کویت پریس میموری تازہ ترین خبریں
alseyassahتمام آراء بقلم السياسة

حين ترى العين... لا تُبصر الروح

حين ترى العين... لا تُبصر الروح

يُروى أن رجلاً أراد إحراج المتنبي، فقال له: "رأيتك من بعيد فظننتك امرأة"، فردّ المتنبي: "وأنا رأيتك من بعيد فظننتك رجلاً".

قد يبدو الموقف في ظاهره مجرد ردٍّ مفحم، من شاعرٍ عُرف بحدة البديهة، غير أن وراء هذه الكلمات القصيرة معنى أعمق من مجرد الغلبة في حكمٍ عابر؛ معنى يتصل بطريقة الإنسان في النظر إلى الآخرين، والفارق الكبير بين البصر الذي يلتقط الصورة، والبصيرة التي تدرك الجوهر.

فالرجل رأى المتنبي بعينه، ثم استعجل الحكم عليه، بينما ردّ المتنبي عليه من الموضع ذاته: إذا كانت الملامح تكفي عندك لإصدار الأحكام، فليكن مظهرك أنت أيضاً موضعاً للحكم. وهنا تكمن المفارقة: من يختصر الناس في مظهرهم، قد لا يدرك أنه بذلك يكشف عن محدودية نظرته، أكثر مما يكشف عن حقيقة من ينظر إليه.

وكم في حياتنا اليوم من أناسٍ يرون كثيراً، لكنهم لا يُبصرون، يرون صورةً فيحكمون على صاحبها، ويسمعون كلمةً فيبنون عليها موقفاً، يقرأون موقفاً عابراً فيصنعون منه شخصيةً كاملة، ويعرفون جزءاً صغيراً من الحكاية، ثم يتحدثون عن صاحبها، وكأنهم عاشوا تفاصيلها كلها.

لقد أصبحنا، في زمنٍ أسرع في الحكم على الشكل، وأبطأ في استيعاب ما وراءه.

ومن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات حاليا أن تتحول الأحكام السريعة إلى ثقافة، وأن يصبح الظن معرفة، والانطباع حقيقة، والحديث عن الآخرين حقاً مكتسباً.

فاللسان الذي يتعجّل الحكم على إنسان، دون أن يعرف عنه شيئاً سوى مظهره أو طريقته، إنما يحكم على صورةٍ عابرة لا على حقيقةٍ كاملة، وقد يظلم إنساناً لم يمنحه فرصةً ليُرى كما هو، ويُسارع إلى إطلاق الأحكام، دون أن يترك لحسن الظن مكاناً.

ولذلك لم يكن حسن الظن مجرد فضيلة فردية، بل هو خُلُق اجتماعي يحفظ للناس كراماتهم.

فالعدل يبدأ حين نُدرك أن المظهر والهيئة لا تختصر حقيقة الإنسان، وهنا تتجلّى الأخلاق الحقيقية؛ في أن يتعامل الشخص مع الآخرين بأدبٍ وإنصاف، بعيداً عن السخرية والانتقاص.

فالإنسان الواثق من ذاته، لا يحتاج إلى تصغير الآخرين، ولا إلى السخرية من مظهرهم ليمنح نفسه شعوراً بالاستعلاء، ولا إلى الانتقاص منهم ليمنح نفسه قيمةً إضافية. فمن امتلأ بنفسه، لم يحتج إلى إفراغها في الآخرين.

ولعل أعمق ما يمكن أن نتعلمه من هذا الموقف أن قيمة الإنسان لا تختصرها نظرة عابرة، ولا يحددها انطباعٌ سريع، ولا يحكم عليها شكلٌ خارجي؛ فالجوهر أعمق من أن تُدركه العين في لحظة، والإنسان أكبر من صورةٍ يراها الآخرون عنه.

كما علينا في المقابل أن نتواضع أمام حقيقة أننا لا نعرف الناس كما نظن. وهذه هي أخلاق البصيرة: أن تترك مساحةً لاحتمالٍ لا تعرفه، في زمنٍ اصبح يكثر فيه الكلام، وفي زمنٍ أصبحت فيه الحياة مكشوفة أمام الجميع.

الإنسان الراقي لا يرضى أن يسخر من الآخرين، أو ينتقص من مظهرهم، ولا يحاول أن يحجّمهم ليشعر بكبر مكانته؛ لأنه يدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بهيئته.

أما المتنبي، فلم تكن كلمته مجرد ردٍّ على رجل أراد السخرية منه؛ بل يمكن أن نقرأها اليوم بوصفها مرآةً لنا جميعاً: قبل أن تحكم على ما تراه، اسأل نفسك: بأي عينٍ تنظر، وبأي قلبٍ تفسّر، وبأي أخلاقٍ تحكم؟

فربما لم تكن المشكلة يوماً في أن الناس لا نراهم كما هم، بل في أننا كثيرًا ما نراهم كما نحن. فليس كل من أبصر… عرف، وليس كل من رأى… فهم.

وبين البصر والبصيرة، مسافةٌ لا يقطعها إلا الوعي والأخلاق.

كاتبة كويتية

تازہ ترین خبریں اصل ماخذ
لنک کاپی ہو گیا ✓