ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasفنون

«بلا عنوان».. القيصر يعود بالبوم يليق بتاريخه

«بلا عنوان».. القيصر يعود بالبوم يليق بتاريخه

امجد جمال - يضع البوم «بلا عنوان» كاظم الساهر في مساحه الفنان الذي لم يعد معنيا بان يثبت شيئا لاحد، الساهر الذي قضي عقودا في اختبار الاشكال الموسيقيه والقصيده العربيه والعاطفه والغناء العراقي، يصل هنا الي درجه من السمو الفني تجعله يفعل ما يحب، ويصنع ما يستمتع بصنعه. والمفارقه ان الفنان الذي يبدو في هذه المرحله اقل انشغالا بالمنافسه، جعل المنافسه اكثر صعوبه علي الاخرين. ثماني عشره اغنيه يضمها الالبوم، تشبه فصولا متعدده في تجربه رجل وفنان بلغ قمم الخبره والنضج. ولعل عنوان «بلا عنوان» هو اولي مفارقات هذا المشروع. فكيف لالبوم بهذا الامتلاء الشعري والموسيقي والوجداني ان يختار لنفسه اسما يوحي بالفراغ؟ قد يكون اختيار كاظم الساهر لعنوان «بلا عنوان» تعبيرا عن رفضه حصر هذه التجربه الواسعه في اطار ضيق، بعدما اصبحت مشاعره واسئلته وتحولاته اكبر من ان يختزلها عنوان واحد. وقد يكون العنوان، مراه لرحله رجل انهكته السنوات ومرت به تجارب كثيره، حتي صار عدم الثبات جزءا من حكايته، عدم الثبات في مكان واحد، او حاله واحده، صار هو كل الاشياء وعكسها، وبات الرجوع الي مرجوعه الاولي اكثر صعوبه. لذا يبدو في هذا العمل وكانه يحاول وصل بعض الجذور ليشعر هو نفسه بالاطمئنان الوجداني، وهنا حيث تظهر الهويه العراقيه في الالبوم كانها الملاذ لرجل «بلا عنوان». يظهر العراق في الكلمه، وفي الايقاع، وفي المقام، وفي طريقه بناء الجمله الغنائيه. وتبرز الهويه العراقيه في «بلا عنوان» بصوره ربما هي الاوضح في اعمال الساهر الاخيره، من خلال الحضور الكثيف للايقاعات العراقيه المحليه الاصيله، مثل الجوبي والجورجينا والهجع والحطابه. ايضا يستعيد القيصر شيئا من ذاكرته الفنيه، عبر عوده التعاون مع اسماء كان لها تاثير كبير في تشكيل مسيرته الفنيه، مثل الشاعرين عزيز الرسام واسعد الغريري، بعد انقطاع تجاوز عشرين عاما منذ اخر تعاون. والي جانب ذلك، تمتد ثنائيته التاريخيه مع الشاعر الراحل كريم العراقي في اغنيه واحده، لتظل تلك العلاقه حاضره، ولو بقدر محدود، بينما تصدي القيصر لكتابه معظم اغنيات الالبوم بنفسه. وهنا تكمن واحده من اهم مفاتيح قراءه الالبوم، كاظم الساهر في «بلا عنوان» لا يبحث عن نصوص تناسب صوته فقط، بل يخلق بقلمه النص الذي يحتاجه صوته. يبدو الالبوم، في جانب كبير منه، كانه خلاصه رجل يعرف تماما ماذا يريد من الفن. هذا الاحساس بالتحرر لا ينفصل عن طريقه انتاج الالبوم نفسها. بعيدا عن حسابات السوق التقليديه، ينتج الساهر مشروعه لنفسه، باشراف انتاجي من نجله وسام، الذي يتعامل بعقليه شديده العصريه فيما يخص خطه التسويق، واسلوب الطرح الذكي الذي امتد علي مراحل عده محسوبه، وذلك بالتعاون مع الشريك التنفيذي «ثيرد كالتشر للترفيه». حيث نجحت استراتيجيه اصدار الاغنيات قبل طرح الالبوم كاملا. ست اغنيات خرجت منفرده علي مدار الشهور الماضيه، واحده تلو الاخري، مع توقف محسوب اثناء فتره كاس العالم، كل اغنيه صنعت زخما خاصا بها، ثم اضافت طبقه جديده الي حاله الانتظار والترقب، حتي وجد جمهور القيصر نفسه امام لحظه اصدار الالبوم الكامل وهو لا يشعر بانه امام عمل جديد تماما، وانما امام الصوره الكامله التي ظل يجمع قطعها طوال اسابيع. ايضا، خطه طرح الالبوم تخللها لقاء اعلامي للساهر في بودكاست ABtalks مع المحاور انس بوخش. تلك الحلقه حققت انتشارا لافتا، واثارت ردود فعل واسعه، وجاءت منها مقتطفات فنيه مشوقه لما يحضر له القيصر في الالبوم، فضلا عن جوانب انسانيه وحياتيه كشف عنها للمره الاولي، لدرجه تجعلنا نقرا كثيرا من الاغنيات التي الفها علي ضوء ما سمعناه في هذا اللقاء. وعلي صعيد الصوت والاداء، يواصل كاظم الساهر تاكيد ان الزمن لم ياخذ من حنجرته شيئا، بل منحها مزيدا من الرسوخ؛ صوته مثل الذهب لا يقل لمعانا. وعلي مستوي التلحين، لا يزال القيصر يتعامل مع المقامات الموسيقيه، الشائعه منها والنادره، بخفه لاعب يعرف ادواته تماما، فينتقل بينها ويطوعها لخدمه الحاله تعبيريا، او استعراضيا في احيان من اجل المتعه. اما التوزيعات، فمهما اختلفت اسماء الموزعين، تظل هناك بصمه واحده تجمعها، انها رؤيه القيصر الموسيقيه التي تفرض روحا ونسقا واضحين علي مختلف تفاصيل المشروع. احباب.. افتتاح مناسب «احباب» من كلمات والحان كاظم الساهر وتوزيع محب الراوي، وتاتي افتتاحا مناسبا لعالم «بلا عنوان»، باغنيه ترصد علاقه عاطفيه تنزلق من دفء المحبه الي مراره الخلاف، ثم الي قرار توافقي بالفراق، مع حاله من التسليم الناضج بالامر الواقع التي تختصرها جمله: «اتبع قلبك وابعد عني.. ان شاء الله بحبك متهني». ويترجم كاظم الساهر هذا المسار الدرامي ببناء موسيقي ثري؛ فاللحن يبدا من مقام الكرد «ري» بحاله سرديه هادئه، قبل ان تتسلل نغمات الحجاز مع شعورنا بتفتت اخر بقايا الود في هذه العلاقه، ثم يتصاعد الشجن عبر الحجاز وجنس فرع النهاوند في «اصحي من احلامك...»، وصولا الي مقام الشهيناز مع ذروه مشاعر الخساره في «هاي الدنيا وهذا نصيب»، قبل العوده الي الكرد في الختام، وكان الرحله النفسيه اكتملت وعادت الي نقطه بدايتها. ويزداد البناء ثراء بتنوع الايقاعات؛ من الرومبا الي الروك، ثم الوحده الكبيره والمقسوم البلدي. ويكشف توزيع محب الراوي عن رغبه واضحه في الجمع بين اناقه الصوت الغربي واصاله الهويه الشرقيه؛ اذ تبدا الاغنيه بعزف بيانو ذي طابع كلاسيكي حالم، قبل ان يدخل الرق ويغير طبيعه المشهد، ثم تتجاور الوتريات والنحاسيات مع ايقاعات شرقيه وغربيه متعاقبه. حتي صوت الساهر نفسه يصبح جزءا من التوزيع، عبر الاهات والتنهدات والهمهمات التي تملا المساحات الفارغه بين الجمل، وتحول ما لا تقوله الكلمات الي ماده موسيقيه. «هو انت».. العوده الي الجذور في «هو انت» يستعيد كاظم تعاونه مع الشاعر عزيز الرسام بعد اكثر من عقدين، في عوده واضحه الي جذور روائعه العراقيه، لكن بروح اكثر بساطه وتكثيف. تسرد الاغنيه مواجهه مع حبيب عاد بعد فوات الاوان، حيث يحول بطل الاغنيه وجعه القديم كبرياء وعتابا، رافضا الصفح والعوده، ثم يلوح بالكارما باعتبار ان الظلم لا بد ان يرتد الي صاحبه. ويترجم الساهر هذه المشاعر موسيقيا عبر لحن روائي بامتياز، يبدا بهمهمات استهلال الحكايه باداء صوتي اسر لكاظم وكانه يقول «كان ياما كان»، ثم يبدا الغناء من مقام الكرد بصوت يملاه الشجن «هو انت....»، وينتقل الي الحجاز في «ما اكتفيت ومارضيت» ويمر علي نفس الميلودي الحجازي في «اللي يظلم ينظلم..»، ثم يذهب لمقام البياتي في «قلت عني قاسي...» قبل العوده الي الكرد الذي بدا منه، ليصبح تنوع المقامات جزءا من الدراما النفسيه للاغنيه. اما توزيع محب الراوي، فيجمع بين الالات الحيه كالعود والقانون والناي والوتريات والجيتار الكلاسيكي، وبين الايقاعات الشرقيه والرومبا العراقيه. ويضيف الساهر همهماته واهاته الي النسيج الموسيقي، ولكن هذه المره يفعلها بطريقه اكثر رهافه. «الا اجيبك».. اجمل ثمرات «العاميه العراقيه» في «الا اجيبك» يواصل كاظم اقتطاف اجمل ثمرات العاميه العراقيه، مستعيدا بساطه ووهج اغنياته في التسعينيات، برؤيه تناسب جمهور اليوم. كتب الساهر النص مقدما حاله عاشق متيم يجد صعوبه في الوصول الي قلب محبوبته. اجمل ما في القصيده حين يتقبل بطل الاغنيه حاله الحب التي يعيشها لحلاوه الشعور ذاته، حتي لو لم يتمكن من قلب المحبوبه ابدا، وذلك في قوله «حتي لو وهم بخيالي من سراب الوهم اروي». موسيقيا، يترجم الساهر هذه التقلبات عبر رحله مقاميه تبدا بـمقام الكرد من درجه فا بجمله تعكس التصميم وقوه اراده المحب. وفي شطر «كلشي ممكن يا حبيبي»، يحدث انتقال ممتاز الي مقام البياتي الشوري من درجه فا، وهو مقام نادر الاستخدام يدمج البياتي والحجاز، ليمنح الاغنيه جرعه مكثفه من الحس الطربي الاصيل الذي يوازن شجن ورومانسيه الكرد. ويرتفع الاداء التعبيري للقيصر الي قمته عند جمله «الموت بمحبتك يسوي». قبل ان يقرر العوده مجددا الي مقام الكرد في مقطع «لا يا قلبي وين رايح»، ولكن بدرجه ركوز مغايره «سي بيمول»، ولا يترك كاظم مقام البياتي الشوري قبل ان يمر عليه مره اخيره في «ايش هالمحبه»، ثم يرجع مع الكورال الي كرد (فا) الذي بدا الغناء منه في «هو هذا الحب». اما توزيع محب الراوي، فيجمع بين الطابع الكلاسيكي الرومانسي وحيويه الموسيقي الشرقيه، من الكمان والبيانو الي المزمار والالات الايقاعيه، مع تنوع واضح بين المقسوم والرومبا والوحده. ويمنح حضور الكورال النسائي والرجالي الاغنيه طابعا اكثر حيويه واحتفاليه، خصوصا في المقاطع الحماسيه مثل «وراك وراك...». «عشر دوخات».. كلمات كريم العراقي من كلمات كريم العراقي والحان كاظم الساهر وتوزيع محب الراوي. وتتسم بلغه غزليه شفافه تنقل مشاعر الهيام والتعلق الحسي والرومانسيه الرقيقه، حيث تتجلي جماليات النص في صور شعريه مميزه، واوصاف تجعلك كمستمع تقع في اعجاب تلك الشخصيه الخياليه بالقصيده. واللافت عباره «معك القهوه حلوه بغير سكر» كتوظيف للتفاصيل اليوميه البسيطه لابراز اثر وجود الحبيب الذي يضفي الحلاوه علي ابسط لحظات الحياه، حيث يعتمد النص علي مفردات سلسه من اللغه اليوميه الدارجه، ما يجعله قريب من القلب. وعلي الجانب الموسيقي، صاغ القيصر اللحن من مقام عجم (فا) بطابعه المبهج والمريح للنفس ليتناغم مع ادائه الغنائي المليء بالهمس والنعومه، كاظم في هذا الالبوم مثله مثل الممثل المسرحي البارع، يتقمص بصوته شخصيه جديده في كل اغنيه. بين كل من كتبوا للساهر، هناك كيمياء خاصه بين نصوص كريم العراقي وصوت كاظم، حتي لو اقتصرت هنا علي اغنيه واحده مثل «عشر دوخات»، سيكفي لتكون هي بالتاكيد قنبله من قنابل الالبوم. بينما قدم الموزع محب الراوي رؤيه تجمع بين البهجه والرصانه الايقاعيه عبر المزج بين المقسوم الشرقي وايقاع الرومبا بالبيركاشن العالمي واكتملت هذه اللوحه الفنيه بافتتاحيه ساحره من اله الهارب والجيتار الكلاسيكي، قبل ان نسمع صولوهات شجيه قادتها الات الناي والاكورديون والوتريات. «راحت عليك» «راحت عليك» كتبها كاظم الساهر، وعلي السطح تبدو وكانها عن فكره الحبيب العائد بعد فوات الاوان، حيث يقابل برفض قاطع محاط بالكبرياء والعتاب الصارم مثلها مثل «هو انت». لكن الحقيقه ان موضوعها اعمق من ذلك، حيث تظهر مفاجاه النص في منتصف الاغنيه مع تكرار عباره «قالت قالت»، ليتبين ان القصيده تسرد بلسان امراه لا رجل، امراه تعرضت لظلم وقسوه بالغين من رفيق حياتها، مما ادي الي انعدام امانها المطلق تجاهه. صرح كاظم، في حواره مع انس بوخش، انه استلهم هذه القصيده من تجربه ام انقلب عليها الزمن والرفاق والابناء وال مصيرها لتقيم في «دار العجزه»، الهمته تلك السيده بلسانها الذي يفيض حكمه، وعاطفتها التي تملا الدنيا لتشمل حتي من خذلوها. تبني كاظم موقفا دفاعيا عنها في القصيده، وبات يردد تعبيرات حاده بلسانها تعكس مدي القسوه والجحود، وانهيار الثقه بالمستقبل، كما في القول الشديد المعني: «يمكن اذا هدني الزمن ترميني بالشارع.. يمكن علي موتي ابد ما عندك اي مانع»، حيث فضل كاظم هنا النهج الواقعي للكلمه واستغني مؤقتا عن قاموسه الشاعري. ثم يتوج هذا النص بذروه الكبرياء في الجمله الحاسمه: «خليني اتشرد ولا اكون الك تابع»؛ هنا حيث امراه تؤثر حياه الوحده في البقاء تحت وطاه رفيق لا يؤمن جانبه. وعلي الصعيد الموسيقي، صاغ كاظم الساهر اللحن من مقام كرد من درجه «لا» باسلوب درامي يعتمد علي التصاعدات التعبيريه التي تتارجح بين التعاطف مع المراه والحده في الرد بلسانها، مع اداء غنائي يفيض بالصدق والحساسيه. بينما جاء توزيع ميشال فاضل خارجا عن المالوف باكتسائه قالب الهارد روك؛ حيث وظف الدرامز الصاخبه وكوردات الجيتار الكهربائي ذي الصوت المشوش الغليظ ليعكس الحجم الفعلي للقسوه والعدوانيه في هذا العالم. وتترجم الموسيقي حاله الغضب والرفض المطلق التي يحملها النص ضد العقوق والجحود والخيانه. كمل تضمن التوزيع تعظيما لدور الكورال علي الطريقه الانشاديه. «متي».. حاله عشق ينهشه الغياب «متي» من كلمات والحان كاظم الساهر وتوزيع هشام نياز. فيها يستلهم الساهر قالب الابوذيه الشعري، وهو قالب شهير في الشعر العراقي الشعبي، يعظم هذا القالب من استخدام اداه «الجناس» اللغوي. فيصيغ هنا حاله عاشق ينهشه الغياب والاشتياق. ويختار الساهر مقام الحجاز كار، الذي يتكون من جنسي حجاز فيمنح المسامع شجنا شرقيا عميقا ومساحه واسعه للسلطنه، بينما يحافظ اللحن علي روح الطقطوقه الكلاسيكيه عبر التنقل بين المذهب واغصان عده. وتبلغ الاغنيه ذروه تاثيرها في الغصن الختامي او الكودا، حين يتحول الغناء الي مساحه حره اقرب الي الموال، يسخر فيها القيصر كامل طاقته الصوتيه. اما التوزيع، فيمنح «متي» هويه عراقيه واضحه من خلال العود والناي والكوله والربابه والكمان الشرقي وايقاع المقسوم، مع مفارقات لافته في المعالجه؛ فالنحاسيات في الفواصل تستخدم بروح الفرق الشعبيه العراقيه التي تعزف في الاعراس، وكانها «زفه» تتراقص علي وجع العاشق، بينما تتلون الهارمونيات لتعطي لمحات من الجاز في بعض المناطق. ثم تتراجع كثافه الالات تدريجيا حتي تاتي اللحظه الاكثر تاثيرا حين تصمت الايقاعات في الكوبليه الختامي، ويبقي صوت الساهر وحده يحمل نداءه الاخير. بهذا التناقض بين الصخب والصمت، وبين الاحتفال والوجع، تكون «متي» واحده من الاغنيات التي تكشف بوضوح كيف يستطيع الساهر ان يجعل التراث العراقي منهل لتجديد مدرسته الموسيقيه. «جمالك».. لغه عذبه تقوم علي التغزل اغنيه «جمالك» تمثل التعاون الاول بين كاظم والشاعر الكويتي سعد المسلم، الذي كتب انشوده غزليه تفيض بالرقه وذكاء الوصف. وتتناول موضوع الانبهار والدهشه المتجدده امام حسن المحبوبه الذي يتجاوز حدود الوصف والزمن، اذ يفتتح الشاعر قصيدته باستفهام تعجبي في قوله «يحب يوصل جمالك وين.. ابو اوصاف مدري منين». وتصل الشاعريه اوج طرافتها في المتواليه الزمنيه: «قبل يومين احلاهم وبعد يومين اطغاهم.. وانا والله مو فاهم بعد سنتين شتسوين»، قبل ان يختتم هذا الشغف بالاشاره الي سطوه العيون في «عليك عيون لو تنوي كل شي تقدر». يعتمد النص علي لغه عذبه وسلسه تقوم علي التغزل المباشر. وعلي الصعيد الموسيقي، صاغ كاظم الساهر اللحن من مقام نهاوند صول مع التفاتات مؤقته نحو كرد ري؛ اذ يقتصر اللحن علي ابعاد السلم الصغير وحده، وما يحمله من عاطفه ورومانسيه ودفء، ليقدم لحنا يتسم بالبساطه والتاثير المباشر في المشاعر. واعتمد توزيع عثمان عبود علي التلوين بين الاصوات الشرقيه ببروز الات القانون والناي والوتريات، متوجا الجمل الموسيقيه بفاصل مزماري مميز عبر الكيبورد، مع التنوع والسلاسه في التنقل الايقاعي بين حيويه المقسوم وفخامه الرومبا، مما اضفي علي الاغنيه روحا مبهجه ومتوازنه. «وشم».. تغوص في العلاقات السامه والتعلق المرضي اغنيه «وشم» من كلمات الشاعر اسعد الغريري، وتغوص في قاع العلاقات السامه والتعلق المرضي الذي يكبل عاشقا متيما بطرف يحترف في اهماله ويخذله باستمرار، لكن العاشق يجد نفسه عاجزا عن التحرر او الخروج من هذا السجن الوجداني لان العشق استقر في اعمق طبقات روحه. وتتجلي جماليات النص في توظيف تشريحي لاعضاء الجسد وصور الفراق الممكنه لبيان استحاله الانفصال؛ حيث يستخدم الغريري مقاربه مفاهيميه ذكيه بين الجسدي والروحي في قوله: «لو كنت في صدري وشم، او كنت في شرياني دم، لو كنت كفا او كنت فم، والله كنت استغني عنك للابد»، مبرزا ان الوشم يسهل محوه وحتي اعضاء الجسد يمكن استئصالها او بترها ولو نظريا، بينما تكمن المفارقه المؤلمه في قوله: «لكنما روح انت في هذا الجسد، ومالي غني عنك ابدا»، وهو المفهوم العصي علي البتر او التخلص منه. وتصل حاله الادمان العاطفي اوج قسوتها وتناقضها حين يعترف الراوي بعماه الوجداني امام الاساءه في عباره «حتي القساوه منك كنت احسبها احسان»، ليصيغ النص لوحه شعريه شديده القتامه عن وطاه العشق السام عندما يتحول الي قدر لا مفر منه. وعلي الصعيد الموسيقي، صاغ كاظم الساهر هذه القصيده باسلوب لحني مركب يعد درسا في التلاعب بالنغم والتنقل المقامي المفاجئ؛ اذ يستهل المذهب من مقام النهاوند علي درجه دو في «لو كنت في صدري وشم»، قبل ان يباغت الاذن بانتقاله ذكيه الي مقام اللامي علي درجه صول عند «لو كنت كف» عبر تخفيض الدرجه الخامسه لكرد الصول ونطق نغمه «الدو دييز»، ثم يعود سريعا للنهاوند في «او كنت فم» مستحدثا رفعا للرابعه «من الفاء الي فا دييز» ليتشكل مقام النكريز علي درجه النهاوند نفسها، وذلك كله في المساحه التمهيديه الاولي فقط. وتستمر الالاعيب النغميه في الكوبليه الثاني حين ينطلق من كرد الصول في «يا غلطه اولها ندم» ثم يعرج خاطفا لمقام اللامي بالطريقه ذاتها بملامسه «الدو دييز»، ليصل اداؤه الصوتي الي اوج ذروته التعبيريه والشجيه عند عباره «عذبت روحي تموت فيك». وجاء توزيع شاكر حسن ليعزز هذا التعقيد اللحني؛ حيث يبدا بمدخل كلاسيكي من عزف البيانو الرقيق المتصاعد نحو اوركستراليه الوتريات والنحاسيات، قبل ان يدخل كاظم الغناء علي قالب الجاز اللاتيني بتالفات هارمونيه مركبه تتناسب مع التحولات المقاميه، وردود تتسم بطابع الارتجال الذي يميز موسيقي الجاز. لينتقل في المقطع الثاني الي ايقاع الوحده المدعوم بلمسات البيركاشن الشرقي، مما منح الاغنيه ثراء دراميا موسيقيا لافتا. «هي قوه».. كاظم يدلل علي تمكنه الشعري كتبها كاظم الساهر ليدلل مجددا، ليس علي تمكنه الشعري فقط، بل علي تنوع مصادر الهامه وتعدد القوالب التي يحكمها بقلمه. تتجلي الهويه العراقيه في هذا العمل كواحده من اكثر اغاني الالبوم تكريسا للروح والتراث، حيث تمزج لوعه العشق بتهكم وبلاغه اللسان الشعبي وتلقائيته. وتاتي جماليه الكلمات من قدرتها علي تحويل المعاناه الي سخريه سوداء عفويه تفيض بالجمال الفولكلوري، ولا سيما في التهكم المحبب «علي شنهو العالم تحسد؟ علي هذي العيشه التحفه»، حيث تتنفس الاغنيه ريح دجله والفرات، وتمنح الالبوم بصمه عراقيه خالصه. وعلي الصعيد الموسيقي، ينثر الساهر سحره الخالص من خلال صياغه لحنيه تتسق تماما مع عفويه النص؛ اذ يبني الجمله الرئيسيه للاغنيه علي مقام البياتي من درجه صول، وهو المقام ذو النكهه الشعبيه الراسخه. ولا يخلو اللحن من استعراض خفيف للعضلات النغميه حين ينتقل بسلاسه في شطر «ولا مره يواسي العين» الي مقام «البياتي الشوري» عبر ادخال نغمه (دو دييز) التي ترفع من شحنه الشجن والشرقيه. كما يعتمد القيصر علي تكرار بعض المفردات المفتاحيه مثل كلمه «قوه»؛ لتكريس بساطه الفكره اللحنيه وتسهيل سرعه حفظها وترديدها من قبل المستمع، وهو المغزي من روح الفولكلور، متوجا ذلك باداء غنائي يتسم بالبساطه والرحابه. وتكتمل الحاله الشعبيه بتوزيع الموزع عثمان عبود الذي صدر العمل بصولو مزمار (كيبورد) في المقدمه، متكئا علي ايقاع «الملفوف» الراقص، مع توظيف ذكي ومميز لاصوات الكورال لتعميق الروح الفولكلوريه. «تجاهلني».. مناوره غراميه حافله بالذكاء العاطفي تتناول اغنيه «تجاهلني»، التي كتب كلماتها الشاعر يحيي العلاق، مناوره غراميه حافله بالذكاء العاطفي والتحدي اللذيذ بين حبيبين، حيث يحث بطل الاغنيه محبوبته بسخريه محببه علي الاستمرار في المكابره: «مثل سوي روحك ابد ما مهتم»، مستعرضا يقينه المطلق بعمق العاطفه المخباه في قوله: «والله تحبني حب بس الله يعلم.. تسهر لي وتغني لي وصاير نجمه في ليلي». وتصل الشاعريه الشعبيه ذروتها حين يفضح النص التناقض بين لغه الجسد ولغه اللسان في عباره: «نظراتك تخونك، غرامك واضح بلونك.. قسوه لسانك عكس ما قالت عيونك»، حيث يقدم العلاق نصا عذبا يجمع بين المشاكسه العاطفيه ودفء الاعتراف بالحب. ويستقر لحن كاظم الساهر علي مقام الراست من درجه فا، ليتشكل بناء لحني مرن يعكس حركه المناوره والتردد بين الحبيبين. ويتحول الساهر ببراعه نحو مقام السوزدلار «وهو مقام نادر الاستخدام» في مقطع «تجاهلني بعد تعبني عذبني.. وتظاهر بعد حسسني ما تحبني»، من خلال التلاعب بجنس الفرع وتحويله الي النهاوند علي درجه دو. ثم ينتقل مجددا الي مقام البشاير «وهو مقام نادر الاستخدام» نسمعه عند عباره «بس نظراتك تخونك.. غرامك واضح بلونك»، وذلك عبر تحويل جنس الفرع الي الكرد علي درجه دو. وبذلك يكون كاظم لحنه وفق ثلاثه اشكال مختلفه لمقام الراست «الراست الاساسي، والراست مع النهاوند، والراست مع الكرد»؛ وهي انتقالات مقاميه فرعيه دقيقه داخل السلم ذاته تترجم موسيقيا حاله الكر والفر العاطفي، والتارجح بين اخفاء المشاعر واظهارها في هذا التحدي اللذيذ بيت الحبيبين. «سجلتك غياب».. تعكس مراره الفقد مع الحيره اغنيه «سجلتك غياب» كتبها كاظم الساهر لتروي تجربه عاطفيه تعكس مراره الفقد مع الحيره في تفسير غياب المحبوبه؛ وتتركز البلاغه بجمله «سجلتك غياب»، والتي تحيل الفعل الاداري الروتيني الي توثيق مؤلم لخيبه الامل واعلان رسمي للفراق. بينما تحمل عباره «يسالوني عليك وما عندي جواب» خلاصه الانكسار وحيره المحب امام تطفل المحيطين وشائعات عيش الحبيب «متهني وسعيد» بعيدا؛ لتجتمع في النص جماليات العتب الصادق وشساعه الفجوه بين ذكريات الحنين وواقع الخذلان. وعلي الصعيد الموسيقي، ينطلق لحن الاغنيه التي صاغها كاظم الساهر من مقام الكرد علي درجه «صول»، ليقدم واحدا من ابسط الحان الالبوم من خلال الالتزام بهذا المقام دون التنقل الي مقامات اخري، مما منح الاغنيه حاله استقرار متواصله، اذ ان حاله الغياب التي يشكو منها البطل هي حاله ممتده وبارده وبلا تفسير وبلا شرح وبلا اجابات عن اسئلته، ومن ثم اللحن مستقر علي مقام واحد. وتكفل الموزع عثمان عبود بتقديم رؤيه توزيعيه تمزج بين البعد الدرامي للنص مع اللمسه الشعبيه؛ حيث برزت فواصل مزمار الكيبورد للربط بين الجمل اللحنيه، مع الاعتماد الاساسي علي ايقاع «المقسوم» الحيوي. كما تجلي الذكاء التوزيعي في توظيف «الكورال» الذي لعب دورا مؤثرا، حيث جسد صوت الاشخاص المحيطين ببطل الاغنيه الذين يلاحقونه دائما باسئلتهم الفضوليه عن محبوبته الغائبه. «كله كذب».. درس بالغ في كيفيه احتواء دلال النساء في اطار مدرسه عاطفيه متفرده تجعل منه استاذا في «سيكولوجيه المراه»، يتفنن القيصر كاظم الساهر في اغنيه «كله كذب» بتقديم درس بالغ الاناقه في كيفيه احتواء دلال النساء وتفكيك عبثيه الخصام العابر. الافتتاحيه تحسم الامر عبر جمله «كله كذب هذا الزعل»، حيث ينزع الشاعر عن الجفاء اي جديه. ان احتراف فن التعامل مع الانثي يبدا من الفهم العميق لتركيبتها النفسيه؛ وهو ما نلمسه حين يشخص طبيعه المحبوبه في عبارتي «مغرور بس طيب قلب» و«دلوع ويحب اهتمام»، يدرك القيصر ان هذا الغرور والدلال لا يعالج بالنديه او الجفاء، بل بالاستغراق في الاحتواء وامطار الحبيبه بفيض من الحنان كما تترجمها الصوره الفنيه الشجيه «اريد اضمه بمهجتي وامطر عليه بوس وغزل». وعلي الصعيد الموسيقي، ينطلق لحن الاغنيه التي صاغها كاظم الساهر من مقام الكرد علي درجه «صول»، ويستقر هنا معظم الوقت، بتقطيعات تتدفق وفق سيل من العواطف الدافئه، قبل ان ينتقل بذكاء تعبيري الي مقام الحجاز علي نفس الدرجه عند وصوله الي عباره «خلاني اذوب بين ايديه..»، ليعكس الدفء والذوبان الوجداني في تلك اللحظه. وجاء توزيع الموزع محب الراوي متضمنا طاقه رومانسيه هائله تجسدت بوضوح في طريقه حركه الوتريات وانسيابيتها، وفي الافتتاحيه العاطفيه للبيانو، الي جانب بهجه ايقاع «المقسوم» المدعوم بـ (الصقفه) الثنائيه، والتي لم تكن مجرد اضافه ايقاعيه، بل بدت بمنزله دفع وتشجيع حماسي لبطل الاغنيه ليمضي في قراره بمصالحه حبيبته وتدليلها، متجاوزا اي جفاء او كبرياء نرجسي. ثم جاء صولو الاكرديون في فواصل الاغنيه بطلبع مفرح وكانه يصور جمال الحياه بجانب المحبوبه بعد انهاء الخاصم. «الحلوين».. حاله وجدانيه تنسج كلمات الشاعر بشير العبودي حاله وجدانيه بها قدر من التجريد والغموض، وتتناول لوعه المشتاق وحيرته بين الامل والجفاء. تبدا بلاغه النص بالتساؤل «ايش قالوا الحلوين.. ذكرونا لو ناسين؟»، وهو سؤال يختصر كل القلق والخوف من نسيان الاحبه، ليتجه الشاعر بعدها الي المناجاه والبوح بثقل السهر والتفكير في عباره «يا صاحبي قل لي.. الليل شيخلي بعيون السهرانيين؟». وتتجلي الصوره الفنيه الابرز في قدره العاشق علي اخفاء حزنه بعباره «اضحك كذب والروح تتالم». وتاتي الخلاصه الوجدانيه للمشاعر في عباره «يا سائلي عن لهفه المشتاق.. خلي السؤال عيوني تتكلم»، لترسخ فكره ان اصدق ما يعبر عن الشوق والحنين هي لغه العيون التي لا تعرف التزييف ولا تحتاج الي كلام. وعلي الصعيد الموسيقي، صاغ كاظم الساهر لحن الاغنيه باعتبارها وصله طويله من المناجاه والشكوي الوجدانيه؛ حيث استخدم بالتناوب مقام الكرد من درجه «لا» في مطلع «ايش قالوا الحلوين..»، ليتحول بسلاسه الي مقام الصبا من نفس الدرجه عند عباره «يا صاحبي قل لي الليل شيخلي..»، مستخدما نفس التناوب المقامي بين الكرد والصبا في الكوبليه الثاني. وتبرز جماليه مقام الصبا هنا بطابعه الحزين المعروف، ليعكس بجلاء مشاعر الحبيب القلق والمتالم من لهفه الاشتياق وخاصه مع وحشه الليل والسهاد، وتتجلي ذروه جمال الصبا في الدقيقه 02:50 حين تختفي اصوات الالات الموسيقيه باستثناء الناي والطبله وصوت كاظم، وكاننا نسمع نمط طور الملايه العراقي بطابعه الشعبي الحزين. وفي التوزيع، اعتمد محب الراوي علي ايقاع «المقسوم» بتشكيلات غنيه ومتعدده طوال الاغنيه، قبل الانتقال المؤقت لايقاع «الرومبا» في شطر «ما نحتمل كافي يجرحونا..». وتتوج الافتتاحيه الموسيقيه بـ«صولو» كلارينيت شجي يتداخل مع اصوات «الماريمبا» ومصاحبه الطبله البلدي، لتمهيد الطريق الي قالب شرقي دسم مطعم بكل الاصوات والنكهات الشرقيه الاصيله. «ولا اشكي لك».. بقلم كاظم الساهر تطرح اغنيه «ولا اشكي لك»، بقلم كاظم الساهر، موقفا حاسما يقدم عزه النفس والاستقلاليه علي استجداء العاطفه من حبيب مغرور. اذ يتخذ الشاعر قرارا مسبقا بمنع الشكوي لاغلاق باب الشماته او المن: «ولا اشكي لك ولا ابكي لك.. خلي الحسره بصدري تجرح ولا تطلع بره». وتصل النبره الي ذروه التحدي باعلان ترتيب الاولويات صراحه: «عزه نفسي وراحه بالي حريتي الاول والثاني»، قبل ان يختتم هذا الموقف عبر تذكير القلب بقدرته علي التجاوز: «هو كم يوم وانسي وافرح.. ولا تضعف يا قلبي دخيلك». تشعر في لحن كاظم الساهر باستحضار روح عمالقه النغم سيد درويش وزكريا احمد، مع التمثيل الاقرب لقالب الدور الذي طغي في مطلع القرن العشرين. وبني القيصر لحنه علي مقام الحجاز من درجه فا في معظم الاغنيه، مع التنقل الوثاب بين الجوابات والقرارات في الكوبليه الاول. وفي الكوبليه الثاني، يعرج اللحن قليلا نحو النهاوند من درجه سي بيمول عند عباره «ولا راح اتكلم واتظلم...»، وهي انتقاله تحول درجه الركوز لتوفر تلوين في النبره يخدم الموضوع. وجاء توزيع محب الراوي نابضا بالهويه العراقيه الاصيله بمعاونه عازف الايقاعات صفاء غريب، حيث استخدما ايقاع الخشابه (وهو التنويع العراقي علي ايقاع الشفتاتلي الشرقي)، ولم يكتفوا بذلك بل انتقلوا بعدها لايقاع الهجع العراقي في «ولا راح اتكلم واتظلم...»، مدعوما ببطانه متنوعه من الوتريات الشرقيه، وصولوهات قانون حسن فالح، وناي محمد عاطف، وعود هيثم الحضرمي، لتكتسي الاغنيه ثوبا عراقيا زاهيا. «للابد».. شاعريه عذبه تتوهج بنبل شعوري علي خطوات المعني الخالد الذي اختزله موسيقار الاجيال محمد عبدالوهاب في مقولته «عشق الروح ملهوش اخر لكن عشق الجسد فان»، تعود اغنيه «للابد» للفنان كاظم الساهر لتبث الحياه في المعني نفسه، ولكن بنظره اكثر شموليه. يستهل النص رحلته بنفي موارب للادوات الماديه للحب: «ما اريد احبك بالقلب.. ولا اريد احبك بالعقل.. ولا اريد احبك بالجسد»، وكانه ينسحب خطوه الي الخلف ليضعنا امام حتميه فناء الحواس بفناء الماده نفسها، قبل ان يباغتنا بالبديل الابدي الوحيد: «الجسد يفني وينتهي.. بالروح اريدك للابد». ومن هذا التسامي الفلسفي، يتحول الي الامتنان للقدر في: «مولود انا ببرج الهنا حتي افوز بعشرتك»، مؤكدا ان العشق الحقيقي لا يكتمل الا حين يتحرر من قبضه كل ما هو ملموس. وتتجلي في هذا النص شاعريه عذبه تتوهج بنبل شعوري نادر، ما يجعلها اغنيه الالبوم الاكثر رهافه، وسموا. صاغ كاظم الساهر اللحن من مقام العجم من درجه دو، وهو المقام الذي يفيض براحه نفسيه وابتهاج صافي يترجم زهد العاشق وسمو نفسه، ثم ينتقل في الكوبليه لمقام الكرد من درجه مي في عباره «مولود انا في برج الهنا....» ليترجم فرحه العاشق بحظه السعيد. وياتي توزيع ميشال فاضل ليدعم هذه الحاله بنعومه وشاعريه خلابه تتجلي في فواصل الكمان والسترينجز ذات الطابع الغربي البحت، مع الاتكاء علي ايقاع البوليرو اللاتيني الهاديء وكوردات الجيتار الكلاسيكي. وتبرز الذروه التوزيعيه حين يسكن الايقاع والالات لوهله ساحره في الثلث الاخير من الاغنيه، قبل ان يستجمع اجزاءه بذكاء من جديد؛ ليقود السامع نحو نهايه بالغه النعومه والانسيابيه. «تدخنين».. للشاعره القديره لميعه عباس عماره تعتمد قصيده «تدخنين» للشاعره القديره لميعه عباس عماره علي ديالوج شعري مكثف ومشحون بالتحدي والكبرياء؛ يحكي ان لميعه كتبت تلك القصيده من وحي موقف حقيقي تعرضت له، حيث غازلها احد الشعراء في ملتقي شعري، بطريقه تنطوي علي ابتزاز فكري، واختبار لنمط حياتها ومدي تحررها، سالها: «اتتدخنين؟ اتشربين؟ اترقصين؟»، لياتيه الرفض الحاسم والمكرر بـ«لا»، مما يدفعه الي وصفها بـ«جمع لا» في تعبير عن ضيقه من عصيانها. وفي المقابل، يرتفع صوت المراه بثقه عاليه، وتتهكم عليه بوصفه «الخبير بالنسوان»، مؤكده ان استعصاءها عليه لا ينبع من مجرد التمنع او الرجعيه، بل من امتلاكها لكبرياء الشرق وايمانها بتقاليده «كل حمول الشرق في ارداني»، فتعيد بذلك رسم موازين القوي؛ وتثبت ان محاولاته لا تزيدها الا تحليقا وارتفاعا عن رغباته السطحيه. الطابع الانثوي البحت في اشعار لميعه حال دون ان يغني القيصر اي اشعار لها سابقا، رغم كونه احد المعجبين بما تكتب. لكنه وجد ضالته اخيرا في تلك القصيده، التي تتحول الي دويتو مع المطربه الشابه «سيندي لطي»، والتي اضافت بصوتها الدافيء بعدا تنويعيا لالبوم «بلا عنوان». ينطلق لحن كاظم الساهر من مقام الكرد من درجه (لا) في عباره «تدخنين؟ اتشربين؟...» ينشدها بطبقه صوته الرخيمه، قبل ان ينتقل اللحن بصوت سيندي نحو مقام عجم (فا) عند «انا التي تراني تراني»، مستعرضا الاعتزاز والكبرياء. ثم تتنقل سيندي بسلاسه الي مقام راست (ري) في «فما الذي يشد رجليك...»، ثم تتوج هذا الثراء المقامي بالعروج الي مقام النهاوند عند عباره «ان عطاء اليوم شيء ثاني...». وجاء توزيع ميشال فاضل مدعما لروح المناظره؛ اذ يبدا بتسجيل صوتي للشاعره الراحله لميعه عباس عماره وهي تتلو ابياتها، لتنطلق افتتاحيه موسيقيه من قالب الرومبا اللاتينيه مع صولو اكورديون مليء بالمراوغه اللحنيه التي تحاكي مناوره الرجل في مغازله المراه، فان استخدام ايقاعا غربيا جاء ليساير نمط الحياه المتحرر. بينما ينقلب المشهد الموسيقي فور دخول صوت سيندي ليتغير التوزيع نحو ايقاعات شرقيه اصيله تتنوع بين المقسوم والوحده، وكان الاغنيه تترجم المناظره الفكريه والثقافيه في شكل صراع بين هويه كل ايقاع. «اتت».. القصيده الفصحي الوحيده التي كتبها القيصر «اتت» هي القصيده الفصحي الوحيده التي كتبها كاظم الساهر بنفسه في الالبوم وسط سيطره الاغنيات العراقيه، لتكون هي الاطول من حيث المده الزمنيه، ولعلها العمل الاكثر دسامه في الالبوم من حيث البناء والتركيب واللغه. وترصد القصيده علاقه عاطفيه سامه وملغومه بالتناقض؛ امراه تعرف كيف تغوي وتراوغ، تظهر وتختفي كما يحلو لها، تتلاعب بمشاعر من حولها، وهناك رجل يدرك الاعيبها جيدا لكنه يعجز عن مقاومتها. ويحول الساهر هذا الصراع الي رحله نغميه تبدا من النهاوند (فا) بحاله من التماسك النفسي المؤقت، ثم يتنقل اللحن في رحله وعره بين الراست والسوزناك والبياتي والكرد، قبل العوده الي النهاوند في الختام. لكن القيمه الابرز هنا هي اداء الساهر نفسه؛ فهو لا يكتفي بتلحين التحولات النفسيه، بل يجسدها بصوته، متنقلا من الهدوء الواثق الي التوتر والانفعال ثم الانفجار، ثم الهزيمه والتسليم، مستفيدا من طبقاته الصوتيه صعودا وهبوطا ومن الاطالات والتنهدات ليجعل الصوت شريكا في سرد الحكايه. ويوازي توزيع هشام نياز هذه الرحله بالوان وايقاعات شديده التنوع، فمن ايقاع الجوبي العراقي، مرورا بالمقسوم والرومبا، وصولا الي الهارد روك والصلصا والفوكس، بما يمنح كل تحول نفسي طابعه الخاص. ويبرز الهارد روك تحديدا في لحظه الغوايه الكبري والتي تاتي في هيئه ذروه موسيقيه تجسد سقوط البطل، عندما يقول «عضت علي جمر الفم...». وهي من اقوي الذري الموسيقيه التي سمعناها، ليس في مسيره القيصر وحده، بل في العموم. «هلو حياتي».. نكهه بغداديه تراثيه اصيله تتزين اغنيه «هلو حياتي» من كلمات كاظم الساهر بنكهه بغداديه تراثيه اصيله تعيد السامع الي دفء الازقه القديمه وعراقه الحاره العراقيه، حيث صاغ الساهر كلماتها باسلوب غنائي عفوي غني ببساطته ورقته. وربما هذا ما جعلها الاغنيه الانجح في الالبوم من حيث ارقام الاستماعات، حيث كانت اسرع اغنيه تكسر حاجز المليون مشاهده علي يوتيوب في مده قياسيه. ينطلق النص بتاطير غرامي دافئ يحتفي بالجمال ببراءه الغزل المباشر في: «يللي سبيت الكرخ والرصافه.. يا مدلل اهله وحلوه كل اوصافه»،. وتتواصل التعبيريه الشعبيه الشفافه بعبارات دارجه في الحياه اليوميه بها روح الامثال الشعبيه: «هلو حياتي هلو عيني ورده.. حضن الحبيب احلي من المخده». وعلي الصعيد الموسيقي، صاغ الساهر اللحن من مقام النهاوند علي درجه لا بطابع يحاكي التراث العراقي الشفاهي، معتمدا اسلوب التقطيع الجملي المميز لاغاني الاعراس والمناسبات الشعبيه، والالتزام الثابت بمقام واحد طوال الغناء كاحدي ابرز سمات التبسيط الفلكلوري. ويبرز في توزيع فاضل فالح الاعتماد المحوري علي ايقاع الجورجينا العراقي الاصيل بميزانه المركب، ليرسخ الهويه الشعبيه للاغنيه ويمنحها حركيه تراثيه محببه. وتكتسب هذه البنيه الموسيقيه اهميه استثنائيه بكون الاغنيه هي المسك الختامي للالبوم، مما يجعل هذا الشجن العراقي التراثي يترسب في الذاكره الانطباعيه للمستمع، ليكون خاتمه مسك لاحد اكثر البومات الساهر اخلاصا وانتماء للهويه العراقيه.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓