«التستُّر التجاري».. من ظاهر الترخيص إلى حقيقة السيطرة

شهدت دول مجلس التعاون الخليجي خلال العقود الماضية نهضة اقتصادية وعمرانية متسارعة، رافقها انفتاح واسع لسوق العمل واستقطاب ملايين العاملين من مختلف أنحاء العالم. وفي ظل هذه الحركة الاقتصادية النشطة، برزت ممارسات سلبية أخلت بهيكلية الأسواق الوطنية، وفي مقدمتها ظاهرة التستر التجاري. وتتحقق هذه الظاهرة بقيام المواطن (سواء كان شخصاً طبيعياً أو معنوياً) بتمكين الشخص غير المواطن من ممارسة نشاط اقتصادي لحسابه الخاص، مقابل مبلغ ثابت أو نسبة مقطوعة، وذلك باستخدام اسم المواطن أو ترخيصه أو سجله التجاري. أولاً: المفهوم القانوني للتستر التجاري في التشريعات الخليجية. تلاقت إرادة المحرر التشريعي في دول مجلس التعاون على حظر تمكين غير المرخص لهم من ممارسة النشاط الاقتصادي لحسابهم الخاص، وتتجلى هذه التوجهات في النصوص القائمة: دولة الكويت ينص المرسوم بقانون 78 لسنة 2026 على حظر تمكين أي شخص طبيعي أو اعتباري من ممارسة نشاط اقتصادي يحظر عليه قانوناً ممارسته لحسابه الخاص أو بالاشتراك مع غيره، أو التحايل على نسب الملكية المقررة للأجانب. الجوهر القانوني: العبرة في تحقق الجريمة ليست بالاسم الوارد في السجل الرسمي، بل بالإدارة والسيطرة الفعلية والانتفاع بالحصة الكبرى من عوائد النشاط. المملكة العربية السعودية يعرف وفق نظام مكافحة التستر الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/4) بأنه أي اتفاق أو ترتيب يمكن بموجبه شخص سعودي شخصاً غير سعودي من ممارسة نشاط اقتصادي في المملكة لحسابه الخاص، باستخدام الترخيص أو السجل التجاري الصادر للمتستر. سلطنة عُمان يعرف بموجب القرار الوزاري رقم (412/2023) وقوانين الاستثمار والتجارة بأنه ترتيب يمكن بموجبه العُماني شخصاً غير عُماني من مزاولة نشاط اقتصادي أو تجاري أو حرفي داخل السلطنة لحسابه الخاص دون ترخيص قانوني، استناداً إلى سجل المتستر. دولة قطر يحظر القانون 3 لسنة 2023 تمكين الشخص غير القطري من ممارسة أي نشاط تجاري أو اقتصادي أو مهني دون الترخيص اللازم، أو ممارسة النشاط لحسابه الخاص عبر السجل التجاري للمتستر. مملكة البحرين يعرف ضمن المنظومة التجارية وأحكام السجل التجاري بأنه تمكين غير البحريني من ممارسة نشاط تجاري أو مهني لحسابه الخاص بالمخالفة للقوانين، باستخدام القيد أو الترخيص الصادر للمواطن. الإمارات العربية المتحدة يقوم المفهوم ضمن المنظومة المعنية بحظر الممارسات التجارية غير المرخصة على أي اتفاق يمكن غير المواطن من ممارسة نشاط اقتصادي داخل الدولة لحسابه الخاص عبر استخدام اسم أو ترخيص مملوك لمواطن. (مع ملاحظة إلغاء مرسوم التستر السابق في عام 2024 والاعتماد حالياً على قواعد الشركات والصورية وشروط التراخيص). ثانياً: التمييز بين التستر التجاري والممارسات المشروعة: يتمثل الفارق الجوهري في حقيقة العلاقة الاقتصادية والسيطرة الفعلية؛ فالعبرة ليست بالتسميات العقدية الظاهرة، بل بمن يمارس النشاط لحسابه ويتحمل: • الأرباح والخسائر وفق الحصص والنسب المسجلة قانوناً. • عقد العمل والإدارة: وضع يخضع فيه المقيم للرقابة والمحاسبة، ويتقاضى أجراً أو حوافز معلنة دون تحمل مخاطر الملكية أو الاستئثار بعوائد المنشأة. ثالثاً: الآثار الاقتصادية والاجتماعية لظاهرة التستر: تتجاوز الجريمة نطاقها القانوني لتؤثر مباشرة في مؤشرات الاقتصاد الكلي: 1- تشويه المنافسة العادلة: إضعاف الفرص أمام رواد الأعمال والشباب المواطنين نتيجة منافسة منشآت تعتمد على عمالة منخفضة التكلفة وتتجاهل معايير الجودة. 2- استنزاف رؤوس الأموال: تهريب مبالغ ضخمة خارج الاقتصاد المحلي عبر تحويلات غير رسمية، بدلاً من إعادة تدويرها استثمارياً داخل السوق الوطنية. 3- تعطيل سياسات التوطين: تفضيل التوظيف غير المنظم لضمان سرية الممارسات غير القانونية داخل المنشأة. 4- تغذية الاقتصاد الخفي: اتساع نطاق الممارسات التجارية غير المشروعة لتملص المنشآت المخالفة من الإشراف والرقابة وحماية المستهلك. رابعاً: قواعد إثبات الجريمة وأركانها: تستند إدانة أطراف التستر إلى حزمة من الأدلة والقرائن القاطعة دون الاشتراط بوجود عقد مكتوب: • الركن المادي (التمكين الفعلي): قيام المواطن بنقل سلطة السيطرة والإدارة والمنفعة المالية لغير المواطن لممارسة النشاط لحسابه الخاص، ولا يمنع من ثبوته بقاء السجل أو الحساب البنكي باسم المواطن. • الركن المعنوي (العلم والإرادة): ثبوت علم الطرفين (المتستر والمتستر عليه) بعدم مشروعية الترتيب وتلاقي إرادتهما على تنفيذه. • وسائل الإثبات والقرائن: • التدفقات والتحويلات المالية التي لا تتناسب مع الدخل المهني أو الصفة الوظيفية المعلنة. • الانفراد التام بالإدارة اليومية والتعامل المستقل مع العملاء والموردين. • نتائج التفتيش الميداني والتدقيق المحاسبي المالي. • استقلال الدعوى الجزائية: لا يحول وجود نزاع مدني أو اتفاق صوري بين أطرافه دون تحريك الدعوى الجزائية لمساس الجريمة بالنظام العام الاقتصادي. خامساً: المبادئ القضائية الخليجية المستقرة: أرست المحاكم العليا ومحاكم التمييز في دول مجلس التعاون مبادئ رقابية شملت الجانبين الجزائي والمدني: 1- المبادئ الجزائي • الاعتداد بالواقع لا المظهر: العبرة بالسلطة الميدانية والسيطرة المالية الفعلية لا بالبيانات المقيدة شكلياً. • المسؤولية المشتركة: مساجلة الطرفين جزائياً متى تحقق القصد الجنائي والتمكين المتبادل. • التدابير التبعية والمصادرة: تقضي المحاكم بمصادرة الأرباح والأصول المتحصلة، وإغلاق المنشأة، وشطب السجل التجاري، وإبعاد غير المواطن عن البلاد، والتشهير بالمخالفين وفق القوانين المطبقة. 2. المبادئ المدنية والتجاري • البطلان المطلق: بطلان كافة عقود التستر والاتفاقات الصورية بطلاناً مطلقاً لمخالفتها النظام العام، وتجريد أطرافها من الحماية القضائية فلا يسمح بالمطالبة بالأرباح أو العمولات الناتجة عنها. • إعادة الحال وتتبع الثراء: رد المبالغ المسلمة استناداً إلى قواعد الإثراء بلا سبب ودون الاعتراف بأي أرباح ناتجة عن النشاط المحظور. • حماية حقوق الأغيار حسن النية: لا يمتد أثر البطلان ليشمل المتعاملين مع المنشأة (كالمرودين والمؤجرين والبنوك)؛ إذ يظل صاحب السجل الظاهر مسؤولاً في أمواله الخاصة عن تلك الالتزامات. سادساً: التوجهات التشريعية الحديثة وأدوات المواجهة الرقمية.. انتقلت دول الخليج من مرحلة الرقابة التقليدية إلى إعادة هيكلة بيئة الأعمال والتوسع في الحلول الذكية. أبرز مسارات المواجهة والبدائل: المملكة العربية السعودية • البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري: مسارات تصحيح شاملة (شراكة، نقل ملكية، إقامة مميزة). - الرقابة الذكية: استخدام أدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لكشف التدفقات غير المبررة، وإلزامية نقاط البيع (POS) دولة الكويت: أصدرت المرسوم بقانون رقم (78) لسنة 2026: عقوبات حبس (1-3 سنوات) وغرامات تصل لـ 100 ألف دينار أو قيمة الأرباح. * التسهيلات: إتاحة التملك 100% عبر هيئة تشجيع الاستثمار (KDIPA)، مع منح مهلة تصحيحية (6 أشهر) وإتاحة التصالح ومكافأة المبلغين (تصل لـ 10%). دولة قطر: القانون رقم (3) لسنة 2023: تغليظ العقوبات السالبة للحرية والغرامات. • البدائل: التملك الأجنبي الكامل بنسبة 100% وفق القانون 1 لسنة 2019 في معظم القطاعات، والربط بوحدة غسل الأموال. مملكة البحرين: قانون استثمار رأس المال الأجنبي: تملك 100% وإلغاء الحد الأدنى لرأس المال لبعض الأنشطة. • المرونة: برامج إقامة المستثمر، وتأطير نافذة «استثمر في عُمان»، مع حظر أنظمة محددة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. دولة الإمارات العربية المتحدة: إلغاء المسببات الهيكلية: تعديل قانون الشركات لتملك الأجانب بنسبة 100% في أغلب القطاعات. • الشفافية: منظومة «المستفيد الفعلي» (UBO) والإقامات المستقلة (الذهبية والخضراء) وتراخيص العمل لتحقيق التوازن بين صيانة الأسواق الوطنية. وجذب الاستثمارات الأجنبية.. ولكل ما سبق يوصى بالآتي: 1- تمديد مهلة توفيق الأوضاع: زيادة المهلة المقررة لتصحيح المخالفات (مثال: رفعها من 6 أشهر إلى سنة) لمنح الكيانات القائمة فرصة لإعادة تنظيم عقودها أو التصفية النظامية دون شل الحركة التجارية. 2- تخفيف الأعباء المالية عند التصحيح: إعفاء المنشآت المبادرة من الغرامات التراكمية بأثر رجعي للتحفيز على الخروج من الاقتصاد الخفي. 3- التوسع في التملك المباشر واستحداث رخص العمل الحر: إتاحة مسارات مرنة في القطاعات الخدمية والتكنولوجية، مما يقلل الحاجة للالتواء التشريعي. 4- تعزيز الشفافية والربط الرقمي: تفعيل أدوات الإفصاح عن المستفيد الفعلي (UBO) وربط بيانات هيئات العمل بالجمارك والضرائب والبنوك لكشف نمو الحسابات غير المبرر. 5- حظر قطاعات استراتيجية محددة: قصر بعض القطاعات (كالمهن الحرفية المصغرة، المشروعات الوطنية الناشئة، والخدمات السيادية) على المواطنين لدعم ريادة الأعمال الوطنية، مع فتح بقية القطاعات الإنتاجية للمستثمر الأجنبي وفق أطر معلنة. سلبيات التستُّر التجاري 1- ظاهرة التستر تتجاوز نطاق الجريمة لتؤثر مباشرة في مؤشرات الاقتصاد الكلي. 2- تشويه المنافسة العادلة.. وإضعاف الفرص أمام رواد الأعمال والشباب المواطنين. 3- استنزاف رؤوس الأموال وتهريب مبالغ ضخمة خارج الاقتصاد المحلي. 4- تعطيل التوطين عبر تفضيل التوظيف غير المنظم لضمان سرية الممارسات. 5- تغذية الاقتصاد الخفي عبر اتساع نطاق الممارسات التجارية غير المشروعة. أبرز الصور الشائعة للتستُّر التجاري 1- تأجير السجلات والتراخيص التجارية مقابل أجر دوري ثابت. 2- انفراد المقيم بالقرارات الجوهرية مع الغياب التام لمالك المنشأة. 3- السيطرة على الأختام الرسمية، اعتماد التوقيع، الحسابات، والمنصات الحكومية. 4- إبرام عقود غير معلنة لتوزيع الأرباح خلافاً للنسب المقيدة رسمياً. توصيات لتحقيق الانضباط 1- تمديد مهلة توفيق الأوضاع من 6 أشهر إلى سنة لمنح فرصة لإعادة التنظيم. 2- تخفيف الأعباء المالية عند التصحيح مثل إعفاء المنشآت المبادرة من الغرامات التراكمية. 3- التوسع في التملك المباشر واستحداث رخص العمل. 4- تعزيز الشفافية والربط الرقمي بتفعيل أدوات الإفصاح عن المستفيد الفعلي. 5- حظر قطاعات استراتيجية محددة وقصرها على المواطنين لدعم ريادة الأعمال. التكامل يحقق المرونة إن نجاح الاستراتيجيات الخليجية لمكافحة التستر التجاري يستلزم استمرار التكامل بين الشدة العقابية للأنظمة الحديثة من جهة، وتوفير البدائل الاقتصادية والمنصات الرقمية المرنة من جهة أخرى؛ بما يضمن استقرار المعاملات وسهولة الانتقال إلى اقتصاد رسمي مستدام يتسم بالشفافية وتكافؤ الفرص. لتحقيق التوازن بين صيانة الأسواق الوطنية وجذب الاستثمارات الأجنبية.