کویت پریس میموری تازہ ترین خبریں
alqabasالقبس الثقافي

مرور مائه عام علي كتاب "تاريخ الكويت" (1926-2026)

مرور مائه عام علي كتاب "تاريخ الكويت" (1926-2026)

دراسه وثائقيه - تحليليه تتبع بدايات مشروع الشيخ عبد العزيز الرشيد - من هنا بدا التاريخ الكويتي المكتوب لم يكن يفكر في مئويه تحتفي ولا في نص سيقرا بعد قرن كونه المرجع الاول لذاكره البلاد - قال عبد العزيز الرشيد الكلمه الاولي وترك لمن بعد ان يختلفوا ويصححوا ويضيفوا.. لكن من داخل النص .. وليس من خارجه - في بلده صغيره.. جلس الرشيد الي الورق كمن يحرس ذاكره مهدده.. لا كمن يصنع مجدا شخصيا - كان تمرده هادئا وعميق.. تمرد رجل قرر ان المعرفه حق لا ترف وان التاريخ لا يترك للمصادفه - كتب في زمن لم يكن فيه التدوين عاده ولا التاريخ مهنه ولا المجتمع متصالحا مع من يضع الماضي علي الطاوله - الرشيد افصح مبكرا عن عزمه الشروع في هذا العمل واشار اليه صراحه في حديثه مع احد اصدقائه عام 1921 - تاريخ الكويت لم يكن عملا ارتجاليا او استجابه ظرفيه لحدث طارئ.. بل مشروعا فكريا شاملا - تبلور المشروع في ذهن الرشيد علي مهل ونضج عبر سنوات من التفكير والجمع والمقارنه والمراجعه - "تاريخ الكويت" خرج الي العلن عبر الصحافه قبل ان يدخل البيوت في الكويت بصورته المطبوعه.. وهو ما يعني ان صداه سبق حضوره المادي - منذ الاعلان عن صدوره.. بدا صدي الكتاب يتردد في المجتمع المحلي.. حتي قبل ان تصل نسخ الطبعه الاولي الي الكويت حين بدا الشيخ عبد العزيز احمد الرشيد البداح تدوين كتابه تاريخ الكويت، لم يكن يفكر في مئويه تحتفي، ولا في نص سيقرا بعد قرن كونه المرجع الاول لذاكره البلاد. كان يكتب لان الصمت كان اثقل من الاحتمال، ولان التاريخ، اذا لم يمسك به احد، ينفلت من بين الاصابع ويعاد كتابته علي يد غير اهله. في بلده صغيره، باماره محاطه بجيران يختبرون ضعفها قبل ان يعرفوا نفطها، جلس الرشيد الي الورق كمن يحرس ذاكره مهدده، لا كمن يصنع مجدا شخصيا. الخروج عن المالوف لم يكن الطريق ممهدا، ولا المجتمع رحيما بمثل هذا الفعل. كان مجتمعا ضيق الافق، تثقل عليه الاسئله، ويربكه كل خروج عن المالوف. غير ان الشيخ عبد العزيز لم يقبل ان يكون ابن هذا الضيق. لم يهادن الجهل، ولم يتكيف معه، بل غادره. حمل اسئلته ومضي الي العراق، ثم الي الاستانه، ثم الي مصر، لم يكن طلبا لشهاده تزين اسمه، وانما باحثا عن معني وافق اوسع مما اتيح له ان يراه في بداياته. كان تمرده هادئا، بلا ضجيج، لكنه عميق، تمرد رجل قرر ان المعرفه حق، لا ترف، وان التاريخ لا يترك للمصادفه. (1) وعندما عاد، لم يعد كما ذهب. عاد مثقلا بما راه، وبما عرفه، وبما صار يعرف انه لا يمكن تاجيله. فكتب. كتب في زمن لم يكن فيه التدوين عاده، ولا التاريخ مهنه، ولا المجتمع متصالحا مع من يضع الماضي علي الطاوله. كتب وهو يدرك ان ما يفعله قد لا يرحب به، وقد لا يقرا، وقد يضيق عليه. ومع ذلك كتب، لان الكتابه عنده لم تكن خيارا، بل ضروره. واليوم، بعد مئه عام، لا يحتفي بالشيخ العزيز لانه كتب تاريخ الكويت فحسب، بل لانه كتب في الوقت الذي كان فيه الامتناع اسهل، والصمت اكثر امانا. كتب لان عليه ان يكتب، لا لان احدا طلب منه ذلك. ومن هنا بدا التاريخ الكويتي المكتوب، قال الكلمه الاولي، وترك لمن بعد ان يختلفوا، ويصححوا، ويضيفوا، لكن من داخل النص، وليس من خارجه. النهج والمصادر تقوم هذه الورقه البحثيه علي المنهج الوثائقي التحليلي، وتتتبع بدايات مشروع الشيخ عبد العزيز الرشيد في كتابه تاريخ الكويت، وردود الفعل التي اثارها الكتاب عند صدوره، اعتمادا علي مادتين رئيسيتين: 1. الاشارات المعاصره لبدء التاليف قبل النشر، كما ترد في الصحافه العراقيه عام 1921، بما يكشف الطابع المبكر والمنهجي للمشروع قبل ظهوره مطبوعا. 2. مواد التغطيه والتعقيب المنشوره في صحيفه (لشوري) الصادره من القاهره، والتي توثق -علي الارجح- احدي اولي المساجلات الصحافيه بين كويتيين عبر وسيله اتصال جماهيريه خارجيه، في سياق سجال امتد بين ما نشر في صحيفه (فتي العرب) وما قابله من ردود في (الشوري). اولا: متي بدا الرشيد مشروعه؟ قد يتساءل البعض: كيف بدا عبد العزيز الرشيد كتابه تاريخ الكويت؟ تدل روايات معاصره علي ان الرشيد افصح مبكرا عن عزمه الشروع في هذا العمل، واشار اليه صراحه في حديثه مع احد اصدقائه عام 1921 -اي قبل صدور الكتاب بخمسه اعوام- ويذكر الكاتب (م.ع. كمال الدين) (2) في هامش مقال نشره في صحيفه (العراق) بعنوان (مدينه الكويت واماراتها) ما نصه: "وقد اخبرنا صديقنا الفاضل الشيخ عبد العزيز الرشيد انه كتب قسما من تاريخ الكويت، كما جمع الف الوقائع التي حدثت مع الاخوان جنود ابن سعود امير نجد، ونقل لي ان المرحوم السيد عبد العزيز الطبطبائي -محرر جريده الدستور البصريه- كتب قسما من تاريخ الاماره والمدينه، ولعل اخاه الاديب السيد عبد الوهاب يحتفظ بذلك التاريخ." (3). لا تعد هذه الاشاره المبكره تفصيلا عابرا، بل تكشف بوضوح ان تاريخ الكويت لم يكن عملا ارتجاليا او استجابه ظرفيه لحدث طارئ، وانما مشروعا فكريا تبلور في ذهن صاحبه علي مهل، ونضج عبر سنوات من التفكير والجمع والمقارنه والمراجعه، قبل ان يري النور مطبوعا عام 1926. ثانيا: لماذا طبع الكتاب في بغداد؟ وما مصادره؟ ولعل اختيار الشيخ عبد العزيز الرشيد مدينه بغداد، وتحديدا المطبعه العصريه، لطباعه عمله الاول، كان خيارا عمليا فرضته الجغرافيا والخبره الشخصيه. فالعراق كانت اقرب اليه من مصر، واكثر الفه بحكم تردده عليه في شؤون التجاره ومعرفته ببيئته ومطابعه. اما عن مصادره، فان الشيخ عبد العزيز استقي جانبا من معلوماته من رئيس الكتاب في حكومه الكويت ملا صالح بن محمد الملا، وذلك بتكليف من حاكم الكويت الشيخ احمد جابر الصباح، الذي قدم دعمه لهذا العمل، وهو ما عبر عنه الرشيد صراحه بتقديم الشكر له في مقدمه الكتاب. (4) الي جانب ذلك، اعتمد الرشيد علي معايشته الشخصيه للاحداث، لكونه شاهدا علي مرحله مفصليه من تاريخ الكويت، فقد ولد عام 1887ميلاديه، وعاصر عددا من حكامها، من الشيخ عبد الله بن صباح حتي الشيخ احمد الجابر الصباح. وشهد خلال ذلك وقائع بارزه، من بينها حادثه الشيخ مبارك مع القوه العثمانيه والسفينه (زحاف) عام 1901، و(هجره الطواويش) عام 1910، وموقعه (حمض)، ومعركتا (الجهره) و(الرقعي)، فضلا عن وفاه الشيخ سالم المبارك الصباح وما اعقبها من تقديم الوثيقه التاريخيه عام 1921 للمطالبه باقامه مجلس الشوري، الذي كان الرشيد احد اعضائه. ثالثا: صدي الكتاب قبل وصوله الي الكويت عقب الانتهاء من مراجعه الكتاب وتحقيقه، بدا خبر (تاريخ الكويت) يتداول في الصحافه العربيه خارج الكويت، وهو ما تعكسه الاشاره التي نشرتها صحيفه (الشوري)، اذ اوردت في عددها الصادر بتاريخ 14 مايو 1926 الخبر الاتي نصه: "علمنا ان الاديب المحقق السيد عبد العزيز الرشيد من افاضل الخليج ... قد الف تاريخا كبيرا للكويت، وسيطبع قريبا."(5) كما نشرت الصحيفه موضوعا بعنوان (متي تاسست الكويت)، اشارت في مقدمته الي كتاب تاريخ الكويت للشيخ عبد العزيز، "الذي يطبع الان في بغداد"، وبمقارنه المتن المنشور بالطبعه الاولي من الكتاب يتضح ان المنشوره يقارب، من حيث الحجم والمضمون، ما يعادل نحو ثلاث صفحات من نص الكتاب. (6) اما عن موعد صدوره، فقد اعلنت (الشوري)، في عددها الصادر بتاريخ 9 يوليو 1926، صدور كتاب تاريخ الكويت رسميا. (7) وهنا تجدر الاشاره الي ان (تاريخ الكويت) خرج الي العلن عبر الصحافه قبل ان يدخل البيوت في الكويت بصورته المطبوعه، وهو ما يعني ان صداه سبق حضوره المادي، الامر الذي يشكل مفتاحا مهما لفهم طبيعه الجدل الذي تلا صدوره. رابعا: رسائل من خارج الكويت تكشف "صدمه الداخل" منذ الاعلان عن صدوره، بدا صدي الكتاب يتردد في المجتمع المحلي، حتي قبل ان تصل نسخ الطبعه الاولي الي الكويت. ويبدو ان الشيخ عبد العزيز لم يمتلك من تلك الطبعه سوي عدد محدود من النسخ، اهداها الي دائرته الضيقه من المقربين. وفي هذا السياق، نقلت (الشوري) رساله بعث بها الاديب عبد الله علي الصانع -المقيم في دبي- الي رئيس تحرير الصحيفه بتاريخ 9 سبتمبر 1926، عبر فيها عن موقفه من ردود الفعل التي اثارها صدور (تاريخ الكويت) في الكويت، ودافع فيها عن مؤلفه عبد العزيز الرشيد دفاعا قويا. وجاء في الرساله ما نصه: " حضره الفاضل رئيس تحرير الشوري، حتي الان يا سيدي ونحن نتخبط في غسق الجهل. ففي الوقت الذي تحاول فيه الشعوب الحيه الصعود الي قمم المجد نسقط نحن الكويتيون ويا للاسف الي الحضيض الاسفل من الغباوه والخمول. وما هذا الا من طاعتنا العمياء لمن اخذوا علي انفسهم مناواه الاساتذه المصلحين ومحاربه العلوم..، فلا يبتغون غير المكث علي التقديم الضار المنافي لروح هذا العصر الذي نحن فيه مفتقرون للعلماء والعاملين والادباء النابهين. واني اخبركم والاسف ملء قلبي خبر الضجه التي حدثت عند ورود التاريخ الذي اصدره الاستاذ الجليل عبد العزيز الرشيد، وذاك لانتقاده بعض حمله العمائم الذين جعلوا الدين شركا يصطادون به. وهم لعمر الذين بكي منهم الامام محمد عبده (رض)، فاكبر القوم هذا الانتقاد، واخذهم منه المقيم المقعد لهؤلاء الذين لم يكونوا بزعمهم الاورده الائمه. واخذوا يصبون علي المؤلف جام اللوم والتثريب، لقد اخطا قومنا الصواب وتنكبوا سواء السبيل. افلا جعلوا موضع لومهم وتثريبهم شكرا وثناء علي هذا الوطني الغيور الذي يحق لنا ان نتغني به، ونرفع قدره جواء ما اجهد نفسه طول هذه المده التي ليست بالقليله من اجلنا؟ كيف لا يستحق الشكر وهو الوحيد الذي اظهر للكويت وابنائها لما من عالم التاريخ. وما ذاك الا انه لم يذكر لهم شيئا من المدح، لانهم يجنون علي الاداب بادعائهم معرفتها (واين الثريا من يد المتناول) علي ان الاولي للمدعين ان يغضوا من ابصارهم ويلجموا السنتهم. فان سفسطه انتقادهم لا تخفي من حسنات الاستاذ التي يكبا في ميدان سردها البراع شيئا. فرجائي من المنتقدين ان ينزعوا عن فكرتهم ويزيلوا الغل من قلوبهم. كما انني لا انسي انه موطني وان الواجب يدعوني لان احفظ له في اعماق قلبي احسن الذكري واطيبها جزاء ما اسداه نحو وطني من جميل الذكر. ولهذا فاكرر جزيل شكري له وحسن ثنائي عليه. امضاء دبي ... عبد الله بن علي الصانع." (8) الانقسام البنيوي كشفت رساله عبد الله بن علي الصانع عن استمرار الانقسام البنيوي داخل المجتمع الكويتي في تلك المرحله، وهو انقسام تبلور منذ دخول العلوم التطبيقيه الحديثه الي النظام التعليمي من بوابه المدرسه الاحمديه عام 1921. ويمكن - في سياق تلك الحقبه - وصف هذا الانقسام بثنائيه (التنوير) و(الجمود)، باعتبارهما تعبيرين عن اختلاف داخل الخطاب الديني حول حدود التعامل مع العلوم الحديثه. ويبدو ان صدور تاريخ الكويت اسهم في تصعيد هذا الانقسام والتوتر، اذ اشار عبد الله بن علي الصانع الي ان الشيخ عبد العزيز الرشيد وجه نقده الي بعض اصحاب العمائم، في اشاره الي فئه من العلماء. ولم تقتصر اصداء صدور كتاب التاريخ للشيخ عبد العزيز علي ما نشر في عدد واحد من صحيفه (الشوري)، بل تلقت الصحيفه، خلال الاسابيع اللاحقه، رسائل وتعقيبات متعدده وارده من الكويت، نقلت ردود فعل بعض الشخصيات العامه انذاك علي الكتاب ومضامينه. المناخ الثقافي والاجتماعي لاستقبال الكتاب وعكست هذه المواد المواقف في الكويت ما بين مؤيد ومدافع، وناقد ومعترض، وهو ما دفع الصحيفه الي نشرها تباعا فور تلقيها. وفيما يلي عرض لابرز هذه الردود، وتعود اهميتها لكونها تسهم في فهمنا للمناخ الثقافي والاجتماعي الذي استقبل فيه الكتاب عند صدوره. ففي 30 ديسمبر 1926، نشرت (الشوري) مقالا بعنوان: (حول تاريخ الكويت) مذيلا باسم (كويتي متحمس)، نقلت فيه ما يلي: " كشف هذا التاريخ النقاب عن اقوام لعبوا بعقول الكويتيين وافكارهم زمنا ليس بالقصير، قوم اندسوا بين الناس للافساد والتضليل. وسعوا لاقتناص ماربهم بشتي الناهج والطرق فضربهم التاريخ بضربات اطارت منهم الالباب. وزعزعت منهم العقول واوقعتهم في امر مريج حتي اصبحت الدنيا عليهم اضيق من سم والفضا الواسع عليهم كنفس السجين. اصبحوا اذا ما مشي احدهم يخال الجدران يرمقه بعيون السخط والابواب تلمحه ببصر الغضب والشوارع تخاطبه علي قبيح اعماله خطاب المقرع المليم. اذا فلا عجب اذا ما اثاروا العواطف حوله مهددين لصحابه بالقتل تاره وبالضرب اخري، ولا غرابه اذا ما استثاروا عواطف الجهال والغوغاء ضده فملئوا الكويت صياحا بشعرهم الغث ونظمهم المعجوج وانتقادهم البارد، لا غرابه ولا عجب فالتاريخ اعدمهم الرشد واضاع منهم اللب حتي ظلوا يهرفون بما لا يعرفون، ومحاصرون بما ياخذه الخصم سلاحا يقاتلهم به، وحجه يجز بها عنق براهينهم التي بها يستبدلون. كانوا يظنون ان صاحبهم ممن تخيفهم الارهابات او تخنعهم التهديدات، ولكنهم اخطاوا فيما كانوا يظنون فلم يبال بصياحهم ولم يكترث بوعيدهم يمشي ولسان حاله يقول: ان قومي تجمعوا وبقتلي تحدثوا لا ابالي بجمعهم كل جمع مؤنث لقد اخفقت مساعيكم ايها الصاخبون وحق لها ان تخفق وعلي اريكه الحكم في الكويت ذلك الامير الجليل والحاكم العاقل اميرنا المحبوب الشيخ احمد بن جابر ال الصباح، الذي اولي من الحلم والاناه ما بذيهما كثيرا من اقرانه، والذي يعرف قدره في ذلك القريب والبعيد، سيما من ابتلاه الله بكم ايها المتعجرفون، طالبتموه ولحفتم عليه بالسؤال في عقابه بدون حجه ولا برهان، فابتم والحمد الله من حضرته بالخيبه والفشل لابسين رداء الذله والخذلان، مهلا مهلا ايها الاغنياء فليس في استطاعتكم اخماد جذوه الحق المتقده، ولا اطفاء مصابيح الهدي المستنيره، مهلا ايها المتغطرسون فقد تقوضت خيامكم، وهبطت اسعاركم، ودار الزمان عليكم دورته، وعما قريب ستذريكم عواصف الحق وتحرقكم صواعق العداله، وينادي عليكم بسوق الانصاف بان قد خذلتم ووليتم الادباء. خففوا من غلواتكم التي ناطحتم بها السماء وطاولتم الجوزاء، ولا تنخدعوا بملايينكم، ولكوككم ولا تغتروا باموالكم وثروتكم فقد مضي عصركم المظلم، وجاء عصر العلم والنور، عصر الحريه والصراحه، جاء العصر الذي لا ابهه فيه لغير الفضل والادب، ولا فخر الا للمهرولين في نصره الحق. ماذا تريدون ايها المهوهون من هذه الصحيات التي اثرتموها الان، التاريخ جابهكم بالحق الصريح. وصارحكم بالحقائق الراهنه، واوقفكم علي ما كنتم تخفون من غش وخداع ام لاغراض سافله في نفوسكم تودون بلوغها من صاحبكم. حقا انكم تحاولون عبثا بادواركم التي مثلتموها وانكم لتقولون برز عيانكم منكرا من القول وزورا. ارفقوا بانفسك قبل ان تفضح امركم ونجلي للناس حقائق اعمالكم التي بها تدلسون. -امضاء- الكويت كويتي متحمس." (9) اوضحت رساله (كويتي متحمس) ان الانتقادات التي وجهت الي (تاريخ الكويت) لم تقتصر علي مضمون الكتاب او علي مؤلفه، بل تجاوزت ذلك الي استهداف شخص الشيخ عبد العزيز الرشيد، الي حد التهديد اللجوء الي الهجاء الشعري المنظوم في هذا السجال. كما كشفت الرساله ان دائره المعترضين لم تعد محصوره في بعض علماء الدين، بل اتسعت لتشمل فئات اخري، من بينها الغوغاء وبعض التجار. ويفهم موقف بعض التجار، في ضوء ما اورده الرشيد في كتابه من عرض تفصيلي لواقعه هجره الطواويش من الكويت، وما تضمنته من حوار حاد جري في مجلس حاكم الكويت بين الشيخ مبارك بن صباح الصباح والطواويش، الامر الذي نقل تلك الواقعه من حيز التداول الشفهي المحدود الي فضاء التدوين العلني التوثيقي، بما مس المكانه الاجتماعيه لبعض الاطراف المعنيه بها. وابرزت الرساله سعي اطراف متعدده متضرره مما ورد في (تاريخ الكويت) الي تحريض الحاكم علي انزال العقوبه بالشيخ عبد العزيز، وهو ما لم يستجب له. وهو ما يجعل المقال وثيقه داله علي الكيفيه التي تحول بها الكتاب سريعا من عمل تاريخي الي اختبار للنفوذ الاجتماعي وحدود الهيبه والمكانه، ولم يعد مجرد نقاش حول روايات الماضي او مدي دقتها. منع كتاب (التاريخ) ويتواصل في العدد التالي عرض وقائع هذا الجدل، مع نشر ردود اضافيه وردت الي صحيفه (الشوري) من الكويت، بما يتيح تتبع مسار التفاعل الذي صاحب صدور الكتاب في اشهره الاولي. وفي 6 يناير 1927، نشرت الصحيفه مقالا بعنوان (ماذا في الكويت)، مذيلا بتوقيع (وطني غيور) وما يلي نصه: " تهون كل الصيحات التي اثارها المغرضون حول تاريخ الكويت سواء اكان منشئها الحسد لصاحب التاريخ او العداوه الشخصيه له او مخالفته لهم في الراي والفكر والعقيده والمشرب، تهون كل تلك الصحيات، وقد لا تكون لها اهميه تذكر امام صيحه واحده حاول مثيروها ضرب الحريه في الكويت علي ام راسها وازهاق روحها الطاهره. صيحه هي في جبين تاريخ الكويت نقطه سوداء لا تمحي ولا تزول.. وستلبس اهلها ثوبا من العار اسود قاتما. لو كانت هذه الصيحه لحق هضم او شرف دنس او عرض مصون هتك [كذا في الاصل] والهوي لكان للصالحين سعه من العذر. ولكان لهم مبرر امام الله والناس اجمعين. لكنها ويا للاسف صيحه في مناوئه الحق والشرف وضد العداله والانصاف، حمل وزرها قوم دب التعصب في عروقهم ومفاصلهم واعمي الهوي ابصارهم وبصائرهم. قوم لم يالفوا الا المدح والاطراء حتي لمن اخذوا بناصره ولو غار علي صروح الحريه والاصلاح بمعاول الهدم والتخريب. التعصب والتضليل لقد هال اولئك القوم ان يذيع تاريخ الكويت علي رؤوس الملا من تلاعب هذا الرجل ما سمعت وان يشرح من تعصباتهم المعقوبه التي رمي بذورها في عين الحق قذي وفي حلق الدين شجا تعصبات يندي لها جبين الانصاف حياء. تضليل وتعسيف واستحلال للاعراض والدماء. نادي احد زعاقهم بقوله (ان قتل ثلاثه من اهل الكويت ثمن لدخول الجنه: الشيخ يوسف بن عيسي الجناعي، والشيخ عبد العزيز الرشيد، والشيخ صقر بن سالم الشبيب)، وقال احد جهلائهم عن شاعر الكويت الفاضل (قد كنت شاكا في تدهره والحاده اما الان فقد اتضح لي ذلك). اما موقف سمو امير الكويت المعظم امام هاتيك العواصف، فموقف شريف يوجب الاعجاب بغيرته علي العلم والادب، والاطراء لحميته علي الحق واهله. موقف دل علي مبلغ ميله للاخذ بعضد الحريه ورغبته في انقاذها من مخالب الجور والاعتداء ورفعها بيد الرفق [كذا في الاصل] السعاده والهناء. موقف ان لطلق الاقلام بتقديره ويشكره عليه فلا قيل لها في ميدان السباق عثار. كان سموه في الوقت الذي تالب فيه اهل الاغواء في الكويت وطلبوا منه ان ينزل عقابه القاضي بمؤلف التاريخ ... وكان سموه قد وقف مدافعا عن الحق ومنتصرا للحقيقه، ضاحكا في سره علي اولئك القوم الطائشين وعلي احلامهم الضعيفه ولم لا يضحك وهو يعلم ان تلك الضحكات لم يحركها الا بخار التعصب والجهل ولم يمل علمها الا ضبع الطيش والغرور...... وقد جاء هذا العمل من مسوه حجه قاطعه علي محبته لهناء قومه وراحتهم وعلي حصافه عقله وسداد رايه في معضلات الامور فليحي الامير للعلم والادب وليحي للحق ذويه. -امضاء- الكويت وطني غيور. (الشوري – عن كل مصاب يهون الا العبث بكتب التاريخ ....)." (10). التحريض والتلويح بالعنف وبذلك يتضح ان السجال الذي اثاره (تاريخ الكويت) لم يكن خلافا معرفيا محدودا حول مضمون كتاب او دقه رواياته، بل مسارا تصاعديا انتقل من النقد والاعتراض الي التحريض، ثم الي التلويح بالعنف، بما كشف هشاشه التوازن القائم بين المعرفه والهيبه داخل المجتمع انذاك. وفي مواجهه هذا الانزلاق، اضطلع الحاكم بدور حاسم في ضبط الايقاع ومنع تفجر الفتنه، فصدر الحكم لاحتواء هذه الفتنه بما يرضي الاطراف المتنازعه. اخماد الفتنه نهائيا وفي ظل تعذر الوصول الي النص الاصلي للمقال الذي نشر في صحيفه (فتي العرب) تحت اسم مستعار (كويتي منصف)، مهاجما كتاب تاريخ الكويت عقب صدور الحكم الرسمي في القضيه خشيه الفتنه، تظل المقاله التي نشرتها صحيفه (الشوري) الصادره من البصره، والموقعه باسم (منصف الحقيقه)، مصدرا مهما لفهم طبيعه هذا الهجوم وحدوده وخلفياته. فالنص لا يكتفي بالرد علي مضمون النقد، بل يكشف عن السياق الاجتماعي والسياسي الذي دار فيه الجدل، ويقدم روايه معاصره لكيفيه توظيف الاتهامات القبليه والدينيه في محاوله النيل من الكتاب ومؤلفه، كما يوثق موقف السلطه من الازمه وتحولها من المنع الي التريث ثم الاذن بالنشر. وفيما يلي نص المقال كما ورد في الصحيفه: "لا اريد مناقشه (كويتي منصف) في جميع نقط مقالته التي نشرها في جريده (فتي العرب) ردا علي ما في جريده الشوري الغراء دفاعا عن تاريخ الكويت، ولا ابحث عن المحرك الاصلي لذلك (المنصف) اهو غيره صادقه علي من انتصب مدافعا عنه ام لدريهمات صبت في جيبه صبا ام تقربا الي مولاه الذي يؤمل منه ما يدفع به غائله الفقر والمسغبه، كل هذا لا يهمني اكثر من خدمته الحقيقه، ولولا ما في المقال من الكذب الصراخ علي ذلك التاريخ الذي سد فراغا في تاريخ الامه العربيه، لما حركت ساكن القلم ولا اطلقت لليراع العنان وساوجز الرد ايجازا تاركا التفاصيل الي فرصه اخري. الحكم علي التاريخ عندما اوشك تنفيذ الحكم الذي اصدره (عظمته) اشيع ان مخلوقا في الكويت سود اوراقا في الرد علي التاريخ وصاحبه، وانتقد فيها ثلاثه من رجال الكويت بالكذب والبهتان، واشيع ايضا ان ذلك (المخلوق) سيطبع رده قريبا. هناك راي سمو الامير المعظم ان تنفيذ الحكم علي التاريخ، والاله هذه اجحاف بحقه وبحق صاحبه، فاصدر امره بان لا يمس التاريخ بسوء، وقال بانه سوف ياذن بنشره في القريب العاجل سالما من كل نقص، وقد بلغ المؤرخ امر سموه في وقته، وقد وصلت الينا هذه الاخبار، ونحن في البصره من القادمين من الكويت، ومن كتب جاءتنا من بعض الاصحاب هناك فاين هذا كله بما قاله (منصف) الذي اساء الحقيقه والتاريخ بتهجماته ومغالطا الا فليتق الله ربه ولا يبخس الناس اشياءهم وليعلم هو وانصاره ان للحق انصارا لا تلين قناتهم لغامز، وانهم سوف يقفون بالمرصاد لكل منافق مخادع. -امضاء- البصره (منصف الحقيقه) (الشوري- نرجو من حضره الكاتب ان يوجز في جميع مقالاته وان يجعل خطه مما يمكن لغيره ان يقراه!)." (11) الافراج عن الكتاب ويتضح ان السجال حول تاريخ الكويت لم يعد مقتصرا علي مضمون الكتاب ذاته، بل تجاوز ذلك الي تبعاته الاجتماعيه، وحدود النقد المقبول، ودور السلطه في الموازنه بين حريه التعبير والحفاظ علي السلم الاهلي. وفي هذا السياق، شكل التراجع اللاحق عن الدعوات الي تمزيق الكتاب او اتلافه تحولا مهما في مسار القضيه، اذ عكس ادراكا متاخرا لمخاطر التصعيد، وفتح الباب امام مرحله اتجهت فيها الازمه نحو الاحتواء بدلا من المواجهه. الا ان هذا التحول جاء متاخرا بالنسبه الي الشيخ عبد العزيز الرشيد لجني ثماره، اذ اضطر في العام ذاته الي مغادره الكويت الي البحرين، ولم يقدر له ان يري كتابه متداولا في بلده. فقد افرج عن كتاب تاريخ الكويت بقرار من مجلس الامه التشريعي الاول في جلسته المنعقده يوم الاحد 9 رجب 1357هـ، الموافق 3 سبتمبر 1938، برئاسه نائب رئيس المجلس الشيخ يوسف بن عيسي القناعي. وبموجب هذا القرار، وجه كتاب الي مدير الجمرك البحري بفسح تداول الكتاب وتسليمه الي ورثه مؤلفه، وذلك بعد وفاته بسبعه اشهر. (12) ولعل من دلالات المفارقه التاريخيه ان يكون الشيخ يوسف - وهو من اصدقاء الرشيد والمدافعين عن كتابه - هو من تراس الجلسه التي تقرر فيها الافراج عن تاريخ الكويت، بما يختزل مسار السجال من الرفض والتضييق الي الاقرار والاحتواء. وبذلك اغلقت احدي اكثر القضايا الثقافيه حساسيه في تاريخ الكويت الحديث، بعد ان تجاوزت الكتاب ذاته لتلامس حدود النقد، ودور السلطه، ومساله التوازن بين المعرفه والنظام العام. الظهور الكويتي المبكر في (الشوري) يكشف تتبع اعداد صحيفه (الشوري) عن حضور كويتي مبكر ولافت في صفحاتها، يتقدمه الشيخ عبد العزيز الرشيد، الذي نشر فيها ثلاث مرات تقريبا باسمه الصريح عام 1925، الاولي تناولت تغطيته لزياره الزعيم التونسي عبد العزيز الثعالبي، والثانيه خصصت لاحوال ومصائب الغواصين في ذلك العام، والثالثه جاءت في سياق اخر يؤكد طبيعه حضوره المنتظم في الصحيفه. ويعكس هذا التكرار دلاله واضحه علي وجود تواصل بين الرشيد وهذه الصحيفه ورئيس تحريرها. احتضان (الشوري) لموهبه خالد محمد الفرج يعد الشاعر خالد محمد الفرج احد ابرز الكويتيين الذين راسلوا صحيفه (الشوري) واسهموا في صفحاتها، وقد امن رئيس تحريرها محمد علي الطاهر بموهبته الشعريه، ومنحه مساحات واسعه لابراز تجربته، حتي اطلق عليه لقب (شاعر الخليج)، ونشر له بكثافه طوال فتره اقامته في البحرين. ولم يقتصر هذا الاحتضان علي النشر الصحافي، بل تجاوزه الي تمثيل الطاهر للفرج والنادي الادبي بالبحرين خلال حفل تكريم الشاعر احمد شوقي عام 1927، بما يعكس مكانته في الوسط الثقافي العربي انذاك. (13) الهوامش (1). للمزيد عن الشيخ عبد العزيز الرشيد انظر: ا. عبد الفتاح مليجي، الصحافه وروادها في الكويت.. عبد العزيز الرشيد وثلاث مجلات، شركه كاظمه للنشر والترجمه والتوزيع، الطبعه الاولي، 1982. ب. الدكتور يعقوب يوسف الحجي، الشيخ عبد العزيز الرشيد سيره حياته، مركز البحوث والدراسات الكويتيه، 1993. ت. الدكتوره فتوح الخترش، دراسه بعنوان: (ظاهره التنقل في حياه عبد العزيز الرشيد)، مجله عالم الفكر، المجلد الحادي والعشرون، العدد الرابع، ابريل-مايو-يونيو 1993، وزاره الاعلام، الكويت، من الصفحه رقم (98) الي الصفحه رقم (135). (2). يرجح انه الكاتب محمد علي كمال الدين (1900-1966)، وهو اديب وكاتب عراقي. (3). صحيفه العراق، السنه الثانيه، العدد رقم (397)، 12 سبتمبر 1921، الصفحتان رقم (1)، والرقم (3). (4). الشيخ عبد العزيز الرشيد، تاريخ الكويت، المطبعه العصريه، العراق، الطبعه الاولي، 1926، الصفحه رقم (225). (5). صحيفه الشوري، السنه الثانيه، 14 مايو 1928، الصفحه رقم (4). (6). صحيفه الشوري، السنه الثانيه، العدد (85)، 18 يونيو 1926، الصفحه رقم (2)، انظر: . الشيخ عبد العزيز الرشيد، تاريخ الكويت، المطبعه العصريه، العراق، الطبعه الاولي، 1926، من الصفحه رقم (10) الي الصفحه رقم (12). (7). صحيفه الشوري، السنه الثانيه، العدد (87)، 9 يوليو 1926، الصفحه رقم (4). (8). صحيفه الشوري، السنه الثانيه، العدد رقم (96)، 9 سبتمبر 1926، الصفحه رقم (3). (9). صحيفه الشوري، السنه الثانيه، العدد رقم (112)، 30 ديسمبر 1926، الصفحه رقم (2). (10). صحيفه الشوري، السنه الثالثه، العدد رقم (113)، 6 يناير 1927، الصفحه رقم (3). (11). صحيفه الشوري، السنه الثالثه، العدد رقم (151)، 13 اكتوبر 1927، الصفحه رقم (4). (12). يوميات مجلس الامه التشريعي الاول (الدوره الاولي)، د. عادل العبد المغني، الطبعه الاولي، 2020، مطبعه فور فيلمز للطباعه، الصفحه رقم (70). (13) صحيفه الشوري، السنه الثالثه، العدد رقم (124)، 24 مارس 1927، الصفحه رقم (2).

تازہ ترین خبریں اصل ماخذ کویت کی آج کی اہم خبریں
لنک کاپی ہو گیا ✓