ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharعربيات ودوليات بقلم أ. د. عماد عواد

مشروع «شرق 1» وفلسفة «الحسم الاستيطاني»

في السابع من سبتمبر 2017 طرح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش خطته المعروفة باسم «خطة الحسم» وقدمها على أنها تمثل حسماً للصراع من خلال اتخاذ قرار واعٍ عملياً وسياسياً مفاده أن «هناك غربي نهر الأردن مكاناً لحق تقرير مصير قومي واحد ألا وهو الحق اليهودي»، وتتمثل الخطوة الأولى لتحقيق ذلك فيما أطلق عليه «الحسم الاستيطاني» وذلك عبر نشاط سياسي وقانوني، أي عبر فرض السيادة على كل أرجاء الضفة الغربية المحتلة، والنشاط الاستيطاني المتمثل في إقامة البلدات والمدن، وبسط البنى التحتية، وتشجيع عشرات ومئات الآلاف من اليهود على الانتقال للسكن في مناطق الضفة الغربية المحتلة. ومع تشكيل الحكومة اليمينية في إسرائيل في ديسمبر 2022 أضحى سموتريش، زعيم حزب الصهيونية الدينية المتطرف، إلى جانب منصبه وزيراً للمالية، وزيراً في وزارة الدفاع مشرفاً على ملف الشؤون المدنية في الضفة الغربية المحتلة، وهو منصب وزاري مستحدث في وزارة الدفاع. ما سمح له، بالتعاون مع وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، زعيم حزب القوة اليهودية اليميني المتطرف، بفرض أمر واقع على الأرض في وقت أضحت فيه «خطة الحسم»، بكل مكوناتها جزءاً لا يتجزأ من خطة عمل الحكومة. عملت الحكومة الإسرائيلية على إحياء مشروع «شرق واحد»، والذي ترجع جذوره إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي، وبالرغم من أن الخرائط الهيكلية للمشروع قد حصلت على الموافقات الأمنية والحكومية في نهاية التسعينيات وأُعلنت آلاف الدونومات المحيطة على أنها أراضي دولة، ما شكل الأساس القانوني للتنفيذ، فإنه قد تم تجميده أكثر من مرة نتيجة الضغوط الدولية، وارتبط تفعيله فقط للرد على القرارات المتعلقة بتمثيل فلسطين في الأمم المتحدة، كما يُلاحظ أن التجميد المرحلي للمشروع لم يحل دون استمرار أعمال إنشاء البنية التحتية بهدوء، وهو ما تسبب في عمليات تهجير واسعة استهدفت 17 تجمعاً بدوياً في المنطقة الواقعة بين الضفة والقدس المحتلة، ومن ذلك جرت إزالة قرية الخان الأحمر، وتهجير عدد كبير من بدو قبيلة الجهالين وتجميعهم في قرية واحدة، ما يتعارض مع أسلوب الحياة البدوية القائم على التنقل والرعي. وتحججت الحكومة بعملية «طوفان الأقصى» لإعادة طرح المشروع بحجة توفير الأمن لمستوطني معاليه أدوميم، فصدَّقت، في أغسطس 2025، على قرار بناء ثلاثة آلاف وحدة استيطانية في إطار هذا المشروع الذي وصفته آنذاك حركة «السلام الآن» بكونه «ضربة قاضية» لحل الدولتين، في الوقت الذي تفاخر فيه زعيم حزب الصهيونية الدينية بأنه «سيدفن فكرة الدولة الفلسطينية إلى الأبد»، مضيفاً بأنه يخلق «واقعاً يهودياً» في حين يتحدث الآخرون عن «حلم فلسطيني»، وقد تبع هذا التصديق حركة إدانات واسعة على الصعيد الدولي، ما حال دون اتخاذ خطوات علنية ملموسة لتنفيذه. وبعد مرور عام، أعلنت الحكومة الإسرائيلية، في الثامن عشر من الشهر الحالي، عن طرح أول 1200 وحدة استيطانية ضمن هذا المشروع، وقد رحب رئيس بلدية معاليه أدوميم بهذا الإعلان وصرح قائلاً: «قطعنا شوطاً طويلا للوصول إلى هذه اللحظة، كانت هناك عقبات وتأخيرات، ومن اعتقدوا أن ذلك لن يحدث أبداً، لكننا آمنا ومضينا قدماً ولم نستسلم». تتمثل خطورة مشروع «شرق 1» في أنه يمثل بالفعل ضربة قاضية لحل الدولتين من جانبين: يتمثل أولهما في عزل القدس الشرقية، المفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية، عن الضفة الغربية، فوفقا لهذا المشروع ستصبح جزءا من «القدس الكبرى» المقرر أن تشغل 10% من مساحة الضفة الغربية مقارنة بالمساحة الفعلية للمدينة المقدسة والتي تحتل فقط 1.2% من تلك المساحة. أما الجانب الآخر فيتمثل في أن المشروع سيخلق حاجزاً عمرانياً وديموغرافياً ضخماً أمام إمكانية التواصل الجغرافي بين شمال وجنوبي الضفة الغربية. وإذا أضفنا إلى ذلك المستقبل الغامض لقطاع غزة، فإنه يصعب عملياً تصور قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، خاصة إذا ما أضفنا إلى ذلك ما تم رصده من تطورات موازية تزيد الصورة قتامة من قبيل: زيادة وتيرة عنف المستوطنين وتضاعف عدد البؤر الاستيطانية، والقرار الذي تبناه الكنيست، منذ عامين، برفض إقامة دولة فلسطينية التي وصفها بأنها ستكون «مكافأة للإرهاب» و«خطراً وجودياً على إسرائيل». وأخيراً، فإنه من اللافت أن دعوة الحكومة للشركات بتقديم عروضها لبناء الوحدات الاستيطانية قد حددت تاريخ التاسع عشر من أكتوبر المقبل موعداً نهائياً، أي قبل أسبوع من الانتخابات الإسرائيلية، ما يعنيه ذلك من أنه سيكون من الصعب على أي حكومة مقبلة التراجع عن هذه الخطوة. وتلزم الإشارة إلى أن القرار الإسرائيلي الأخير جاء في أعقاب زخم دبلوماسي كبير المؤيد لحل الدولتين تمخض عن موجة اعترافات دولية بالدولة الفلسطينية بلغت ذروتها خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 بإعلان دول غربية كبرى كفرنسا وإنكلترا، وغيرهما، الاعتراف بالدولة الفلسطينية. في ضوء ما تقدم، توالت الادانات العربية والإسلامية والدولية للإعلان الإسرائيلي عن الدخول في المرحلة التنفيذية لهذا المشروع المثير للجدل، ومن ذلك نشير إلى البيان المشترك الصادر عن كل من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا، الداعي إلى السحب الفوري لهذه المناقصات، مُحذراً الشركات من العواقب القانونية. ونظراً للخطورة البالغة للتحرك الإسرائيلي، تبرز أهمية تضافر الجهود على الساحات العربية والإسلامية والدولية للتصدي له، وربما تمثل اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة الشهر المقبل، فرصة لتركيز الضوء ما يمثله هذا المشروع من مخالفات للقانون الدولي ولاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وما يحمله في طياته من إجهاض لحل الدولتين، كما يتطلب الأمر العمل على بلورة خطط ملموسة وواقعية للتصدي لفلسفة «الحسم الاستيطاني» والإبقاء على فكرة إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة خياراً ممكناً على أرض الواقع.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓