ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
aljaridaأخبار الأولى بقلم جريدة الجريدة الكويتية

تقرير محلي: قطاع «التوصيل»... بين الاضطراب التشريعي وتعارض السياسات العامة

تقرير محلي: قطاع «التوصيل»... بين الاضطراب التشريعي وتعارض السياسات العامة

أولى الدستور الكويتي السياسة العامة للحكومة أهمية بالغة، وتضمن نصاً مباشراً يحمِّل مجلس الوزراء مسؤولية رسم تلك السياسة ومتابعتها، فضلاً عن هيمنته على مصالح الدولة، كما كلف الوزراء، كلٌّ ضمن اختصاصه، تنفيذ تلك السياسات.

المشرِّع الدستوري أدرك أن إدارة الشؤون المتشعبة والمتعددة للدولة – لاسيما في بداية نشأة الدولة الحديثة - يجب أن تحكمها سياسة عامة مسؤوليتها ترابط الأعمال التنفيذية وتكاملها، لتحقق الأهداف المرجوة منها، وتتفادى في الوقت ذاته تداخل القوانين والقرارات وتناقضها مما قد يترتب عليه الإضرار بمصالح الدولة والأفراد، وتعطل المنظومة التنفيذية والقانونية.

أخيراً، أصدرت وزارة التجارة والصناعة لائحة جديدة لتنظيم منصات التوصيل في الكويت وتطبيقاته، مما أثار ردود فعل سلبية ومتحفظة من ذوي العلاقة، فالمنصات الإلكترونية وشركات التوصيل ترى أن اللائحة وضعت دون نقاش تتبادل فيه الآراء وتعرض فيه وقائع العمل التجاري، وشركات المطاعم تخشى أن تصل الأضرار إلى مبيعاتها اليومية في حال تعثرت أعمال المنصات وشركات التوصيل في حال تطبيق اللائحة.

آثار هذا القرار «الجديد» أكثر تعقيداً من العلاقة بين التطبيقات الإلكترونية وشركات التوصيل والمطاعم والمستهلك، فهذا القطاع تحديداً بلغ حجمه في عام 2024 نحو 880 مليون دولار، مع توقعات بأن يصل إلى مليار و434 مليوناً بحلول عام 2032، مما يعكس حيويته كأحد الروافد المحركة للاقتصاد المحلي.

ومن جهة أخرى، تمثل الشركات الرئيسية للتطبيقات الإلكترونية أحد أوجه الاستثمار الأجنبي في الدولة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فهناك شركة سعودية وأخريان صينية وألمانية قررت الاستثمار المالي والتقني في هذا القطاع، أي أنها جزء رئيسي من مصادر الدخل الضريبي لميزانية الدولة، إلى جانب بعض الشركات الكويتية التي تعتبر من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تبحث عن بيئة حاضنة تمكنها من التوسع والازدهار.

هذه الدائرة الاقتصادية والتجارية تتقاطع أعمالها بعدد من الجهات الحكومية، فوزارة المالية تقع مسؤوليتها في تحصيل الضرائب وفق قانون رقم (157) لسنة 2024 المتعلق بضريبة مجموعة الكيانات المتعددة الجنسيات، والذي يفرض ضريبة بنسبة%15 على أرباح الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات التي تزاول أعمالها في الدولة، وهذا القانون ينطبق كلياً على الشركات العالمية لتطبيقات الطلبات الاستهلاكية والتوصيل في الكويت.

أما هيئة تشجيع الاستثمار الأجنبي، فهي الأخرى تمثل عنصراً رئيساً في تلك الدائرة، فكان لها دور في استقطاب عملاق صيني تبلغ قيمته السوقية 21 مليار دينار لتأسيس شركة مملوكة له في الكويت، ولا شك أن قراراً بهذا الحجم للاستثمار في السوق الكويتي جاء نتيجة دراسات للتشريعات والقرارات المنظمة وحجم المبيعات السنوية.

ولا تقل أهمية وزارة التجارة، في هذه الدائرة، عما سبق من ارتباطات ومسؤوليات تجاه الشركات المحلية، فدورها يكمن في تعزيز نشاط الشركات الصغيرة والمتوسطة لما تشكله من عصب رئيسي لأي اقتصاد وطني وقيمة مضافة لعجلة الدوران الاقتصادي، وجزء أساسي لأي سياسة عامة حكومية.

وإضافة إلى كل ما سبق من جهات، يدخل جهاز حماية المنافسة طرفاً حكومياً رقابياً، فقد أصدر في يناير الماضي دليلاً إرشادياً لقطاع خدمات توصيل الطلبات الاستهلاكية عبر المنصات والتطبيقات الذكية مبنياً على دراسات وشكاوى، واضعاً قواعد صارمة للاتفاقيات والممارسات لتحقيق توازن بين المتعاملين في القطاع.

لذا، فإن قطاعاً بهذا الحجم من حيث القيمة المالية والأطراف الحكومية وشبكة المتعاملين التجارية وحجم المستهلكين فيه، يتطلب استقراراً تشريعياً وتنظيمياً، فقد صدرت لائحة التنظيم الأولى في يناير 2026 وأعطت مهلة سنة لتوفيق الأوضاع، وبعد 6 أشهر تقريباً صدرت لائحة جديدة نسفت مبدأ اللائحة الأولى مع مهلة شهرين لتوفيق الأوضاع مجدداً! وهذا بلا شك سبب ربكة للقطاع الذي كان قاب قوسين أو أدنى من توفيق أوضاعه وفقاً للقرار الأول، ليصطدم بقرار آخر يتدخل في صميم أعماله التشغيلية والربحية مما يستدعي معه، ليس توفيق الأوضاع، بل مراجعة شاملة لنموذج الأعمال الذي تقوم عليه الشركات ذات الصلة، وبمهلة لا تتجاوز الشهرين!

وهذا ما يقود إلى تساؤلات مستحقة: هل نسقت وزارة التجارة والصناعة مع الجهات الحكومية الزميلة خلال إعداد اللائحة وقبل صدورها؟ وما أثر تحديد نسب العمولات على إيرادات الشركات وبالتالي على قيمة الضريبة المستحقة لوزارة المالية؟ والأهم من ذلك، هل ستبقى الشركات العالمية في الكويت أم تقرر تخفيض أعمالها أو الرحيل أسوة بشركات الطيران العالمية – على سبيل المثال – التي أغلقت مكاتبها وأوقفت رحلاتها المباشرة من الكويت وإليها؟

وعودة إلى السياسة العامة للحكومة، فهل ما يتعرض له قطاع توصيل الطلبات الاستهلاكية جزء من السياسة العامة للحكومة أم عمل وزاري فردي لم يأخذ في الاعتبار القيمة الاقتصادية للقطاع، والآثار التي ستترتب على اللائحة الجديدة، وموقف الشركات العالمية والمحلية منه؟

ليس المطلوب التراجع الفوري عن القرار وإلغاءه، فهذا سيتسبب في ربكة أكبر من الوضع الحالي، ولكن الأنسب مراجعة القرار وآثاره ودراسته بصورة أوسع مع الأخذ بعين الاعتبار آراء الجهات الحكومية وملاحظات الشركات العاملة في القطاع، وفهم السياسة العامة للحكومة في هذا الصدد، وإلى حين الانتهاء من تلك المراجعات، فإن تأجيل التطبيق المقرر في بداية شهر سبتمبر المقبل هو الخيار الأنسب.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓