محامون بلا ضمير يتقنون صياغة التغريدات لا العقود
على امتداد عام كامل، شهد مكتبي عرضاً متكرراً لمسرحية عبثية، يتغير أبطالها وتبقى حبكتها واحدة: موظفون، رجالا ونساء، يحضرون تباعاً حاملين الشكوى ذاتها ضد زميلٍ امتهن بحسب رواياتهم ومستنداتهم بيع الوعود، ثم ترك موكليه يكتشفون متأخرين أن القضية الوحيدة التي أجاد كسبها هي قضية أتعابه! أما الزميل، فهو حاضر دائماً على منصات التواصل، يرفع راية النزاهة، ويُلقي المواعظ في الشرف المهني، ويتحدث عن تجربته العملية بلسانٍ يقطر حكمة وفضيلة. حتى ليخيّل إلى المتابع أنه لا يمارس المحاماة فحسب، بل يتولى أيضا منصب «الضمير العام للمهنة»! غير أن ما عرضه الشاكون من وقائع ومستندات كان يروي سيرة مهنية مختلفة تماما؛ سيرة يتحول فيها صاحب الحق إلى متهم، والموكل إلى ضحية، والملف إلى أثرٍ بعد عين، بينما تظل الأتعاب وحدها ثابتة لا يمسها البطلان ولا يسقطها التقادم! ورغم ذلك، كنت أعتذر عن قبول تلك القضايا، تمسكا بمبدأ مهني يقتضي التثبت وعدم الاندفاع إلى خصومة مع زميل. فالزمالة تفرض الإنصاف، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى ستارٍ يحجب المساءلة أو يمنح أحدا حصانة من النقد والمحاسبة. والمفارقة الأشد طرافة أن صاحبنا، كلما ازدادت الشكاوى من ممارساته، ازداد نشاطه في كتابة التغريدات وإجراء المقابلات عن الأخلاق والنزاهة! وكأن الفضيلة عنده خدمة إلكترونية: تُنشر للجمهور مجانا، ولا يلزم تطبيقها في الواقع. إن صحت هذه الوقائع، فنحن لا نحتاج إلى مزيد من الخطب عن الشرف المهني، بل إلى قدرٍ يسير منه في التعامل مع الموكلين. فالنزاهة ليست منشورا منمقا، ولا مقابلة إعلامية، ولا لقبا يمنحه المرء لنفسه؛ إنها سلوك يظهر تحديدا عندما تُغلق الكاميرا ويغادر المتابعون. ويبقى السؤال: كيف نواجه من يرتدي رداء الواعظ أمام الجمهور، ثم يخلعه عند أول معاملة؟ وكيف نتوقف عن قياس الضمائر بعدد التغريدات، وألا نمنح «صكوك الفضيلة» لمن يتقن الحديث عنها أكثر مما يتقن ممارستها؟ الحل لا يبدأ من تشديد الرقابة الرقمية فحسب، بل من وعي موكل لا يخدعه بريق الكلمات، وجهات رقابية نقابية لا تتردد في تفعيل مقصلة المساءلة بحق من يتاجرون بثقة المتقاضين وطهارة رسالة العدالة. * مستشار قانوني ومحامٍ