حوكمه الاستدامه في القطاعين العام والخاص

بعد ان وضحنا في المقال السابق كيف ان الغسل الاخضر قد بلغ عالميا مبلغ الجريمه، ليس فقط لاحتوائه علي تضليل استهلاكي وتداخل مع جرائم اخري مثل التضليل المحاسبي، وغسل الاموال، والتلاعب باسواق المال. نري اليوم النتيجه العالميه الكارثيه؛ ليس فقط علي شكل احتباس حراري، ونضوب في موارد المياه العذبه، وتصحر في الاراضي الزراعيه، وتلوث في الهواء؛ بل ايضا علي شكل تحول ممارسات انتهاك البيئه الي اداه من ادوات الجريمه المنظمه. وعليه، فان حمايه استدامه البيئه يجب ان تبدا من اهم الفعاليات الاقتصاديه والاداريه في الدوله؛ المتمثله بشركات المساهمه، ثم جهات القطاع العام. هذه هي النقطه الاداريه التنظيميه الحاسمه التي يجب ان تسبق اي قانون استدامه صارم؛ لان انتشار ممارسات غسل البيئه، الي درجه اعتبارها عرفا مباحا في الاوساط الاستثماريه والقطاع العام؛ سيجعل من تطبيق اي قانون استدامه صعبا الي درجه الانفصال عن الواقع. فاذا، يجب البدء في مهمه ترسيخ ثقافه عمليه لحمايه الاستدامه البيئه، قبل اصدار وتطبيق قوانين بيئيه صارمه. وفي الكويت، جري العمل منذ سنوات طويله علي هذا التمهيد الثقافي البيئي؛ كما يلي: 1 - صدر كتاب حوكمه الشركات ضمن اللائحه التنفيذيه لقانون هيئه اسواق المال رقم 7 - 2010؛ بما يجعل من الاستدامه معيارا ملزما للشركات، لكنه خاضع للالتزام او التفسير؛ مما اتاح للشركات مخالفه قواعد الاستدامه اذا قدمت مبررات مقنعه للهيئه مثل الضغط او التعثر المالي الذي تتعرض له الشركه. 2 - اصدرت الامانه العامه للمجلس الاعلي للتخطيط والتنميه دليلا استرشاديا للحوكمه تحت مسمي الاطار الوطني لحوكمه الجهاز الاداري الحكومي لعام 2021، ونص الاطار صراحه علي ان الاستدامه هي من اركان الحوكمه (صـ2)، واكدت الامانه علي ذلك ايضا في برنامجها الوطني الصادر عام 2024 (صـ8). فالمؤشرات تقول بان الكويت قد تراجعت درجتها من حيث تطبيق الحوكمه؛ من 46 الي 42 من اصل 100 درجه منذ عام 2011 حتي 2020، وتراجع تصنيفها العالمي من 54 الي 78 من اصل 180 دوله منذ 2011 حتي 2020 (الاطار، صـ3). هذا الواقع السلبي الراكد لحوكمه القطاع العام، قائم رغم وجود قوانين عديده مثل المرسوم بقانون 346 - 2007، الخاص بانشاء جهاز متابعه الاداء الحكومي. وهكذا، نستطيع تخيل جحم الاضرار بالبيئه التي ستنشا بسبب ضعف صيغه الالتزام بالاستدامه في قطاع الشركات، وضعف تطبيق معايير البيئه في القطاع الحكومي. فما هو موقف قانون البيئه؟ الابعاد النظريه والعمليه صدر قانون حمايه البيئه بالكويت رقم 42 - 2014 برؤيه طموحه جدا. كما نص القانون علي حمايه البيئه الارضيه والخارجيه من التلوث بالنفايات، وحمي التنوع البيولوجي، ووضع قواعد لاداره الازمات والكوارث البيئيه. علي الرغم من هذه القاعده القانونيه المتنوعه والرصينه، الا ان العقوبات المؤيده لها كانت في معظمها تحتوي علي امكانيه اكتفاء المحكمه بالغرامه دون الحبس، وحتي في حال كانت عقوبه الحبس الزاميه، فقد فتحت الماده 144 من القانون الباب للمصالحه في قضايا التلوث غير العمدي. هذا رغم ان الشركات الكبري لها ممارسات عالميه في هذا الاطار، فالبعض منها تخصص ميزانيات لدفع مبالغ المصالحه مع الدول التي تعمل فيها؛ لان تلك المبالغ مع التعويضات لا تشكل الا نسبه بسيطه من ارباحها، واذا شكلت نسبه جوهريه، يتم تحميل مبالغ المصالحات علي العملاء عبر زياده اسعار السلع التي تضر بالبيئه. وهكذا، يبدو ان المسيره نحو التنميه الصناعيه والاستثماريه تصطدم بشكل طبيعي مع حمايه البيئه، والسبب ان فرض قوانين صارمه سيجعل من الشركات العملاقه تتجنب دخول السوق. وعليه، كيف يمكن تطبيق حوكمه الاستدامه بشكل عملي - اداري -قانوني يراعي حساسيه تنظيم البيئه؟ فرصه استثماريه نص قانون تشجيع الاستثمار المباشر رقم 116 - 2013 علي مجموعه من القواعد الذكيه الجاذبه للاستثمار في الاستدامه ومشجعه للشركات التي تحترم قواعد البيئه، حيث جعل القانون منح التراخيص والمزايا الاستثماريه رهن بمدي مساهمه المشروع في تحقيق التنميه المستدامه؛ تماشيا مع رؤيه كويت جديده 2035، حيث ان القانون قد وضع معايير تقييم تسبق منح الترخيص؛ منها قياس الاثر التنموي للمشروع، وادخال تقنيات تقلل الانبعاثات وهدر الطاقه، واعطاء الاولويه للمشاريع التي تخدم الاستدامه البيئيه؛ مثل الطاقه المتجدده، اداره النفايات، ومعالجه المياه. وفي مقابل هذه المعايير البيئيه تحظي الشركه بامتيازات؛ مثل اعفاء من ضريبه الدخل والضرائب الاخري لمده تصل الي 10 سنوات، مع اعفاء كلي او جزئي من الرسوم الجمركيه علي الالات والمعدات والمواد الاوليه المستورده لخدمه المشروع البيئي؛ اضافه الي تسهيل الحصول علي الاراضي والقسائم اللازمه لاقامه المشاريع الاستثماريه. بهذه الطريقه القانونيه الذكيه، يمكن القول بان المشرع قد استخدم الحوافز الاستثماريه كاداه لتطبيق حوكمه الاستدامه بشكل واقعي؛ فجعل منها فرصه استثماريه بدلا من ان تكون عبئا ماليا علي الشركات. لكن ما تزال توجد ثغرات تشريعيه تخص المزيد من التشدد في التعامل العقابي مع المخالفات البيئيه، وجعل قواعد الاستدامه اكثر جديه وصرامه في كتاب حوكمه الشركات، واصدار قانون لمكافحه الغسل الاخضر، وفرض تدقيق ومحاسبه اداريه علي نشاطات الجهات العامه؛ بما يجعل من تطبيق حوكمه الاستدامه امرا منطقيا وذاتيا في ان معا. فاتن النقيب