ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharوطن النهار بقلم عادل بدوي

أنقذونا من «كلاب الشوارع»

أنقذونا من «كلاب الشوارع»

على امتداد التاريخ، ظل الكلب قريباً من حياة الإنسان؛ رفيقاً في البيوت، وحارساً للممتلكات، ورفيقاً في الرحلات والعمل. لكن هذه العلاقة التي قامت طويلاً على الألفة والمنفعة، تحمل وجهاً آخر حين تتحول الكلاب إلى تجمعات سائبة، بلا رعاية أو رقابة، فتغادر حدود الرفقة إلى دائرة الخطر، وتصبح مصدر قلق يهدد سلامة الإنسان، خصوصاً في الأماكن التي تتقاطع فيها مع حياته اليومية. وليست الكلاب الضالة ظاهرة تخص بلداً بعينه، أو مشكلة طارئة فرضتها ظروف محلية محددة. إنها قضية تتعامل معها مدن ومجتمعات في أنحاء العالم، من العواصم الكبرى إلى المناطق السكنية والأطراف النائية، وتختلف استجابات الدول لها بين حملات التطعيم والتعقيم، وإنشاء الملاجئ، وتشجيع التبني، وتشديد الرقابة على اقتناء الحيوانات، وصولاً إلى إجراءات أخرى تثير بدورها أسئلة حول التوازن بين الرفق بالحيوان وحماية الإنسان. وفي الكويت، لم تعد الكلاب الضالة مجرد مشهد عابر في طريق أو تجمعات تظهر ليلاً في المناطق المفتوحة. فخلال السنوات الأخيرة، امتد وجودها من المناطق البرية والنائية إلى أطراف المدن والمناطق السكنية والصناعية، وتكررت البلاغات وحوادث العقر والهجوم، لتتحول الظاهرة إلى ملف يمس السلامة العامة ويستدعي حلولاً تتجاوز التعامل مع كل حادث على حدة. ومع كل واقعة جديدة، تعود الإجراءات إلى الواجهة: بلاغ من مواطن، واتصال بالطوارئ، وتحرك فرق ميدانية، ثم تهدأ القضية إلى أن يظهر تجمع جديد أو يقع حادث آخر. وفي الفترة الأخيرة، جددت وزارة الداخلية دعوتها للمواطنين والمقيمين إلى عدم الاقتراب من الكلاب الضالة أو استفزازها، ومراقبة الأطفال وكبار السن، والإبلاغ عن أماكن تجمعها عبر هاتف الطوارئ 112، فيما تواصل الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية استقبال البلاغات وتنفيذ حملات ميدانية للسيطرة عليها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تكمن المشكلة في أعداد الكلاب الموجودة في الشوارع فحسب، أم في الأسباب التي تجعل الظاهرة تتجدد رغم الحملات والإجراءات؟ ولماذا لا تزال الكويت تواجه هذا التحدي بعد عقود على صدور تشريع ينظم حيازة الكلاب ويضع تدابير للوقاية من أخطارها؟ تشير إحدى الدراسات المنشورة حول حالات عقر الثدييات في الكويت، والتي حللت بيانات 24,426 حالة بين عامي 2012 و2020، أظهرت أن الكلاب كانت السبب في 53.22 في المئة من الحالات، مقابل 42.29 في المئة للقطط. وهي بيانات تاريخية لا تعكس بالضرورة حجم الظاهرة اليوم، لكنها تكشف أن المشكلة الصحية المرتبطة بالكلاب ليست جديدة. وفي سبتمبر 2025، أشارت بيانات إدارة الصحة الحيوانية إلى نحو 60 حالة عقر شهرياً بسبب الكلاب الضالة، بالتزامن مع طلب تخصيص مواقع لإنشاء مراكز إيواء في مختلف المحافظات، تتضمن مرافق للتعقيم والتحصين والرعاية البيطرية وإعادة التأهيل والتبني. كما كشفت بيانات معلنة في 2024 أن الفرق المختصة تمكنت خلال عام واحد من ضبط نحو 6500 كلب ضال، مع وجود مركزين لإيواء الكلاب آنذاك، أحدهما في الفحيحيل والآخر على طريق الدائري السادس، إلى جانب تعقيم بعض الكلاب وإعادتها إلى المناطق المفتوحة، وعرض بعضها للتبني. وسبق أن تجاوز عدد البلاغات والشكاوى التي تلقتها الهيئة خلال خمس سنوات 5000 بلاغ، في وقت كانت فيه الخطط تتجه إلى إنشاء ملاجئ وإجراء التعقيم والتحصين والرعاية البيطرية. هذه الأرقام لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: كم يبلغ عدد الكلاب الضالة فعلياً في الكويت؟ فحتى الآن لا يظهر رقم رسمي حديث منشور يمكن التعامل معه باعتباره تعداداً شاملاً. وهذه في حد ذاتها مشكلة؛ لأن أي خطة لا تبدأ من معرفة حجم الظاهرة ومصادرها ستظل أقرب إلى إدارة البلاغات منها إلى إدارة المشكلة. قانون 1969 المفارقة أن الكويت لا تبدأ من فراغ تشريعي. فمنذ 8 أبريل 1969 يوجد القانون رقم 9 بشأن حيازة الكلاب والإجراءات الوقائية من مرض الكلب، وهو ما يزال تشريعاً سارياً. وهذا القانون لا يكتفي بتنظيم التعامل مع الكلاب الضالة، بل يبدأ من أصل المشكلة: الكلب المملوك ومن يحوزه وشروط الترخيص، وتسجيل بيانات الحائز والكلب ومصدره، وفحصه وتحصينه ضد مرض الكلب، وإنشاء سجلات خاصة بالكلاب المرخصة، كما يلزم بتحصينها سنوياً ووضع وسيلة تعريف بها وضبطها في الأماكن العامة. كما ينظم التعامل مع الكلاب التي تعقر الإنسان أو الحيوان، ويمنح الجهة البيطرية صلاحيات بإعدام الكلاب الضالة التي قد تشكل خطراً على الناس. أي أن القانون، منذ أكثر من نصف قرن، لم ينظر إلى الكلب الضال باعتباره المشكلة الوحيدة؛ بل وضع جزءاً مهماً من الحل في تنظيم الملكية والمسؤولية عنها. والسؤال هنا: إذا كان القانون ينظم حيازة الكلاب وتسجيلها وتحـصينها ومراقبتها، فكيف تتحول أعداد منها إلى الشوارع؟ ومن يراقب عمليات البيع والشراء والتخلي عنها؟ وهل هناك قاعدة بيانات حديثة تسمح بمعرفة الكلب وحائزه وتتبع انتقال ملكيته؟ وما حجم تطبيق المخالفات والعقوبات المنصوص عليها؟ هذه الأسئلة أكثر أهمية من مطاردة الكلب بعد وصوله إلى الشارع؛ لأن التعامل مع النتيجة دون المصدر يعني أن المشكلة يمكن أن تعيد إنتاج نفسها مهما بلغ عدد الحملات. إدارة المنظومة خلال السنوات الأخيرة تحركت الجهات المختصة أكثر من مرة. وفي أبريل 2025 أعلنت الهيئة حملة للسيطرة على انتشار الكلاب الضالة باستخدام طرق وصفتها بالرحيمة والمعتمدة دولياً، ودعت المواطنين والمقيمين إلى إرسال البلاغات ومواقع التجمعات عبر وسائل الاتصال المخصصة لذلك.، ثم جاء في سبتمبر من العام نفسه مقترح إنشاء مراكز إيواء في كل محافظة، بحيث لا تقتصر مهمتها على جمع الكلاب، وإنما تشمل التعقيم والتحصين ضد السعار والرعاية البيطرية وإعادة التأهيل والتدريب والتبني. وهذه خطوة مختلفة في مفهوم التعامل مع الظاهرة، لكنها تفتح سؤالاً آخر: هل يكفي إنشاء الملاجئ إذا استمر تدفق الكلاب الجديدة إليها؟ فالملجأ يستطيع استيعاب عدد محدد، والحملة تستطيع اصطياد عدد محدد، والتعقيم يستطيع الحد من التكاثر، لكن المنظومة لن تصل إلى نتيجة مستدامة إذا بقيت مصادر الغذاء المكشوفة، واستمر التخلي عن الحيوانات، وضعفت الرقابة على الحيازة والتداول، ولم تتوافر قاعدة بيانات دقيقة تقيس أعداد الكلاب ومواقعها وما تم التعامل معه منها. لذلك فإن إدارة الملف لا ينبغي أن تتوقف عند استقبال البلاغ بعد ظهور الكلاب أمام منزل أو مدرسة أو منشأة. الإدارة الوقائية تبدأ قبل ذلك من خلال : حصر الظاهرة، تحديد بؤر التجمع، معرفة مصادر الغذاء والتكاثر، ضبط الملكية، منع التخلي عن الحيوانات، التعقيم والتحصين، توفير الإيواء عند الحاجة، ثم قياس النتائج بصورة دورية. والأهم أن يعرف المواطن ماذا حدث بعد البلاغ: هل وصلت الفرقة؟ كم كلباً تم ضبطه؟ ماذا جرى له؟ وهل عادت المجموعة نفسها إلى الموقع بعد أسابيع؟ أين تكمن المشكلة؟ المشكلة إذن ليست في غياب البلاغات، ولا في غياب القانون، ولا في غياب الحملات تماماً. المشكلة التي تحتاج إلى إجابة أدق هي: هل تعمل هذه العناصر داخل منظومة واحدة، أم أن كل إجراء يعالج جزءاً من المشكلة في وقت مختلف؟ فالكويت تملك قانوناً يعود إلى عام 1969، وفرقاً ميدانية، وبلاغات، وبرامج للتعقيم، ومقترحات لإنشاء مراكز إيواء، ومع ذلك ما زالت الكلاب الضالة تعود إلى المشهد. وهنا يصبح السؤال التالي طبيعياً: هل واجهت دول أخرى المشكلة نفسها بالطريقة ذاتها؟ أم أنها غيرت طريقة إدارة الملف من الأساس؟ من الخليج إلى دول أخرى، ظهرت تجارب مختلفة: دول اختارت التعقيم والتحصين وإعادة الإطلاق، وأخرى وسعت برامج الإيواء والتبني، وأخرى شددت مسؤولية مالك الحيوان ومنعت التخلي عنه، فيما اتجهت دول إلى نماذج أكثر صرامة في جمع الكلاب وإيوائها. السؤال الذي يستحق أن نبحث عن إجابته في التجارب الدولية ليس: من قتل أكبر عدد من الكلاب؟ بل: من استطاع أن يقلل المشكلة فعلياً، وكيف فعل ذلك، وما الذي يمكن للكويت أن تتعلمه من التجارب التي واجهت ظروفاً مشابهة؟ رؤية شرعية: حماية الإنسان مقدمة على الرفق بالحيوان بين الدعوة إلى الرفق بالحيوان، والمخاوف التي تفرضها تجمعات الكلاب الضالة في الشوارع والمناطق السكنية، يبرز سؤال شرعي وإنساني: كيف يتعامل الإسلام مع الحيوان، وماذا يحدث عندما يتحول هذا الحيوان من كائن تجب الرحمة به إلى مصدر أذى يهدد الناس؟ من جانبه، يرى الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية ـ جامعة الكويت، أ.د. محمد عبدالغفار الشريف أن الأصل في التعامل مع الحيوان هو الرفق والرحمة، مستشهداً بما ورد في السنة النبوية من أحاديث تؤكد عناية الإسلام بالحيوان، ومنها قصة المرأة التي سقت كلباً اشتد به العطش، فكان ذلك سبباً في مغفرة الله لها، وكذلك الحديث الذي حذر من تعذيب الحيوان وتجويعه، في إشارة واضحة إلى أن الرحمة بالحيوان أصل شرعي لا يجوز إغفاله. لكن هذا الأصل، كما يوضح الشريف، لا يعني ترك الحيوان إذا أصبح مصدر أذية للناس، إذ يجوز عند تحقق الضرر التخلص منه بالوسيلة التي تكفي لدفع أذاه مع اختيار أخف الوسائل إضراراً به، بحيث لا يتحول التعامل معه إلى تعذيب أو إيذاء بلا ضرورة. وقد يصل الأمر إلى قتله إذا لم يكن دفع الضرر عنه إلا بذلك، على أن يكون ذلك بقدر الحاجة ومن دون تعذيب. وبذلك يضع الشريف قاعدة واضحة للتعامل مع الكلاب السائبة: الرفق بها هو الأصل، لكن حماية الإنسان من الضرر مقدمة عندما يصبح الخطر حقيقياً، ويكون التخلص من الحيوان جائزاً بالوسيلة التي تحقق الغرض وتدفع الأذى، مع الالتزام بعدم تعذيبه. لا ضرر ولا ضرار ومن الزاوية نفسها، يؤكد الشيخ د. أحمد حسين أن مسؤولية التعامل مع تجمعات الكلاب الضالة يجب أن تقع على عاتق الجهات المعنية والمختصة، لا أن يتحول الأمر إلى اجتهادات فردية من المواطنين، خصوصاً أن هذه الجهات لديها فرق متخصصة ومدربة على التعامل مع الحيوانات التي قد تكون مريضة أو عدوانية أو تشكل خطراً على الناس. ويرى أن الجهة المختصة هي الأقدر على تحديد مستوى الخطر واختيار الوسيلة المناسبة لكل حالة، سواء كان ذلك من خلال التعقيم للحد من التكاثر، أو التطعيم والرعاية البيطرية، أو الإيواء، أو أي إجراء آخر تفرضه طبيعة الحالة. أما إذا كان الحيوان يشكل تهديداً مباشراً على حياة المواطنين والمقيمين، فإن تقدير كيفية التعامل معه يعود إلى الجهات المختصة وفق القانون والضوابط المعمول بها. ويؤكد حسين أن قاعدة لا ضرر ولا ضرار تمثل أصلاً مهماً في هذه المسألة، فحماية النفس البشرية من الضرر مقصد أساسي، ومن ثم لا يمكن أن تتحول الدعوة إلى الرفق بالحيوان إلى سبب لترك خطر قائم يهدد الناس. وفي المقابل، فإن حماية الإنسان لا تعني إباحة تعذيب الحيوان أو التعامل معه بوسائل قاسية من دون ضرورة. رسالة للمواطنين ويمتد الحديث إلى سلوك بعض المواطنين الذين يضعون الطعام للكلاب الضالة أمام المنازل بدافع الرحمة والعطف على الحيوان. وهنا يوجه حسين رسالة واضحة إلى المواطنين بعدم إطعام الكلاب أمام البيوت، لأن توفير الطعام في هذه الأماكن قد يؤدي إلى جذب المزيد منها وتكوين تجمعات قريبة من السكان، بما يزيد احتمالات الخطر بدلاً من أن يكون عملاً فردياً للرحمة. وفي النهاية، يلتقي الرأيان عند نقطة أساسية: الرحمة بالحيوان لا تتناقض مع حماية الإنسان، كما أن حماية الإنسان لا تبرر تعذيب الحيوان. وبين الأمرين تقع مسؤولية الجهات المختصة في تقدير حجم الخطر، واختيار الوسيلة المناسبة لكل حالة، والعمل ضمن خطة متكاملة لا تكتفي بالتعامل مع الكلاب بعد تجمعها، وإنما تستهدف الحد من تكاثرها وانتشارها ومصادر وجودها. ولهذا، فإن القضية في جوهرها ليست اختياراً بين الرفق بالحيوان وسلامة الإنسان، بل البحث عن منظومة تحقق الاثنين معاً، وتترك للجهات المتخصصة مسؤولية تحديد متى يكون التعقيم أو التطعيم أو الإيواء كافياً، ومتى يصبح التخلص من الحيوان ضرورة لدرء خطر حقيقي، على أن يتم ذلك بالوسيلة التي تحقق الهدف من دون تعذيب. د. عبيد العازمي يقدم روشتة للتعامل الآمن مع الكلاب الضالة والسائبة كيف تتصرف إذا وجدت نفسك فجأة في مواجهة كلب ضال؟ سؤال يبدو بديهياً، لكنه يتكرر مع اتساع الظاهرة وتزايد المخاوف من هجمات الكلاب في المناطق السكنية والطرق المفتوحة. وبين نصائح متداولة واجتهادات شخصية، يبقى الرأي العلمي ضرورة لفهم سلوك هذه الحيوانات ومعرفة كيفية التعامل معها بأقل قدر ممكن من المخاطر. وللوقوف على أبرز الإرشادات البيطرية، تحدثنا إلى الدكتور عبيد ظاهر العازمي، الطبيب البيطري وصاحب الخبرة الطويلة في هذا المجال، ليقدم روشتة عملية للتعامل مع الكلاب الضالة، ويشرح أسباب انتشارها والتحديات التي تواجه جهود السيطرة عليها. يقول العازمي إن أول ما ينبغي الانتباه إليه عند مواجهة كلب ضال هو عدم إظهار الخوف أو الدخول في مواجهة مباشرة معه، موضحاً أن الكلب قد يلتقط إشارات التوتر من الشخص الذي يقف أمامه، وأن التحديق في عينيه قد يُفهم باعتباره تحدياً أو تهديداً، بما يزيد احتمالات التصعيد. لذلك ينصح بتجنب النظر المباشر إلى عيني الكلب، والابتعاد بهدوء عن المكان دون استفزازه أو القيام بحركات مفاجئة. المواجهة الآمنة ويضيف أن الشخص قد لا يستطيع معرفة ما إذا كان الكلب الذي يواجهه مصاباً بداء الكلب أو يعاني حالة صحية أو سلوكية تدفعه إلى العدوان، ومن ثم فإن الحذر والاستعداد للتصرف السليم يظلان ضروريين، سواء كان الكلب منفرداً أو ضمن مجموعة. وينصح بالبحث عن أقرب مكان آمن أو مرتفع يمكن الاحتماء به، مع تجنب الاقتراب من الحيوان أو محاصرته. وحول طبيعة الهجوم، يلفت العازمي إلى أن مصدر الخطر الأساسي يكمن في فك الكلب وأسنانه، ولذلك فإن حماية الجسم من العقر وإبعاد الفم عن مواضع الإصابة يمثلان أولوية عند وقوع هجوم. فالإصابة قد تحدث في لحظات، وقد تكون عواقبها خطيرة إذا لم يحصل المصاب على الرعاية الطبية المناسبة. ويشدد على ضرورة طلب المساعدة الطبية فور التعرض للعقر أو حتى الخدش المشتبه فيه، وعدم الاستهانة بالإصابة مهما بدت بسيطة. فقرار إعطاء اللقاحات أو المصل الوقائي لا يتخذه المصاب بنفسه، وإنما يحدده الطبيب البشري وفق تقييم الحالة وطبيعة التعرض والإجراءات الطبية المعتمدة. ويحذر من أن داء الكلب مرض خطير قد يكون مميتاً إذا لم يُتدارك بالعلاج الوقائي في الوقت المناسب، مؤكداً أن سرعة التوجه إلى المستشفى والتعامل الطبي الصحيح عاملان حاسمان في الوقاية من مضاعفاته. الإحصاءات غائبة ولا تتوقف رؤية العازمي عند كيفية التعامل مع الكلب الموجود في الشارع، بل تمتد إلى السؤال الأهم: لماذا تتجدد أعداد الكلاب الضالة باستمرار، رغم الحملات الميدانية وجهود الجهات المعنية؟ وهنا يشير إلى أن التكاثر السريع يمثل أحد أبرز التحديات، موضحاً، على سبيل التقدير والاسترشاد وليس استناداً إلى إحصاء رسمي، أن الكلبة الواحدة قد تلد في المرة الواحدة نحو خمسة أو ستة جراء، وأنها قد تلد أكثر من مرة خلال العام. ويقدر العازمي أن الكلبة الواحدة قد تنتج، في ظروف التكاثر المتكرر، ما يقارب مئة جرو خلال السنة، لافتاً إلى أن بعض الجراء قد تبلغ مرحلة التكاثر في عمر مبكر، فتبدأ دورة جديدة من الإنجاب قبل أن تتوقف دورة الأجيال السابقة. ويؤكد أن هذا التصور يوضح كيف يمكن للأعداد أن تتزايد بصورة متسارعة، وإن كانت الأرقام الفعلية تتفاوت بحسب أعمار الكلاب وظروفها الصحية والبيئية ومعدلات بقاء الجراء. وفي هذا السياق، يرى أن غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة يجعل من الصعب تحديد حجم الظاهرة أو قياس نتائج الحملات بصورة موضوعية. فمعرفة عدد الكلاب ومواقع تجمعها ومعدلات تكاثرها ليست مجرد معلومات نظرية، وإنما أساس لتحديد حجم الفرق المطلوبة، وتقدير احتياجات التعقيم والتحصين والإيواء، ومعرفة ما إذا كانت التدخلات الحالية قادرة على الحد من تجدد الأعداد. إزالة الأسوار ويشير العازمي إلى أن الكويت تمتلك قانوناً ينظم تربية الكلاب واقتناءها، لكن التحدي الأساسي، من وجهة نظره، يرتبط بمدى تطبيق التشريعات ومتابعة المسؤوليات المترتبة على الحيازة. كما يلفت إلى أن تغير بعض أنماط البناء وإزالة الأسوار في عدد من البيوت قد يسهّل دخول الكلاب إلى الحدائق والمناطق المحيطة بالمنازل، بما يضيف تحدياً جديداً أمام السكان ويزيد أهمية إجراءات الوقاية والحماية. وعلى الرغم من حجم التحديات، يثمن العازمي جهود الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية والبلدية ووزارة الداخلية وسائر الجهات المعنية، مؤكداً أن هذه الجهات تبذل جهوداً في التعامل مع البلاغات والحملات الميدانية، لكن حجم الظاهرة واتساع نطاقها يجعلان المهمة أكبر من قدرة الإجراءات المنفردة أو المؤقتة على احتوائها. ومن هنا، يبرز في حديثه أن السيطرة على الظاهرة لا تتحقق بمجرد اصطياد الكلاب الموجودة في الشوارع، بل تحتاج إلى معالجة متكاملة تجمع بين الحد من التكاثر، والتعامل البيطري، ومراقبة مصادر انتشار الحيوانات، وتنظيم الحيازة، وتوفير وسائل الإيواء والرعاية عند الحاجة. فكل حملة لا تواكبها إجراءات تمنع تجدد الأعداد قد تجد نفسها أمام المشكلة ذاتها بعد فترة. وعن التجارب الخارجية، أبدى العازمي تقديراً للتجربة البحرينية، كما أشار إلى التجربة التركية، في حين لفت إلى حجم التحديات التي تواجه التعامل مع الظاهرة في دول واسعة المساحة وكثيفة السكان مثل مصر والسعودية. وتفتح هذه المقارنة الباب أمام سؤال يتجاوز حدود الإشادة بتجربة أو أخرى: ما الذي حققته هذه الدول فعلياً؟ وما الإجراءات التي أثبتت قدرتها على تقليل المخاطر والحد من التكاثر؟ وهل يمكن الاستفادة من نماذجها في الكويت، مع مراعاة اختلاف الظروف والإمكانات؟ سنغافورة.. التعقيم أولاً وإعادة التوطين عند الإمكان اعتمدت سنغافورة برنامجًا متكاملًا لإدارة الكلاب الحرة يقوم على الإمساك والتعقيم وإعادة التوطين أو الإطلاق مع المتابعة، إلى جانب التحصين والتعريف بالشرائح الإلكترونية. وتقول هيئة الخدمات الحيوانية والبيطرية هناك إن نحو 80% من الكلاب الحرة جرى تعقيمها منذ إطلاق البرنامج، فيما جرى التعامل مع أكثر من 4400 كلب، وأعيد توطين أو إيواء أو رعاية أكثر من 65% منها. التجربة تقوم على خفض التكاثر، لا مجرد إزالة الكلاب من الشوارع. البحرين.. برنامج جديد يجمع أكثر من أداة تتجه البحرين إلى إدارة الظاهرة من خلال برنامج وطني قائم على البيانات، يشمل الإمساك والتعقيم والتطعيم والتعريف والإيواء وإعادة التأهيل والتبني أو الإرجاع بحسب الحالة. وتغطي الخطة المحافظات الأربع بعقد مدته 30 شهرًا. لكن التجربة لا تزال حديثة، ولذلك من المبكر وصفها بأنها تجربة ناجحة أو قياس نتائجها النهائية. أهم ما فيها أنها تتعامل مع الملف باعتباره منظومة متكاملة، وليس مجرد حملات اصطياد موسمية. السعودية.. من المكافحة إلى الإدارة البيطرية بدأت السعودية منذ سنوات في تبني أساليب أكثر اعتمادًا على الجمع والتطعيم والإخصاء والتعقيم ثم الإطلاق، بدلاً من الاقتصار على وسائل المكافحة التقليدية. وفي العلا تحديدًا، يقود برنامج متخصص لإدارة الحيوانات السائبة عملية الإمساك والتعقيم والتطعيم ثم الإرجاع، بالتوازي مع مركز للرفق بالحيوان ومرافق للإيواء والتوعية والتبني. وتستهدف التجربة خفض أعداد الحيوانات السائبة والحد من الأمراض وحماية المجتمع والبيئة. مصر.. أرقام كبيرة وتحدٍّ أكبر تتعامل مصر مع الظاهرة على نطاق واسع يتناسب مع اتساع رقعتها وعدد سكانها. ووفق بيانات حكومية، جرى خلال عام 2025 تحصين 121 ألف كلب وتعقيم 8311 كلبًا في المستشفيات البيطرية التابعة للجهات المختصة، مع التوسع في إنشاء ملاجئ ومواقع للإيواء وتوفير وحدات للنقل والتعامل الآمن مع الحيوانات. وفي 2026 استمرت حملات التحصين والتعقيم بالتعاون مع المجتمع المدني. وتكشف التجربة أن حجم المشكلة يجعل السيطرة عليها عملية طويلة تحتاج إلى موارد واستمرارية وتنسيق واسع. تركيا.. التحول من التعقيم والإطلاق إلى الإيواء اختارت تركيا في 2024 مسارًا أكثر صرامة، عندما أقر البرلمان قانونًا يلزم البلديات بجمع الكلاب السائبة وإيداعها في الملاجئ، مع السماح بالقتل الرحيم في حالات الكلاب العدوانية أو المصابة بأمراض غير قابلة للعلاج. وجاء التحول بعد سنوات من سياسات التعقيم والتطعيم والإعادة إلى الشوارع. لكن التجربة واجهت اعتراضات واسعة، كما ظهرت مشكلة واضحة في قدرة الملاجئ، التي كانت تستوعب نحو 105 آلاف كلب مقابل تقديرات تصل إلى ملايين الكلاب السائبة. لذلك تبقى التجربة التركية مثالًا على أن جمع الكلاب دون قدرة استيعابية كافية قد ينقل المشكلة من الشارع إلى الملجأ. والخلاصة أن هذه التجارب الدولية لا تقدم وصفة واحدة تصلح لكل مكان. لكن القاسم المشترك بينها واضح: الحل المستدام لا يبدأ بالكلب الموجود في الشارع وينتهي به، وإنما يبدأ من منع تكوّن المشكلة من الأساس؛ عبر ضبط الحيازة والتخلي، والتعقيم والتحصين، والإيواء والتبني عند الحاجة، وإدارة مصادر الغذاء، وامتلاك بيانات دقيقة تقيس النتائج. وهذه هي النقطة التي يصبح عندها السؤال أكثر تحديدًا: أي مزيج من هذه الأدوات يمكن أن يناسب الكويت؟ قانون تنظيم حيازة الكلاب أبرز ما تضمنه القانون رقم 9 لسنة 1969 بشأن حيازة الكلاب والإجراءات الوقائية من مرض الكَلَب: - يُحظر على أي شخص حيازة أي كلب دون الحصول على ترخيص مسبق من الجهة المختصة. - يجب أن تكون جميع الكلاب أثناء سيرها في الطرق والأماكن العامة مكمّمة أو مقودة بزمام، وإلا جاز ضبطها وحجزها. - يلتزم حائز الكلب بتقديمه سنوياً إلى المركز البيطري المختص (إدارة الصحة الحيوانية بالهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية حالياً) لفحصه وتحصينه ضد مرض الكلب في المواعيد المقررة. - في حال إصابة الكلب بداء الكلب أو الاشتباه بإصابته، يجب على صاحبه إبلاغ أقرب مركز بيطري فوراً لضبطه وحجزه. - يسري حكم الإبلاغ والحجز على أي كلب يقوم بعقر إنسان أو حيوان آخر، حتى وإن لم يُشتبه بكونه مصاباً بالمرض. - يجوز لقسم البيطرة إعدام الكلاب الضالة في الأماكن العامة التي تشكل خطراً أو إزعاجاً للناس، أو الكلاب المشتبه بإصابتها بمرض الكلب بالطرق المقررة. - يعاقب كل مخالف لأحكام هذا القانون بالحبس مدة لا تجاوز شهراً وبغرامة لا تزيد على 30 ديناراً كويتياً (أو بإحدى هاتين العقوبتين بحسب ما تقرره النصوص القانونية للمخالفات).

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓