مساحه للاسترخاء، بينما تمتد العلاجات الي الطين والتمارين المائيه واليوغا والتدليك، ضمن برامج تصمم وفق احتياجات كل شخص. والغايه في النهايه ليست مجرد قضاء ساعات في المنتجع، بل استعاده الحركه والنشاط والشعور بالتوازن. عوده الي اناقه الزمن الجميل وعلي الجانب الاخر من التجربه، يقف «غراند مارغريت ايلاند» شاهدا علي زمن كانت فيه الضيافه فنا له طقوسه الخاصه. بواجهته التاريخيه واطلالاته علي الدانوب والمساحات الخضراء، يحتفظ الفندق بشيء من اناقه اوروبا القديمه، ويمنح ضيوفه فرصه للاقامه داخل فصل من تاريخ الجزيره. وفي عام 2023، احتفل الفندق بمرور 150 عاما علي افتتاحه، ليواصل ارثا طويلا من الضيافه. ومن اجمل ما في التجربه ان نزلاء «غراند مارغريت» يستطيعون الوصول الي مرافق «ثيرمال مارغريت» عبر ممر داخلي دافئ، فيلتقي سحر الفندق التاريخي بخبره العافيه الحديثه. مياه صنعت هويه الجزيره ولعل اجمل ما في مارغريت ان علاقتها بالمياه تتجاوز كونها جزءا من جغرافيا المكان. فبودابست مدينه عاشت طويلا علي ايقاع ينابيعها الحراريه ومياهها المعدنيه، حتي اصبحت العافيه جزءا من ثقافتها. وفي مارغريت، تلتقي هذه الثقافه بطبيعه الجزيره الهادئه، فتتشكل تجربه لا تشبه مجرد زياره الي منتجع. يمكن ان يبدا النهار بنزهه بين الاشجار وعلي ضفاف الدانوب، ثم تتغير وتيرته مع حمام حراري او جلسه علاجيه، قبل ان يعود المساء الي هدوئه داخل الفندق. وبين خطوه واخري، يكتشف الزائر ان الجزيره لا تدعوه الي رؤيه المزيد بقدر ما تدعوه الي التمهل. وربما هنا يكمن سر مارغريت الحقيقي. فهي تجمع في مساحه واحده ما يبدو متناقضا: التاريخ والطبيعه، الفخامه والبساطه، المدينه والعزله، السفر والعافيه. لا تحتاج الي الكثير كي تترك اثرها؛ يكفي ان تمشي في ممراتها ببطء، ان تنظر الي الدانوب، وان تمنح نفسك وقتا لا تفعل فيه شيئا سوي ان تكون هناك.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓