«اتت».. كاظم الساهر يجدد جواهره الغنائيه

امجد جمال - في خامس اغنيات البومه المرتقب، يعود كاظم الساهر الي واحده من اكثر مناطقه رسوخا في وجدان جمهوره العربي، وهي القصيده الفصحي. فبعد سيل من الاغنيات التي اعتمدت علي العاميه العراقيه، تاتي «اتت» لتكسر هذا المسار وتعيد القيصر الي لغته المحببه لدي جمهوره من المحيط الي الخليج؛ تلك اللغه التي جعلت من كاظم واحدا من قله نجحت في تحويل القصيده العربيه الي اغنيه جماهيريه واسعه الانتشار. «اتت» من كلمات والحان كاظم الساهر نفسه، وتوزيع هشام نياز، وهي قصيده تنتمي الي شعر التفعيله؛ وقد منح هذا القالب النص مرونه كبيره في استعراض علاقه عاطفيه سامه لطرفيها، ملغومه بالتناقضات والمفارقات، ولا تسير وفق خط درامي مستقيم، بقدر ما تتحرك بين المقاومه والاستسلام، بين الوعي بالخدعه والوقوع فيها، وبين رجل يري الحقيقه بعقله لكنه يصبح اعزل تماما امام حضور امراه لا تحتاج، في النهايه، الا لان «تاتي». رغم صدورها منذ ايام قليله، لاقت صدي جماهيري واسع علي منصات التواصل، وكتب عنها الشاعر خليل عيلبوني: «لم افاجا ان القصيده المغناه كانت من نظم الفنان العربي الكبير كاظم الساهر نفسه وهذا ما جعله يبدع في اللحن والاداء فهو لا يمثل مشاعر غيره بل يجسد مشاعره الحقيقيه وهذا ما اكسب اللحن والاداء حراره شديده ومميزه. القصيده من شعر التفعيله وهي سليمه الوزن قويه اللغه. لم يكتف كاظم باختيار اجمل قصائد الشعراء ولكنه فاجانا بانه شاعر بل من اقدر الشعراء العرب. قرات القصيده مرات عديده بحثا عن خطا نحوي فلم اجد وهذا يرجع الي حرص الاخ كاظم علي المراجعه والتدقيق في كل ما يؤديه من الشعر». وتابع عيلبوني: «قدم كاظم الساهر خدمه مشهوده للغه العربيه بفضل ما غناه من قصائد جعلت جمهوره يردد كلمات هذه القصائد الفصيحه». تدور القصيده حول امراه تجيد استخدام كل اسلحه التلاعب بالمشاعر. امراه تظهر ثم تختفي كما يحلو لها. تكذب، وتمثل، وتبكي عند الحاجه، وتعرف كيف تحول ضعفها المصطنع الي قوه. تتجلي صفات الكذب والتمثيل بعباره «من غير دمعه بكت»، بينما تصل البلاغه اوجها في رسم المفارقه بين الظاهر والباطن في عباره: «الوجه ورد وشذي، والقلب كيد واذي». وامام هذا الانكسار، تبرز الجمله الاكثر اثاره للجدل: «فحسبنا الله اذا كل النساء هكذا»، التي تعكس شعور المتكلم بالهزيمه لدرجه دفعت به ان يفقد ايمانه بكل النساء بذنب امراه واحده.. والجمله تزداد مفارقه، علي مستوي يتجاوز النص؛ لانها تصدر من كاظم الساهر نفسه، وهو اكثر مطرب عربي اشتهر بتدليل المراه دون شروط. ومع امتداد النظم الشعري الحر، تاتي عباره «لعوب لعوب لعوب» كحكم صادم لا يقصد به التوبيخ بل الاقرار بسلطه هذه المراه وقوتها وفتنتها، ويترسخ المعني حين يتردد اولا علي لسان الكورال، ثم يكرره كاظم بصوته، وكان الحكم صار موضوعيا ومطلقا لا مجرد وجهه نظر فرديه للمتكلم. وتكتمل معضله الغوايه في قوله: «والورد والشمع هنا (..) فهل تراني اصبر»، ليختصر بها تراخي انظمه المقاومه لدي البطل تدريجيا امام المحفزات، حتي تصل المعركه النفسيه الي ذروتها بتسليم كامل تلخصه السخريه البارعه في عباره: «في جيبها صار الفتي، نادته كالطفل اتي». يبدو جليا في هذه القصيده ان كاظم الساهر قد استجمع كل ما اختزنه من خبرات الحياه ودروس الشعر. ويتجلي تاثره بجراه نزار قباني في الوصف والالتقاطات النفسيه، ممتزجا بنضجه كرجل عاش التجربه وفنان صال وجال في تفاصيل العشق وشؤون القلب مرارا. تاتي هذه القصيده كخلاصه لبراعته الشعريه، فهي تحمل رصانه اللغه وثقل الفن وعمقه، لكنها تنساب في الوقت ذاته ببساطه تجعلها قريبه من الاذن ومفهومه. ليثبت «القيصر» من جديد انه يمتلك قلم الشاعر وحسه، بقدر ما يمتلك موهبه المطرب والملحن العظيم. سبع دقائق من استاذيه التلحين اما موسيقيا، فيقدم كاظم الساهر درسا لحنيا مكثفا يختصر جانبا كبيرا من استاذيته خلال نحو سبع دقائق. فهو يطوع المقامات الموسيقيه وكانها صلصال بين يديه. يبدا المذهب من مقام النهاوند علي درجه فا في: «اتت اتت من غير موعد اتت». وهو اختيار ذكي لسلم صغير ذي ابعاد محايده دراميا، يعكس ثبات البطل وصموده الاول وهو يستمع الي المراه دون ان يجيب او ينهار. يعتمد الساهر في السرد اللحني علي الاسترسال المحسوب، صعودا وهبوطا، مع تقطيع سريع لكلمات مثل «عزفت» و«تالمت» و«تعذبت»، قبل ان يغير هذا النسق بالاطاله في كلمه «بكت». وهذه الاطاله تمثل التصعيد الاخير لادوات التلاعب النفسي التي تملكها المراه. كان البطل، الذي صمد امام الكلام والاعتذار والحكايات، اصبح الان علي وشك الاستسلام امام البكاء. يدخل الساكسفون بفاصل مفرح من مقام العجم «لا بيمول»، ليعزف بطابع يميل الي الفرق الشعبيه والعسكريه، خارجا نسبيا عن التقاليد الغربيه المعتاده لالات النفخ، وكان الساكسفون نفسه يتندر بسخريه ويؤكد ان ما تقوله المراه ليس سوي اكاذيب وهراء. يعود الساهر الي نهاوند فا عند: «الوجه ورد وشذي» ثم يكسر هذا الثبات بانتقاله الي مقام الراست من درجه فا عند: «قالت وحاشاي انا… الحب كله هنا» وهنا تظهر براعه التحول المقامي في خدمه الدراما. فادخال الربع تون الشرقي يترجم نجاح الغوايه في كسر ثبات البطل. اذ يتحول النغم من سلم غربي رصين هو النهاوند، الي قرينه الشرقي ذي الطابع الاسر والمراوغ، وهو الراست. هذا الراست لا يبقي مستقرا، بل يتطور سريعا الي مقام السوزناك (فا) عند: «لعوب احرقت دمي» وذلك بادخال جنس فرع الحجاز علي الراست. ثم تاتي واحده من اروع الانتقالات في القصيده عند: «عضت علي جمر الفم» اذ يتصاعد صوت كاظم الي اعلي جواب علي الاوكتاف الرابع «لا بيمول»، ليصنع مقام سوزناك، هذه المره علي درجه دو، فيجسد استبسال البطل في مقاومه الاغواء. لكن المقاومه، كما يقول النص كله، بلا جدوي! فبعد هذا الصعود ينحدر اللحن هابطا ليستقر علي نهاوند من درجه دو في «كلوحه لم ترسم». ليؤكد ان الصعود لم يكن الا محاوله اخيره قبل السقوط. ويختتم كاظم هذه التفعيله من مقام الكرد دو في: «يا ويل في استوطنت» بعد وثبه المفاجئ نحو اخفض قرار من الاوكتاف الثالث. وهو هبوط نغمي شديد الدلاله، يؤكد ان البطل قد سقط بالفعل في الغوايه. بعد ذلك يبدا البطل في تبرير موقفه بوصله غنائيه من مقام كرد دو: «جمالها مدمر، وعينها لا تكسر». ثم يلتفت اللحن الي مقام العجم علي لا بيمول في: «والورد والشمع هنا…». بعدها نسمع فاصلا من الوتريات الشرقيه يعزف جملا شجيه من مقام البياتي من الدو، ويمهد للكوبليه الاخير: «في جيبها صار الفتي…» وقد فضل القيصر ان يلحن هذا الجزء من مقام البياتي ذي الطابع الشرقي ايضا، مع ردود ايقاعيه من الرق والطبله، تقطع استرسال الغناء بشكل متعمد عند«تبكي له، يبكي لها»، وتبدو هذه التقطيعات كان الايقاع يتندر علي عبث السقوط الذي ال اليه مصير البطل؛ حيث تزفه الموسيقي نحو جراح جديده، مع عوده متوتره الي كرد دو في نهايه الكوبليه. ويختتم كاظم الساهر القصيده بعوده الي لحن المذهب الذي بدات منه الاغنيه، من مقام نهاوند فا. يعيد اول بيتين، وكانه يعود الي لحظه البدايه كي يعيد تقييم كل ما حدث، ثم يفاجئنا باسطر جديده: «قلبت حياتي واختفت.. ولوعه الحب ابتدت.. ومثلت وابدعت»، وكاننا ندور في حلقه مفرغه. لكن هذه المره لا ياتي الصوت بنفس ثبات البدايه، بل ياتي منكسرا، مهزوما، مثقلا بالتنهد. وهي الخاتمه المثلي لقصيده بهذا المعني. توزيع يرفض البقاء في مكان واحد وكعاده اغنيات كاظم الساهر، يتميز توزيع «اتت» بوفره استثنائيه في الايقاعات المستخدمه، والتحولات المستمره في الامزجه، وحتي السرعات. وتاتي الافتتاحيه الموسيقيه للقصيده ضمن اميز الافتتاحيات في مسيره كاظم. نسمع تالف جيتار يكرر لازمه تثير حاله من الغموض والترقب، قبل دخول اله الاوبوا الخشبيه التي تمهد لاجواء اوركستراليه واسعه. ثم تلتحم الاوبوا بالوتريات الشرقيه التي تعزف جملا سريعه، مدعومه بايقاع الجوبي العراقي الاصيل، الذي يخطف المستمع بسرعته وحيويته. ومع بدء الغناء، نتحول الي ايقاع مقسوم هادئ، مناسب تماما لبدايه السرد. ولكن عند قول كاظم: «كونشرتو حب عزفت» يتوقف ايقاع المقسوم مؤقتا، ونسمع هارموني دافيء من اله المندولين الرقيقه؛ لان كلمه «كونشيرتو» نفسها تستدعي اجواء غربيه خالصه، فتتغير البيئه الموسيقيه للحظه كي تستجيب للصوره التي رسمها النص. وحين يعود الايقاع، لا يعود الي المقسوم، بل يتحول الي الرومبا في: «لم اصدق قولها…» وكان التوزيع يرفض الجمود، تماما كما ترفض العلاقه الاستقرار. الهارد روك.. الصدمه في قلب القصيده الصدمه الحقيقيه تاتي عند: «عضت علي جمر الفم»، هنا تنتقل الاغنيه فجاه الي قالب الهارد روك، باجتماع الدرامز الصاخبه مع الديستورشن جيتار الكهربي. انها النقله المثلي للحظه الغوايه الكبري. تاتي لحظه الانفجار الموسيقي لتعبر عما لا تستطيع الكلمات وحدها شرحه. والاهم انها نقله بعيده تماما عن التوقعات. ثم ننتقل من الهارد روك الي فاصل اوركسترالي مدعوم بتشكيله مميزه من ايقاع الايوبي الثنائي، قبل ان نتحول سريعا الي قالب الصلصا اللاتيني في: «جمالها مدمر»، وهنا تدخل اله الاكسليفون لتضيف بصوتها الطفولي بعدا حالما. ثم نسمع ايقاع الفوكس الثنائي في: «والورد والشمع هنا». «اتت».. قصيده العوده كما يجب ان تكون «اتت» قصيده تؤكد انه وبعد عقود طويله من النجاح، لا يبدو القيصر اسيرا لما حققه في الماضي، بل ما زال قادرا علي العوده الي مناطقه الاجمل وتجديدها باعمال لا تقل طموحا عن روائعه المعروفه، مستندا الي خبره شاعر وذكاء ملحن وحس مطرب يعرف جيدا كيف يصل الي قلب جمهوره.