ما بين الالتزام والاختبار.. عندما لا تكفي الاتفاقيات
لم تعد المشكلة الأمنية التي تواجه دول الخليج في غياب الاتفاقيات أو نقص الحلفاء، بل في المسافة التي ظهرت بين الالتزام السياسي والدفاعي وبين لحظة تحوله إلى فعل عند وقوع الاعتداء، إن عقوداً من العلاقات الدفاعية، وما تمليه اتفاقية الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون، والاتفاقيات الثنائية مع الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى، ثم اتفاق مكة، أنتجت شبكة واسعة من الالتزامات، لكن الحرب الحالية طرحت سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث فعلياً بعد وقوع الهجوم؟ تكشف التجارب أن الاعتداء، وإعلان الحرب، وتفعيل التحالف، والدخول في القتال ليست حالة واحدة، يمكن أن تبدأ عمليات عسكرية واسعة من دون إعلان حرب رسمي، ويمكن أن تتعرض دولة متحالفة لهجوم مسلح من دون أن ينتقل حلفاؤها تلقائياً إلى القتال، كما يمكن تفعيل الدفاع الجماعي من دون أن تشارك جميع الدول بالقوة نفسها أو بالطريقة نفسها. تقدم المادة الخامسة من حلف الناتو مثالاً مهماً، فهي تعتبر الهجوم المسلح على أحد الأعضاء هجوماً على الجميع، لكنها لا تحول وقوع الاعتداء تلقائياً إلى حرب تخوضها جميع الدول بالطريقة ذاتها، كما أن تجربة الحادي عشر من سبتمبر أظهرت أن الاعتداء وقع أولاً، ثم جرى التحقق من واقع تطابق المادة الخامسة، وبعد ذلك اختلفت طبيعة مساهمات الدول، بينما اتسعت الحرب على الإرهاب إلى إطار دولي تجاوز الناتو نفسه. تكشف التجربة الخليجية الإشكال ذاته بصورة أقرب إلينا، فاتفاقية الدفاع المشترك تؤكد أن الاعتداء على دولة عضو يعد اعتداء على الجميع، لكن أحداث 2026 أظهرت أن تحقق الاعتداء لا يعني تلقائياً انتقال الدول الست إلى حرب جماعية، ظهرت المواقف السياسية والتنديد والتنسيق وإجراءات الحماية، بينما بقي استخدام القوة ودرجته مرتبطين بالحساب الوطني لكل دولة. يضع اتفاق مكة أمامنا الاختبار نفسه، فاعتبار الهجوم المسلح على أحد أطرافه هجوماً على الجميع يحدد المبدأ، لكنه لا يجيب وحده عن الأسئلة التي تبدأ بعده، من يقرر أن العتبة قد تحققت؟ هل يحتاج الانتقال إلى العمل المشترك إلى طلب من الدولة المعتدى عليها؟ ما طبيعة الاستجابة؟ هل تكون قتالية، أم دفاعاً جوياً، أم استخبارات وإنذاراً، أم إسناداً لوجستياً وذخائر، أم مزيجاً من ذلك؟ هنا يظهر الفرق بين، عتبة التفعيل وسلسلة التفعيل، أي أن عتبة التفعيل تجيب، متى يصبح الاعتداء حالة تدخل في نطاق الدفاع المشترك؟ أما سلسلة التفعيل فتجيب، ماذا يحدث في الدقيقة التالية؟ من يطلب، ومن يقرر، ومن يقود، وماذا يقدم كل طرف، وما قواعد الاشتباك، وكم يستغرق الانتقال من القرار السياسي إلى الفعل العملياتي، ومتى تنتهي المهمة؟ تبدو هذه المسألة أكثر حساسية عندما ننظر إلى الاتفاقيات الدفاعية الثنائية مع الولايات المتحدة، فوجود القوات والقواعد والتسليح والتدريب والتعاون الاستخباري لا يعني بالضرورة وجود آلية واحدة أو تلقائية تجعل كل اعتداء على الدولة المضيفة حرباً أميركية، وهنا يظهر الغموض الذي كشفت عنه الحرب الحالية، قد يبقى الحليف ملتزماً سياسياً، ويقدم المعلومات والإنذار والإمداد والدعم الدفاعي، لكنه يحتفظ بقرار مستقل حول توقيت استخدام قوته وحدودها. هذه ليست بالضرورة علامة على انتهاء التحالف، لكنها تكشف الفرق بين، الضمان المفترض، والالتزام المحدد القابل للاختبار. من هنا لا ينبغي أن تكون المراجعة الخليجية بعد الحرب بحثاً سريعاً عن اتفاقيات جديدة أو حلفاء جدد، قبل اختبار ما لدينا بالفعل، المطلوب أن تتحول الاتفاقيات القائمة إلى سيناريوهات عملية، هجوم صاروخي، مسيّرات، تهديد بحري، إغلاق موانئ، هجوم سيبراني، استهداف منشآت حيوية أو اعتداء بالوكالة، عند كل سيناريو يجب أن يكون السؤال: ماذا سيحدث في الساعة الأولى؟ الدولة الصغيرة لا تملك ترف الانتظار الطويل، ضيق العمق الجغرافي، وتركيز السكان والمنشآت الحيوية، والاعتماد على الموانئ والطاقة والمياه والاتصالات، تجعل الزمن نفسه جزءاً من الردع، فقد يكون الالتزام قوياً قانونياً، والحليف صادقاً سياسياً، والقدرة العسكرية هائلة، لكن قيمة كل ذلك تتغير إذا بقيت المسافة بين الاعتداء والتفعيل غير معروفة. لهذا ربما لا يكون المسار المقبل هو الانتقال من حليف إلى حليف، بل من، التحالف القائم على الضمان، إلى التحالف القائم على القدرة والتفعيل، قدرة وطنية تمتص الصدمة الأولى، وقدرة خليجية توفر العمق والإسناد، وتحالفات دولية توفر القدرات الاستراتيجية، ترتبط جميعها بسلسلة تفعيل معروفة ومختبرة. عندها تصبح التمارين المشتركة اختباراً للاتفاقيات نفسها، لا للقوات فقط، نختبر ماذا يحدث إذا تأخر الحليف، وإذا اختلف التقدير السياسي، وإذا تعطلت قاعدة أو ميناء، وإذا احتاجت الدولة إلى دعم فوري قبل اكتمال القرار الجماعي، فالتحالف لا يُقاس فقط بما كُتب يوم توقيعه، ولا بما يقال عند وقوع الاعتداء، الاختبار الحقيقي يقع بين الاثنين، متى يتحول الالتزام إلى قرار، ومتى يتحول القرار إلى قدرة تعمل؟ هناك تقع، عتبة التفعيل، ومنها تبدأ سلسلة التفعيل، وبناء على هذا أيضاً تبدأ هندسة التحالف الذي تحتاج إليه الدولة الصغيرة للمرحلة المقبلة.