بولندا تدخل أزمة مفتوحة: صراع على المحكمة الدستورية والتوجه الأوروبي

دخلت بولندا مرحلة من المواجهة السياسية والمؤسساتية غير المسبوقة منذ وصول دونالد توسك إلى رئاسة الحكومة عام 2023، بعدما انتقل الصراع بين ائتلافه المؤيد لأوروبا وحزب «القانون والعدالة» القومي المحافظ من الخلاف على إصلاح القضاء إلى مواجهة مباشرة على قيادة المحكمة الدستورية، تخللتها احتجاجات.
ويتمحور النزاع حول إرث السنوات الثماني التي حكم خلالها حزب «القانون والعدالة» البلاد بين 2015 و2023، وأجرى خلالها تغييرات واسعة في مؤسسات القضاء، خصوصاً المحكمة الدستورية، التي اتهمه منتقدوه، داخل بولندا وفي الاتحاد الأوروبي، بإخضاعها لنفوذه السياسي. ويقول توسك، المنتمي إلى تيار يمين الوسط والمؤيد للتكامل الأوروبي، إن حكومته تسعى إلى استعادة استقلال القضاء وسيادة القانون، في حين يرى الحزب المعارض أن هذه التحركات تمثل محاولة للسيطرة على المؤسسات وإقصاء القضاة المحسوبين عليه.
وتفاقمت الأزمة بعدما أعلنت القاضية آنا كورفين - بيوتروفسكا، التي عيّنها البرلمان الحالي، تعليق مهام رئيس المحكمة بوغدان شفيتشكوفسكي ونائبه، وتوليها إدارة المحكمة مؤقتاً. وتتهم الحكومة شفيتشكوفسكي، الذي عُيّن خلال حكم «القانون والعدالة»، بعرقلة تسلّم قضاة انتخبتهم الأغلبية البرلمانية مقاعدهم، في حين يرفض نافروتسكي الاعتراف بعدد من هذه التعيينات، مما جعل الخلاف على تشكيل المحكمة وشرعية قيادتها محوراً للصراع.
ووصف نافروتسكي، المتحالف مع «القانون والعدالة»، ما جرى بأنه استيلاء بالقوة على هيئة دستورية للدولة، في حين تحدث رئيس المحكمة عن «انقلاب دستوري». في المقابل، دافع توسك عن تحركات حكومته باعتبارها ضرورة لإنهاء ما وصفه بسنوات من الممارسات غير القانونية واستعادة سيادة القانون.
وانتقلت المواجهة إلى الشارع مساء الجمعة، بعدما احتشد أنصار الحزب أمام مقر المحكمة في وارسو، وحاول بعضهم اختراق السياج الأمني ورشقوا الشرطة بمقذوفات، مما أدى إلى احتجاز ثلاثة متظاهرين. وانتشرت قوات الشرطة لتأمين المبنى ومنع تفاقم الاشتباكات، في حين انضم كاتشينسكي وشخصيات من اليمين واليمين المتطرف إلى المحتجين.
وقطع نافروتسكي رحلته إلى السنغال، وعاد إلى وارسو، قبل أن يتوجه إلى مقر المحكمة دعماً لرئيسها الموقوف. واعتبر أن ما جرى يهدد الأمن الداخلي للبلاد، داعياً إلى مشاورات عاجلة مع ممثلي الأحزاب البرلمانية لإيجاد مخرج للأزمة.
ولم تتوقف تداعيات المواجهة عند المؤسسات القضائية، إذ أعلن سفيرا بولندا لدى الصين ياكوب كوموتش ورومانيا بافل سولوخ استقالتهما؛ احتجاجاً على ما وصفاه بمحاولة غير قانونية للاستيلاء على المحكمة. وينتمي الدبلوماسيان إلى الدائرة السياسية للرئيس السابق أندريه دودا، المتحالف مع «القانون والعدالة»، في حين رفض وزير الخارجية رادوسلاف سيكورسكي موقف السفير لدى الصين، معتبراً أنه لم يعد يمثل الدولة. والمفارقة ان كوموتش قدم استقالته على وسائل التواصل الاجتماع وقبلها سيكورسكي في المكان نفسه في تجاوز للأعراف.
وتتزامن الأزمة الداخلية مع تصعيد الخلاف حول مستقبل بولندا الأوروبي. ففي 28 أكتوبر، طرح كاتشينسكي، خلال منتدى كرينيتسا، احتمال بدء مفاوضات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي إذا فشلت محاولات إصلاحه، واقترح بالتوازي إبرام معاهدة جديدة تعيد الصلاحيات إلى الدول الأعضاء. ورغم تأكيده أن الانسحاب ليس الخيار الأول، اعتبر توسك التصريحات فتحاً لباب خروج بولندا من الاتحاد، في حين دافع كاتشينسكي عن موقفه باعتباره وسيلة ضغط لإعادة هيكلة المؤسسات الأوروبية وتقليص صلاحيات بروكسل.
وتكتسب المواجهة أهمية تتجاوز الانقسام الحزبي، فبولندا عضو محوري في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وتشكل قاعدة رئيسية لعبور المساعدات الغربية إلى أوكرانيا، كما تتشارك حدوداً مع روسيا وبيلاروس وأوكرانيا.
صراع على قيادة المحكمة الدستورية واستقالة دبلوماسيين