ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم د. عبدالرحمن أباذراع

ذو العقل يشقى

كم من رأيٍ مات لأنه خالف رأي الأكثرية! فالعقل الجمعي يجعل الإنسان يذوب في الجماعة حتى يتخلى عن حكمه المستقل، وهو مفهوم ارتبط مبكراً بدراسة سلوك الحشود، وكان من أوائل من تناوله العالم الفرنسي غوستاف لوبون، الذي رأى أن الفرد داخل الجماعة قد يتصرف بطريقة تختلف عن شخصيته عندما يكون منفرداً. أذكر قصة معلمٍ طرح سؤالاً في الفصل، فأجاب طالب بإجابة صحيحة، لكن معظم زملائه اختاروا إجابة خاطئة بثقة. تردد الطالب، ثم غيّر إجابته ليتفق مع الجميع، فاكتشف لاحقاً أنه كان على صواب منذ البداية. لم يخطئ علمه، وإنما هزمه ضغط الجماعة. وقد نبّه الشعر العربي إلى قيمة استقلال الرأي، فقال المتنبي: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ فالعقل نعمة حين يقود صاحبه إلى التفكير، لا إلى التقليد. ومن أمثلة العقل الجمعي اندفاع الناس وراء الشائعات، أو تقليد سلوك منتشر دون تمحيص، أو الحكم على الأشخاص لأن الأغلبية فعلت ذلك. وهنا يصبح الخطأ جماعياً، لا لأنه صحيح، بل لأنه شائع. إن أكثر ما يزعجني في هذا النمط من التفكير أنه يمنح الكثرة سلطةً على الحقيقة، ويجعل الإنسان يخشى الاختلاف أكثر من خوفه من الوقوع في الخطأ. وهكذا تُهمَّش الأسئلة، ويضعف النقد، وتُتخذ قرارات قد يندم عليها الجميع لاحقاً. لفتة نفسية ولعل أجمل ما نختم به أن الصحة النفسية والفكرية تبدأ من شجاعة السؤال، لا من راحة التقليد؛ فاحرص على أن يكون عقلك قائداً لقناعاتك، لا تابعاً لأصوات الآخرين.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓