لبنان أمام شهرين من الانتظار: المفاوضات لا توقف التصعيد

لا يبدو لبنان قريباً من الخروج من المعادلة التي تجمع بين التفاوض والتصعيد، إذ تتعثر الاتصالات المباشرة مع إسرائيل في وقت تتقدم الوقائع العسكرية على المسار السياسي. ومع انتهاء الجولة السابعة من المفاوضات في روما، لم تظهر مؤشرات تسمح بتوقع تطبيق سريع لأي اتفاق، بينما تواصل تل أبيب الضغط لتوسيع هامش تحركها الميداني وفرض شروط جديدة على طاولة التفاوض، في معادلة يبدو أنها مرشحة للاستمرار حتى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، وربما لشهرين على الأقل، قبل أن تتضح قدرة المسار السياسي على كبح التصعيد الميداني.
وفي روما، لم يحصل لبنان بعد على جواب إسرائيلي بشأن مطالبه المتعلقة بوقف العدوان والمناطق التجريبية، فيما استمر النقاش حول ملف تبادل الأسرى، لا سيما الخلاف على تحديد من يعد أسيراً، وكيف وفي أي ظروف جرى أسره. في المقابل، تبنت إسرائيل مطالب أهالي إسرائيليين باستعادة رفات أبنائهم وأقاربهم الذين دُفنوا في لبنان خلال فترات سابقة، بينما أصر الجانب اللبناني على وقف التصعيد الإسرائيلي وعمليات التجريف باعتبارهما جزءاً أساسياً من أي ترتيبات قابلة للاستمرار.
وبحسب ما نقلته مصادر في بعبدا، تركز الاجتماع العسكري على الجوانب التقنية للمفاوضات، بما في ذلك المصطلحات والعبارات العسكرية وآليات تطبيقها، بينما تناول المسار السياسي ملف المناطق التجريبية، إلى جانب تأكيد لبنان ضرورة تجديد وقف إطلاق النار والالتزام به.
لكن مسار التفاوض لا يتحرك في فراغ سياسي وأمني، فالمواقف الإسرائيلية تتجه تدريجياً نحو مزيد من التشدد، ولا تبدو تل أبيب مستعدة لتقديم تنازل يمكن أن يترجم مكسباً للبنان، كما لا تبدي استعداداً للانسحاب من أي بلدة في الجنوب. والأكثر دلالة أن مسؤولين لبنانيين سمعوا من الجانب الأميركي أن انتزاع أي تنازل من إسرائيل قبل الانتخابات سيكون صعباً، وأن على بيروت الانتظار إلى ما بعدها، بما يرجح استمرار الوضع المتدهور لشهرين على الأقل.
وفي الوقت نفسه، تحاول إسرائيل إقناع واشنطن بالسماح لها بتنفيذ عمليات عسكرية «موضعية» في مناطق جديدة، تقول إنها تريد الدخول إليها والسيطرة عليها وتفكيك البنى العسكرية الموجودة فيها، قبل تسليمها إلى الجيش اللبناني. ومن بين المواقع التي تطرحها تل أبيب تلة علي الطاهر، في وقت بدأت أيضاً توجيه انتقادات إلى الجيش اللبناني واتهامه بعدم القيام بما هو مطلوب منه، لا سيما في المناطق التجريبية.
وتكتسب هذه الانتقادات أهمية تتجاوز مضمونها المباشر، إذ قد تشكل بداية مسار إسرائيلي لتحميل الجيش اللبناني مسؤولية التعثر في تنفيذ الترتيبات، وبالتالي توفير مبرر للتنصل من أي اتفاق أو تفاهم لا ينسجم مع المطالب الإسرائيلية، فبدلاً من أن يكون التفاوض إطاراً لتحديد آليات الانسحاب ووقف التصعيد، قد يتحول أداء الجيش اللبناني إلى ورقة ضغط إضافية تستخدمها إسرائيل لإعادة تعريف شروط الاتفاق.
وبحسب المصادر نفسها، لا تقتصر المطالب الإسرائيلية على تلة علي الطاهر، إذ توجد مناطق أخرى تعتبرها تل أبيب ذات أهمية عسكرية، بينها وادي الحجير وجبل الريحان. وتقول إسرائيل بوضوح إن على الجيش اللبناني دخول هذه المناطق والعمل على تفكيك البنى العسكرية فيها، وإلا فإن الجيش الإسرائيلي سيتولى هذه المهمة بنفسه.
وهنا تتضح حدود المسار التفاوضي الحالي، فلبنان يحاول تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ، بينما تسعى إسرائيل إلى الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية وإعادة رسم الوقائع الميدانية قبل التوصل إلى تفاهم نهائي. وفي ظل ربط أي تنازل إسرائيلي بالانتخابات، يصبح الانتظار جزءاً من المعادلة نفسها، فيما يبقى لبنان معرضاً لاستمرار التصعيد وتوسيع رقعته.
وبذلك لا تبدو الأشهر المقبلة مجرد فترة انتظار لنتائج الانتخابات الإسرائيلية، بل مرحلة قد يستمر خلالها اختبار حدود المسار السياسي وقدرته على احتواء المسار العسكري، فإذا بقيت إسرائيل قادرة على فرض وقائع جديدة بالقوة، فإن التفاوض سيجد نفسه مضطراً إلى التعامل معها بعد وقوعها، لا لمنعها مسبقاً، وهو ما يبقي لبنان داخل دائرة الحرب حتى لو ظل باب التفاوض مفتوحاً.