ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم سامي عبدالمحسن الرويشد

ابتهاج يطرد النوم

لم تنم زوجتي طوال الليل؛ خرجت إلى عملها صباحاً من بين أوراقها، لا من فراشها. كانت قد أمضت ليلتها في تحسين عمل يتصل بتكليف وظيفي جديد، ثم حملت ما أنجزته إلى عملها، تنتظر النتيجة. جاء المخرج أقوى مما توقعت، وتبعه سيل جارف من الإطراء والمكافآت المعنوية. وعندما عادت إلى المنزل، كانت تحمل تعب ليلة كاملة وحماسة نجاح كامل. انتظرنا «وجبة نوم» طويلة تعوّضها؛ فإذا بالنوم وحده لا يحضر. كان جسدها منهكًا، لكن عقلها ظل واقفًا على منصة التكريم؛ غادر النوم عينيها، وحلّت مكانه نشوة الإنجاز. نربط الأرق عادةً بالقلق والخوف والفشل، وننسى أن الفرح الصاخب قد يوقظ الجسد كما يوقظه الخبر السيئ. فليست كل المشاعر الإيجابية مهدئة؛ بعضها مرتفع الاستثارة، يجعل العقل يعيد المشهد والكلمات والوجوه، ويستبق ما سيأتي بعد النجاح. وعند بوابة النوم، لا تكفي براءة الشعور ولا جمال سببه؛ المهم مقدار ما أبقاه من يقظة. ولهذا قد ينام المهزوم من شدة الإنهاك، ويسهر المنتصر من فرط الابتهاج. وهذا ليس انطباعًا عائليًا فقط. فقد وجدت دراسة لتافيرنييه وزملائها، منشورة في «مجلة أبحاث النوم» عام 2016، أن الحماسة وغيرها من المشاعر الإيجابية عالية الاستثارة ارتبطت بتأخر الدخول في النوم لدى عينة من المراهقين. ولا يصح تعميم عيّنتها على الجميع، لكنها تكشف أن إيجابية الشعور لا تضمن أثرًا مهدئًا. كما تشرح مراجعة بونيت وآراند في «مراجعات طب النوم»، وتؤكد مراجعة أحدث لدريسله وريمان في «مجلة أبحاث النوم»، مفهوم «فرط الاستثارة»: أن يظل النشاط المعرفي والانفعالي والجسدي مرتفعًا حين يُفترض أن تتسلّم منظومة النوم زمام الجسد. لذلك فالأدق وصف ما حدث بفرط الاستثارة بعد الإنجاز، لا فرط النشاط. وأقترح هنا مفهوم «فجوة إغلاق الإنجاز»: المسافة بين انتهاء المهمة في الخارج واقتناع الجسد بأنها انتهت. فقد يُسلَّم العمل، وتصدر النتيجة، وينصرف المهنئون، بينما يظل الجهاز العصبي في موقع العمل يحرس نجاحًا اكتمل. وهنا يمنحنا القرآن أدبًا لإدارة معنى الإنجاز؛ فعندما رأى سليمان - عليه السلام- العرش مستقرًا عنده قال: «هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ». وفسّر ابن كثير ذلك بأنه نعمة من الله واختبار للشكر.لم يُنكر سليمان عظمة الإنجاز، لكنه نقله فورًا من تضخّم الذات إلى فضل الله ومسؤولية الشكر. ولإغلاق تلك الفجوة، أقترح «مراسم انتهاء الإنجاز»، لا بوصفها بروتوكولًا طبيًا، بل ممارسة عملية من أربع حركات: إعلان النهاية بجملة واضحة؛ وتفريغ بقايا المهمة بكتابة ما سيُستكمل غدًا؛ ووقف الإمداد بإغلاق الرسائل والإطراء والشاشات؛ ثم خفض إيقاع الجسد بإضاءة هادئة وتنفس بطيء، وختم النجاح بالشكر. فالامتنان هنا ليس زينة وعظية؛ إنه ينقل العقل من مطاردة التصفيق إلى استيعاب النعمة. فالإنجاز لا ينتهي عند تسليمه، بل عندما تتوقف أجسادنا عن حراسته. وربما نعجز أحيانًا عن النوم، لا لأننا لم نتعب، بل لأن أجسادنا لم تتلقَّ بعد خبر انتهاء المهمة.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓