ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم وائل يوسف المطوع

خطوة في الاتجاه الصحيح

لا شك أن الاهتمام بقاعدة الناشئين هو الطريق الحقيقي لبناء مستقبل الرياضة الكويتية، ومن هنا فإن مشروع استقدام مدربين عالميين للعمل مع فئة تحت 12 عاماً في أندية كرة القدم يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، ومبادرة تستحق التقدير والإشادة. والأجمل في المشروع أنه ينطلق من فكرة أساسية لا يختلف عليها اثنان: التأسيس الصحيح للاعب في سن مبكرة هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل كرة القدم. وقد أحسنت الهيئة العامة للرياضة، بالتعاون مع الاتحاد الكويتي لكرة القدم، عندما وضعت هذا الملف ضمن اهتماماتها، واستعانت بمدربين من مدارس كروية مختلفة وفق معايير فنية محددة، بهدف بناء قاعدة أكثر جودة وتأهيلاً. وهو اهتمام يستحق التقدير من الدولة، لأن الرياضة لم تعد ترفاً أو نشاطاً جانبياً، بل أصبحت صناعة متكاملة، لها اقتصادها واستثماراتها ومواردها البشرية، وتحتاج إلى إدارة وتخطيط ورؤية واضحة. وهنا يأتي السؤال الأهم: ماذا بعد فئة تحت 12 عاماً؟ إذا استقدمنا مدرباً عالمياً للاعب في هذه المرحلة، وقدمنا له التأسيس الفني والبدني الصحيح، فماذا سيحدث عندما ينتقل اللاعب إلى فئة تحت 14 ثم 16 ثم 18 عاماً؟ هل سيجد المنظومة الفنية نفسها؟ وهل سيكون المدرب في كل مرحلة مؤهلاً وقادراً على البناء على ما تحقق في المرحلة السابقة؟ إذا كان مدرب تحت 12 عاماً يحمل الخبرة والشهادات المطلوبة، بينما ينتقل اللاعب بعد ذلك إلى مرحلة أخرى تحت إشراف مدرب محلي لا يمتلك المؤهلات والخبرات المطلوبة، فماذا استفدنا؟ وكل مؤهلاته ولد عم الرئيس او يملك اكثر من 100 صوت بالجمعية العمومية للنادي. هنا تتضح الصورة: المشكلة ليست في مشروع واحد، ولا في عدد المدربين الذين تم استقدامهم، وإنما في حاجتنا إلى تغيير منظومة بأكملها. نحن بحاجة إلى استراتيجية واضحة المعالم لكرة القدم الكويتية، تبدأ من قراءة واقعنا بكل شفافية، وتحدد الفجوة بين المستوى الذي وصلت إليه كرة القدم الكويتية اليوم، والمستوى الذي نريد أن نصل إليه بعد خمس سنوات. ومن هذه الفجوة يجب أن تنطلق الغايات والأهداف العامة، ثم الأهداف الخاصة، وبعدها البرامج والمشاريع والمبادرات التي تعمل جميعها في اتجاه واحد، وفق أولويات واضحة وجداول زمنية ومؤشرات أداء قابلة للقياس. نريد أن نعرف ماذا نريد من لاعبينا في كل مرحلة عمرية، وما المواصفات الفنية والبدنية التي يجب أن يصل إليها اللاعب عند انتقاله من مرحلة إلى أخرى. ونريد أن نعرف أيضاً من هو المدرب الذي يحق له تدريب كل فئة عمرية، وما المعايير التي يتم على أساسها اختياره، وكيف يتم تقييمه ومحاسبته وتطويره. والمدرب العالمي الذي نستقدمه اليوم يجب ألا يكون مجرد مدرب يؤدي مهمته وينتهي دوره بانتهاء العقد، بل يجب أن يكون جزءاً من مشروع لنقل الخبرة وبناء المدرب الوطني، من خلال برامج للمعايشة والتأهيل والتطوير. كما أن نجاح أي مشروع فني داخل الأندية يحتاج إلى بيئة إدارية قادرة على حمايته واستثماره، وهنا يأتي ملف الحوكمة. فلا يمكن أن نطالب بمخرجات احترافية في منظومة لا تزال بحاجة إلى تطوير آليات الإدارة واتخاذ القرار واختيار الأجهزة الفنية وقياس الأداء والمساءلة. نحن بحاجة إلى أن تكون القرارات الفنية مبنية على معايير واضحة، وأن تكون هناك استمرارية في العمل، بحيث لا تبدأ المنظومة من جديد كلما تغير الأشخاص. كما أننا بحاجة إلى الانتقال من مفهوم الاحتراف الجزئي إلى الاحتراف الكامل؛ احتراف لا يقتصر على عقود اللاعبين والمدربين، وإنما يشمل الإدارة والتخطيط واكتشاف المواهب وإعداد المدربين والمنشآت والقياس والتقييم. إذا كانت الدولة قد بدأت اليوم بخطوة في الطريق الصحيح، فالمطلوب أن تتبعها خطوات أخرى ضمن خطة استراتيجية متكاملة للرياضة الكويتية وكرة القدم تحديداً، حتى لا تبقى المبادرات منفصلة عن بعضها، بل تتحول إلى منظومة متكاملة لها أهدافها ومسؤولياتها ومؤشرات نجاحها. بعد خمس سنوات، يجب أن نستطيع أن نقيس ما تحقق بالأرقام: كم لاعباً تم تطويره؟ كم مدرباً وطنياً تم تأهيله؟ كم موهبة تم اكتشافها؟ وما حجم التطور الذي طرأ على المستويات الفنية والبدنية؟ نعم، هذه المبادرة تستحق التقدير، لكن نجاحها الحقيقي لن يقاس بعدد المدربين الذين تم استقدامهم، وإنما بما ستتركه من أثر مستدام في كرة القدم الكويتية. فالهدف ليس أن نصنع فريقاً جيداً في فئة عمرية واحدة، وإنما أن نبني منظومة تصنع لاعباً كويتياً قادراً على المنافسة، ومدرباً وطنياً مؤهلاً، وإدارة رياضية محترفة، ومستقبلاً أفضل لكرة القدم الكويتية. وهذا هو الاستثمار الحقيقي في الرياضة.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓