ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharالأولى بقلم عماد بوخمسين

الكويت صوت الحكمة والاعتدال

الكويت صوت الحكمة والاعتدال

جاءت كلمة الكويت أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي ألقاها ممثل سمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، سمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح، جامعة مانعة، كاشفة عن حكمة السياسة الكويتية التي تستفيد من أحداث التاريخ، ولا تنفصل عن الواقع، بل تتخذ منهما معاً منطلقاً يصوب الحاضر وينير طريق المستقبل. الكلمات التي صدح بها ممثل سمو الأمير سمو ولي العهد، نقل من خلالها رسالة الكويت إلى العالم، وهي أنها كانت وستبقى، صوتاً للحكمة والاعتدال، داعمةً للحوار والتعاون والانفتاح، نصيرة للحق، وشريكة في ترسيخ السلم والأمن الدوليين. لقد كان سموه موفقاً وهو يعدد، على مرأى ومسمع من العالم، حقائق لا تقبل النقاش، ومبادئ يتفق عليها العقلاء، يأتي في مقدمتها أن «السلام موقف تمليه الحكمة وتحميه القدرة، وأن الحوار لا ينتقص من الحقوق، بل يحفظها، وأن الأمن لا تحرسه القوة وحدها، بل يرسخه العدل، وتصونه سيادة القانون، وتحميه مبادئ الشرعية الدولية». إن القراءة الواعية المتأملة لمضمون كلمة الكويت تؤكد تمسكها بنهجها المعروف، القائم على الاعتدال في الموقف، والوضوح في المبدأ، والحرص على السلام، والاحتكام إلى القانون الدولي. فمن يتأمل الكلمة مبناها ومغزاها، يجد أنها حملت رسالة واضحة، ملخصها أن قوة أي دولة لا تكون فقط بقدرتها على الدفاع عن نفسها، بل أيضاً بقدرتها على الدفاع عن الحق، واحترام القانون. وليس بخافٍ على أي متابع أن هذه الرسالة تكتسب أهميتها من خصوصية التجربة الكويتية؛ فالكويت دولة عرفت معنى السلام، وعرفت أيضاً قسوة العدوان، ولذلك فإن حديثها عن الأمن والسيادة والسلام ليس حديثاً نظرياً، بل هو حديث دولة خبرت بنفسها كلفة الصراع، وعرفت أن الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر عندما تتغلب لغة القوة على لغة العقل. ولعل من أبرز ما لفت النظر في كلمة ممثل سمو الأمير سمو ولي العهد أنها لم تتحدث بلغة غامضة أو فضفاضة، بل عرضت الموقف الكويتي بجلاء كامل تجاه القضايا التي تمس المنطقة، وفي الوقت نفسه أبقت على مساحة واسعة للحوار والوساطة والحلول السلمية. ففي الحديث عن الاعتداءات الغاشمة التي تعرضت لها الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن من قبل النظام الإيراني، جاء الموقف كاشفاً بصورة لا تقبل التأويل عن حق الكويت وشقيقاتها في الدفاع عن سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها، ورفضها القاطع استهداف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية، وما ترتب على ذلك من خسائر بشرية وأضرار مادية واقتصادية. ومع ذلك، فإن وضوح الموقف الكويتي لم يتحول إلى دعوة لإغلاق أبواب التسوية، بل أكد دعم الجهود الدبلوماسية والوساطات الرامية إلى التهدئة والوصول إلى حل سلمي، ودعا إلى تفاهمات إقليمية تقوم على حسن الجوار واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها. لقد ركز ممثل سمو الأمير سمو ولي العهد، بحصافة ودبلوماسية واعيتين، على أن التمسك بالحق لا يعني التخلي عن الحكمة، وأن الدفاع عن الأمن لا يعني رفض السلام، مؤكداً أن سياسة الكويت الخارجية تقوم على حسن الجوار وتسوية النزاعات بالطرق السلمية. ومن النقاط المهمة في تلك الكلمة الدعوة الواضحة إلى إصلاح مجلس الأمن، ليصبح أكثر تمثيلاً وفاعلية وشفافية، وهي دعوة تحمل دلالة مهمة، مفادها أن المؤسسات الدولية لا تستطيع أن تبقى جامدة بينما العالم من حولها يتغير بصورة متسارعة، ولذلك لابد من إصلاحها وتقويتها بما يجعلها أكثر قدرة على تمثيل الواقع الدولي والتعامل مع الأزمات. وفي حديث سموه عن أمن الخليج أعلن ممثل سمو الأمير سمو ولي العهد بكل شفافية أن أمن الخليج العربي ليس شأناً محلياً لدوله فقط، بل يرتبط بصورة مباشرة بالاقتصاد العالمي وحركة التجارة والطاقة، ومن هنا جاء التأكيد على أهمية ضمان حرية وسلامة الملاحة وحق العبور في الممرات المائية الحيوية، باعتبار ذلك جزءاً من منظومة الأمن والاستقرار الدولية. ولا شك أن هذا الطرح يعكس إدراكاً لطبيعة العالم المعاصر، من منطلق أن الحفاظ على أمن الخليج لا يخدم شعوب المنطقة وحدها، بل يخدم أيضاً الاستقرار الاقتصادي العالمي. ومن الجوانب المهمة في كلمة ممثل سمو الأمير سمو ولي العهد الجانب المتعلق بجمهورية العراق الشقيق، إذ أشار سمو الشيخ صباح الخالد إلى أن استقرار العراق وازدهاره يمثل مصلحة مشتركة للكويت والمنطقة بأسرها، وفي الوقت ذاته أكد أهمية معالجة الملفات العالقة بين البلدين وفق القانون الدولي. والمؤكد أن هذا الجمع بين الأخوة والصداقة من جهة، والواقعية القانونية من جهة أخرى، يعكس نضجاً في إدارة العلاقات بين الدول الشقيقة والصديقة؛ فالعلاقات القوية لا تعني تجاهل الملفات العالقة، كما أن وجود ملفات تحتاج إلى معالجة لا يعني تحويلها إلى خلاف دائم. الكويت، كما ظهر من خلال خطاب ممثل سمو الأمير سمو ولي العهد، تريد أن تنظر إلى علاقتها مع العراق من نافذة البلد المستقر الآمن المزدهر، ومن خلال علاقات ثنائية تقوم على التعاون وحسن الجوار والمصالح المشتركة. وكما كان متوقعاً، فقد احتلت القضية الفلسطينية مكاناً مهماً في كلمة ممثل سمو الأمير سمو ولي العهد، بما يعكس ثبات الموقف الكويتي تجاه الحقوق الفلسطينية وضرورة الوصول إلى سلام عادل وشامل ودائم، فقد أكدت كلمة ممثل سمو الأمير ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. وهنا تبدو الرسالة الكويتية منسجمة مع سياساتها الثابتة المعلنة، وهي أن السلام يقتضي وجود عدالة تحمي حقوق الجميع وتصون جميع الحقوق. ولأن الكلمة كانت شاملة وجامعة ومانعة، فقد اختصرت فلسفة متكاملة للأمن والاستقرار عندما أكد ممثل سمو الأمير سمو ولي العهد أنه: «لا أمن من دون تنمية ولا تنمية من دون أمن». فهذه العبارة تتجاوز معناها المباشر لتضع التنمية في قلب مفهوم الأمن الوطني والإقليمي. فالمجتمع الذي يريد الأمن يحتاج إلى اقتصاد قوي، وفرص عمل، وتعليم، وصحة، وبنية تحتية، ومؤسسات فعالة، وفي المقابل لا تستطيع التنمية أن تزدهر في بيئة مضطربة لا يتوافر فيها الأمن والاستقرار. وفي النطاق المحلي، لم تفصل الكلمة بين سياسة الكويت الخارجية ومسارها التنموي الداخلي، إذ أكدت المضي في تنفيذ «رؤية 2035»، وتنويع الاقتصاد، وتسريع المشاريع التنموية، والتحول الرقمي، وتمكين الشباب والمرأة، وتطوير التشريعات وتعزيز الحوكمة والشفافية. وباختصار، نقول: إن كلمة ممثل سمو الأمير سمو ولي العهد في مجملها تعكس الشخصية التي عُرفت بها الدبلوماسية الكويتية عبر عقود.. هدوء من دون تردد، ووضوح من دون تهور، وتمسك بالحقوق من دون إغلاق باب الحوار، وهذه معادلة ليست سهلة في عالم شديد الاستقطاب. لقد حملت كلمة الكويت رسائل واضحة، أبرزها أننا مع السلام، لكننا لسنا مع التفريط في الحقوق؛ ومع الحوار، لكننا لسنا مع تجاوز القانون؛ ومع التعاون، لكننا نتمسك بالسيادة، ومع الانفتاح على العالم، لكن مع الحفاظ على ثوابتنا ومصالحنا الوطنية. هذه المعادلة ربما تكون من أكثر ما يميز الخطاب الكويتي الذي يؤمن بأن الحوار يمكن أن يكون أقوى من الصراع، وأن الحكمة أكثر أثراً من الضجيج. وفي المجمل، كانت الكلمة بحق صوت الكويت كما عرفه العالم: صوتاً هادئاً، لكنه واضح، دبلوماسياً، ثابتاً متمسكاً بالسلام، لكنه واعٍ بحقوقه؛ ومنفتحاً على المستقبل، لكنه لا ينسى دروس الماضي. حفظ الله تعالى الكويت قيادة واعية حكيمة، وشعباً لا تزيده الشدائد إلا ثباتاً والتفافاً حول مشعل السيادة والأمن والاستقرار.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓