د. أحمد الحربي لـ «النهار»: الكشف المبكر يحمي «القدم السكري» من الغرغرينا والبتر

قد تبدأ الحكاية بحصاة داخل الحذاء، أو فقاعة جلدية بسبب الاحتكاك، أو طرف ظُفر جرح الجلد. يشعر بها الإنسان عادة فيعالجها، لكن مريض السكري قد لا يشعر بها أصلاً، فيستمر في المشي على قدمه. يتسع الجرح، ثم يتأخر الالتئام بسبب ضعف وصول الدم، وقد تدخل العدوى إلى الأنسجة. وكلما اكتُشفت المشكلة مبكراً، كانت فرصة حماية القدم أكبر. لذلك يجب ألا ننتظر الألم الشديد أو اللون الأسود حتى نطلب المساعدة. وفي هذا السياق، يسلط د. أحمد الحربي، اختصاصي تشخيص أمراض الأوعية الدموية ورئيس مختبر الأوعية الدموية في المستشفى الدولي – السالمية، الضوء على أهمية الوقاية والكشف المبكر، ودور فحوص الأوعية الدموية في تقييم وصول الدم إلى القدم، موضحاً العلامات التي لا ينبغي تجاهلها والخطوات التي قد تسهم في تجنب الغرغرينا وبتر الأطراف. اليكم تفاصيل اللقاء: - ما المقصود بالقدم السكري؟ - القدم السكري ليست مرضاً واحداً، بل مجموعة مشكلات قد تصيب قدم مريض السكري نتيجة تأثير المرض في الأعصاب والشرايين والجلد وقدرة الجسم على مقاومة العدوى. ولا يعني ذلك أن كل مريض سكري سيصاب بقرحة أو غرغرينا. لكن الخطر يرتفع مع طول مدة الإصابة بالسكري، وعدم انتظام السكر، والتدخين، وأمراض الكلى، وارتفاع الضغط والكوليسترول، وضعف الإحساس، وضيق الشرايين، ووجود جرح أو بتر سابق. وتشير الإرشادات الدولية إلى أن قرحة القدم قد تصيب خلال العمر ما بين شخص من كل خمسة وشخص من كل ثلاثة من المصابين بالسكري. وبعد شفاء القرحة قد تعود لدى نحو 40% خلال سنة، و65% خلال ثلاث سنوات. ولهذا لا تنتهي العناية بالقدم بمجرد إغلاق الجرح. - كيف تبدأ المشكلة؟ - غالباً تمر المشكلة بثلاث مراحل مترابطة، وهي: المرحلة الأولى هي ضعف الإحساس. فقد يؤثر السكري مع الوقت في أعصاب القدم، فيشعر المريض بالخدر أو التنميل، وقد يفقد القدرة على الإحساس بالألم والحرارة والضغط. لهذا قد لا يشعر بحصاة داخل الحذاء، أو مسمار صغير، أو حرق من أرض ساخنة، أو احتكاك متكرر من حذاء ضيق. وقد يكون لديه جرح حقيقي لكنه يقول: لا أشعر بأي ألم. غياب الألم هنا لا يعني أن القدم سليمة. بل قد يعني أن الأعصاب لم تعد ترسل إنذارها بصورة طبيعية. المرحلة الثانية هي استمرار الضغط على موضع الجرح. فالمريض الذي لا يشعر بالإصابة يواصل الوقوف والمشي عليها، وكأنه يضغط على الجرح مئات المرات كل يوم. وقد يبدأ الأمر بجلد سميك أو مسمار قدم، ثم يحدث نزف تحته وينفتح الجلد. أما المرحلة الثالثة فهي ضعف وصول الدم. فالجرح يحتاج إلى الدم كي يحصل على الأكسجين وخلايا المناعة والعناصر اللازمة لبناء جلد جديد. وإذا كانت شرايين الساق أو القدم ضيقة، يصل الدم بكمية أقل، فيصبح الالتئام أبطأ وتزداد صعوبة مقاومة العدوى. - ما علاقة الشرايين بالغرغرينا؟ - الشرايين هي الأنابيب التي تنقل الدم من القلب إلى الساقين والقدمين. وقد يؤدي السكري، خصوصاً مع التدخين وارتفاع الضغط والكوليسترول، إلى تراكم الدهون وضيق هذه الشرايين. وعندما يصبح الضيق شديداً، لا تحصل أصابع القدم والأنسجة على ما يكفيها من الدم والأكسجين. عندها قد لا يلتئم الجرح، وقد تموت بعض الأنسجة. وموت الأنسجة هو ما نطلق عليه اسم الغرغرينا. وقد تكون الغرغرينا جافة، فيظهر جزء من الإصبع أو القدم بلون داكن نتيجة نقص الدم الشديد. وقد تصاحبها عدوى، فتظهر الرطوبة أو الإفرازات أو الرائحة أو ينتشر الاحمرار والتورم. واجتماع العدوى مع ضعف الشرايين يجعل الحالة أكثر خطورة ويحتاج إلى تقييم عاجل. وفي حالات أخرى قد يحدث انسداد مفاجئ في أحد الشرايين، فتتحول القدم بسرعة إلى باردة أو شاحبة أو زرقاء، مع ألم أو خدر أو ضعف في الحركة. هذه حالة طارئة لا تنتظر موعداً عادياً. - لماذا لا يلتئم الجرح أحياناً؟ - هناك أربعة أسئلة يجب الإجابة عنها عند تقييم جرح قدم مريض السكري: هل توجد عدوى؟ هل يصل إلى القدم دم كافٍ؟ هل يستمر الضغط على الجرح أثناء المشي؟ هل السكر وبقية الأمراض المصاحبة تحت السيطرة؟ إذا عالجنا العدوى وتركنا الضغط مستمراً، فقد لا يلتئم الجرح. وإذا وضعنا أفضل الضمادات لكن الدم لا يصل بصورة كافية، فقد تتأخر النتيجة. وإذا فتحنا الشريان وظل السكر مرتفعاً والجرح ملوثاً، فلن تكتمل الخطة. لذلك فإن علاج القدم السكري يحتاج إلى فريق متكامل بحسب الحالة، قد يضم طبيب السكري، وفريق الجروح والقدم، ومختبر الأوعية الدموية، واختصاصي الأوعية، والجراحة، والأمراض المعدية. ولا يحتاج كل جرح إلى مضاد حيوي. يُستخدم المضاد عندما تظهر العدوى بالفحص، مثل الاحمرار والسخونة والتورم والإفرازات. لكنه لا يفتح شرياناً مغلقاً، ولا يزيل الضغط عن الجرح، ولا يعيد الحياة إلى نسيج مات بالفعل. - ماذا يفعل مختبر الأوعية الدموية؟ - دور مختبر الأوعية الدموية هو تقييم مدى وصول الدم إلى الساق والقدم بصورة موضوعية، وليس الاعتماد على شكل القدم فقط. بمعنى أبسط: نريد أن نعرف هل يصل إلى القدم دم يكفي لمساعدة الجرح على الالتئام، أم أن هناك ضعفاً قد يعطل العلاج ويحتاج إلى تدخل إضافي. يبدأ الأمر عادة بفحص النبض والجلد وحرارة القدم ولونها. ثم تُجرى قياسات غير جراحية باستخدام أجهزة تشبه جهاز قياس الضغط، توضع على الذراع والكاحل وأصابع القدم. نقارن ضغط الدم عند الكاحل بضغطه عند الذراع، ونقيس ضغط إصبع القدم، ونفحص شكل موجة الدم. هذه المعلومات تساعدنا على تقدير قوة وصول الدم إلى الأطراف. وقد تكون قراءة الكاحل مضللة لدى بعض مرضى السكري أو الكلى؛ لأن جدار الشريان قد يصبح قاسياً ومتكلساً فلا ينضغط بصورة طبيعية. عندها قد تظهر القراءة مرتفعة وكأن الدورة جيدة، رغم وجود مشكلة حقيقية. لذلك نضيف قياس ضغط إصبع القدم وموجات الدوبلر، ولا نعتمد على رقم واحد فقط. أما فحص الدوبلكس الملون فيُظهر الشرايين على الشاشة، ويتتبع حركة الدم داخلها، ويحدد مكان التضيق أو الانسداد ودرجة شدته. لا يضمن أي فحص بمفرده أن الجرح سيلتئم، لكن جمع النتائج مع شكل الجرح ووجود العدوى والحالة الصحية العامة يساعد الفريق المعالج على تقدير فرصة الالتئام واختيار الخطوة التالية. - إذا كان الدم غير كافٍ.. ماذا نفعل؟ - إذا أظهرت فحوص مختبر الأوعية الدموية أن وصول الدم ضعيف بدرجة قد تمنع الالتئام، يُحوَّل المريض إلى اختصاصي الأوعية لتحديد العلاج المناسب. قد يكون العلاج بالقسطرة، حيث يدخل الطبيب إلى الشريان من فتحة صغيرة، ثم يستخدم بالوناً لتوسيع الجزء الضيق، وقد يضع دعامة للمحافظة على مرور الدم عند الحاجة. وفي بعض الحالات يكون الانسداد طويلاً أو شديداً، وقد يحتاج المريض إلى جراحة لإنشاء مسار جديد يمر الدم من خلاله حول المنطقة المسدودة. وليس كل تضيق يحتاج إلى قسطرة أو جراحة. القرار يعتمد على مكان الانسداد وشدته، وحالة الجرح، ووجود عدوى، ووظائف الكلى، والحالة العامة للمريض، والفائدة المتوقعة من التدخل. والهدف من فتح الشريان ليس تحسين رقم في التقرير فقط، بل إيصال دم كافٍ إلى القدم حتى تحصل الأنسجة على فرصة أفضل للالتئام، وتصل المضادات الحيوية وخلايا المناعة إلى المنطقة المصابة بصورة أفضل. - هل يمكن تجنب البتر؟ - البتر ليس العلاج الأول، ولا يعني وجود قرحة أن المريض سيفقد قدمه. الهدف دائماً هو المحافظة على أكبر قدر ممكن من القدم والأنسجة السليمة. لكن البتر قد يصبح ضرورياً عندما تموت الأنسجة بصورة لا يمكن إنقاذها، أو تنتشر العدوى وتهدد حياة المريض، أو يصبح الألم ونقص الدم شديدين ولا توجد وسيلة مناسبة لإعادة وصول الدم. والفرق بين جرح يُعالج مبكراً وقدم تصل إلى البتر قد يكون أحياناً أياماً من التأخير. لذلك فإن المراجعة المبكرة ليست مبالغة، خصوصاً إذا تغير لون الإصبع أو ظهرت رائحة أو إفرازات أو أصبحت القدم باردة. - كيف تحمي قدميك يومياً؟ 1- افحص القدمين كل يوم، بما في ذلك باطن القدم وبين الأصابع. استخدم مرآة أو اطلب مساعدة أحد أفراد الأسرة إذا لم تستطع رؤيتهما بوضوح. 2 - ابحث عن أي جرح أو فقاعة أو احمرار أو تورم أو تشقق أو تغير في اللون، حتى إذا لم يوجد ألم. 3 - اغسل القدمين بماء فاتر، وجففهما جيداً، وخصوصاً بين الأصابع. لا تستخدم ماءً ساخناً ولا تضع القدم قرب المدفأة. 4 - استخدم مرطباً للجلد الجاف، لكن لا تضعه بين الأصابع حتى لا تتجمع الرطوبة. 5 - لا تمشِ حافياً، حتى داخل المنزل؛ فقد تدوس جسماً حاداً أو أرضاً ساخنة من دون أن تشعر. 6 - افحص داخل الحذاء بيدك قبل ارتدائه، وتأكد من عدم وجود حصاة أو جسم حاد أو خياطة بارزة. 7 - اختر حذاءً مريحاً ومناسباً لحجم القدم، ولا ترتدِ حذاءً ضيقاً على أمل أن يتوسع مع الوقت. 8 - لا تقص الجلد السميك أو مسمار القدم بالشفرة، ولا تستخدم الأحماض أو اللاصقات أو الخلطات الشعبية. راجع المختص للعناية بها بأمان. 9 - اضبط السكر والضغط والكوليسترول، وامتنع عن التدخين، والتزم بالأدوية والمتابعة الطبية. 10 - إذا ظهر جرح جديد، فلا تنتظر عدة أيام لترى إن كان سيختفي. تواصل مع الفريق الطبي مبكراً. - متى نحتاج إلى فحص الأوعية الدموية؟ - لا يحتاج كل مريض سكري إلى فحص الدوبلكس كل سنة. لكنه يحتاج إلى فحص شامل للقدم والأعصاب والنبض مرة سنوياً على الأقل. وتزداد الحاجة إلى تقييم مختبر الأوعية الدموية عند وجود نبض ضعيف، أو قدم باردة، أو تغير في اللون، أو ألم في الساق عند المشي، أو ألم في القدم أثناء الراحة، أو جرح بطيء الالتئام، أو قرحة، أو غرغرينا، أو تاريخ سابق للقسطرة أو جراحة الشرايين. كما يحتاج من سبق أن أصيب بقرحة أو بتر، أو لديه فشل كلوي أو فقد واضح في الإحساس، إلى متابعة أقرب من غيره. - نصائح.. علامات لا يجوز انتظارها؟ - يجب طلب تقييم طبي عاجل في اليوم نفسه عند ظهور جرح مفتوح أو فقاعة جديدة، أو قدم حمراء ساخنة ومتورمة، أو إفرازات وصديد، أو رائحة غير معتادة، أو تغير في لون الإصبع، أو جرح لا يتحسن، أو برودة مستمرة في القدم. أما ازرقاق الإصبع أو اسوداده بسرعة، وانتشار الاحمرار، والتورم الشديد، والحرارة والقشعريرة والتدهور العام، أو تحول القدم فجأة إلى باردة ومؤلمة أو مخدرة أو ضعيفة الحركة، فتستدعي التوجه إلى الطوارئ فوراً. القدم السكري ليست قدراً ينتهي بالغرغرينا أو بتر الأطراف. الوقاية تبدأ بفحص القدم يومياً، وضبط السكر، وارتداء الحذاء المناسب، وعدم تجاهل أي جرح صغير. وعندما يظهر الجرح، يجب أن نعرف مبكراً هل توجد عدوى، وهل يستمر الضغط عليه، وهل يصل إلى القدم دم يكفي للالتئام. هنا يأتي دور الفريق المعالج ومختبر الأوعية الدموية في تحديد المشكلة وفتح الطريق للعلاج الصحيح قبل فوات الوقت.