قياده بلا توتر

لم يكن السائق قبل سنوات طويله يحتاج الي اكثر من طريق مفتوح، ومحرك ميكانيكي بسيط يعمل بسلاسه، ووجهه واضحه يقصدها، ليشعر بمتعه القياده الحقيقيه. كانت السياره تمنح صاحبها احساسا بالحريه والانطلاق، وكانت الرحله جزءا من المتعه نفسها، وليست مجرد وسيله للوصول. اما اليوم، فرغم ان السيارات اصبحت اكثر تطورا وفخامه وامانا وراحه من اي وقت مضي، فان كثيرا من السائقين يرددون العباره ذاتها: لم تعد القياده كما كانت؟ والمفارقه ان السبب لا يكمن في السياره نفسها، بل في كل ما يحيط بها. فالتكنولوجيا حققت قفزات هائله؛ انظمه سلامه متقدمه، ومقصورات اكثر هدوءا، ومحركات اكثر كفاءه، وتجهيزات ذكيه تجعل القياده اسهل من اي وقت مضي. لكن البيئه خارج السياره تغيرت بوتيره اسرع، حتي اصبحت القياده اليوميه بالنسبه لكثيرين تجربه مرهقه اكثر منها ممتعه. وياتي الازدحام المروري في مقدمه هذه التحديات، بعدما تحول الي جزء ثابت من تفاصيل الحياه اليوميه في الكويت، فلم تعد الرحلات تقاس بالمسافات، بل بالوقت المهدر في طوابير المركبات، ولم تعد الطرق التي كانت تمنح السائق شعورا بالانطلاق سوي مساحات طويله من التوقف والانتظار، وهكذا تحولت القياده من تجربه تمنح الراحه الي اختبار يومي للصبر، يستنزف الوقت والطاقه قبل الوصول الي الوجهه. لكن الزحام ليس وحده من سلب القياده متعتها، فالعامل البشري اصبح هو الاخر جزءا من المشكله. فالسلوكيات العشوائيه لبعض السائقين، مثل تغيير المسارات بشكل مفاجئ، وعدم الالتزام بالحارات، والقياده بسرعات غير مناسبه، والاقتراب الخطر من المركبات الاخري، خلقت حاله من التوتر المستمر لدي السائق الملتزم، الذي اصبح يقود وهو يتوقع الخطا في اي لحظه، ولم يعد الانزعاج ناتجا من الطريق وحده، بل من غياب الالتزام لدي فئه ما زالت تتعامل مع القياده باعتبارها استعراضا لا مسؤوليه. ولهذا اصبحت القوانين المروريه الصارمه والرقابه الذكيه ضروره لا خيارا. فالمشكله لم تكن يوما في كثره الانظمه، بل في استهتار البعض بحق الاخرين في الامان. وعندما يتحول هذا الاستهتار الي تهديد مباشر للارواح، يصبح تطبيق القانون بحزم حمايه للمجتمع قبل ان يكون عقوبه للمخالف. وقد اسهمت التشريعات الجديده وانظمه الرصد الحديثه في اعاده قدر كبير من الانضباط الي الطريق، والحد من كثير من السلوكيات، التي كانت تشكل خطرا يوميا علي الجميع. وفي الوقت نفسه، اصبحت السيارات نفسها اكثر تدخلا في عمليه القياده. فهي تراقب الطريق، وتنبه السائق، وتحافظ علي المسار، وتتدخل عند الضروره لتفادي الاصطدام. ولا شك ان هذه التقنيات انقذت الاف الارواح، لكنها غيرت ايضا العلاقه التقليديه بين الانسان والسياره، فاصبح السائق يشارك الاله اتخاذ القرار اكثر مما يقوده وحده. ورغم كل ذلك، فان متعه القياده لم تختف، بل تغير معناها، لم تعد ترتبط بالسرعه او بقوه المحرك، بل اصبحت تعني الهدوء، والراحه، والثقه، والشعور بالامان. فالسياره الافضل اليوم ليست الاسرع، بل التي تجعل رحلتك اقل توترا واكثر راحه. وربما لم تعد متعه القياده اليوم تعني ان تصل اسرع، بل ان تقود في طريق يحترم فيه الجميع النظام، وتصل الي وجهتك مطمئنا. فالمشكله لم تعد في السيارات، بل في البيئه التي تتحرك فيها؛ بين زحام لا ينتهي، وضغوط متزايده، وسلوكيات فرديه ما زالت تحتاج الي وعي بقدر حاجتها الي قانون، فكلما ارتقي سلوك السائق، عادت القياده اقرب الي معناها الحقيقي.. تجربه تمنح الحريه، لا التوتر. ومع تغير تجربه القياده، تغير معها سلوك السائق نفسه، حتي اصبح قرار شراء السياره محكوما بعوامل تتجاوز الطريق والمواصفات.. ولعل سبتمبر يكشف اولها. مشعل يوسف الصفران