کویت پریس میموری تازہ ترین خبریں
annaharآراء بقلم مايا إبراهيم

الأمل.. مفتاحٌ لا يصدأ

ثَمّة أشياءُ في هذه الحياة لا نملك دليلًا مادّيًا عليها، ومع ذلك نواصل الإيمان بها. لا نعرف متى تأتي، ولا بأي صورةٍ تتجلّى، لكننا نترك لها مكانًا رحبًا في أرواحنا. ولعلّ الأمل هو أجمل ما يمنح الإنسان قدرةً على الاستمرار حين لا يبقى بين يديه سوى «احتمال». الأمل ليس يقينًا مطلقًا بأن الغد سيكون أجمل، بل هو القرار الحرّ بألّا نغلق نافذة الغد تمامًا. في الطبيعة، تبدو الأرض في الشتاء ساكنةً، ثم يأتي الربيع فتورق من جديد. تُدفن البذرة في عمق التراب قبل أن تُخرج براعمها، لكنها لا تكون ميتة؛ بل تكون في طريقها الأصعب نحو الحياة. وكذلك الإنسان: قد تمرّ به مراحل تبدو كأنها النهاية، بينما تتكوّن في أعماقه بدايات صامتة لا يراها أحد. ولعلّ أصدق صورة للأمل عرفتها في حياتي تجسّدت في مفتاحٍ قديم احتفظت به جدّتي، رحمها الله. كانت عروسًا فلسطينية لم يمضِ على زفافها سوى خمسة عشر يومًا، حين طُلب من أهلها مغادرة بيوتهم لأيام قليلة، على أمل العودة الوشيكة. خرجت وهي تظن أن الغياب عابر، ولم تكن تعرف أن تلك الأيام القليلة ستتحول إلى سنوات من الشتات، وأن البيت الذي أغلقت بابه خلفها لن تفتحه مرةً أخرى. ولأنها كانت عروسًا جديدة، لم تحمل معها الكثير؛ تركت بيتها كما هو، وأخذت من عند حماتها غرضين بسيطين لتستعين بهما إلى حين العودة. لكن العودة لم تأتِ. جاءت إلى لبنان، وبنت حياتها من جديد، وأنجبت أبناءها هنا، وصار لها بيت آخر وذكريات جديدة. ومع ذلك، ظلّ مفتاح بيتها الفلسطيني محفوظًا معها حتى آخر أيام حياتها. لم يكن مجرّد قطعةٍ من المعدن.. كان احتمالًا. كان بإمكان العقود المتطاولة أن تقنعها بأن الباب صار بعيدًا، وأن الحياة تغيّرت، لكنها احتفظت به كأنها تحفظ في هذا المفتاح الصغير حقّها في الرجاء. لم يفتح المفتاح باب البيت من جديد، لكنه أبقى ذلك الباب مفتوحًا في عمق روحها. وهنا يصبح الأمل أسمى وأكبر من النتيجة المباشرة. قد يأمل الإنسان في عودة لا تحدث، أو لقاء محبوب لا يتم، أو حلم يتغيّر وجهه مع الزمن.. ومع ذلك، لا يكون أمله هباءً؛ لأنه يمنعه من جعل الواقع القاسي الحقيقة الوحيدة الممكنة. الأمل لا يلغي مرارة الألم، لكنه يمنع الألم من أن يكون القافية الأخيرة في القصيدة. تراه متوهّجًا في مريضٍ ينتظر عافيته، وفي أمّ ترقب عودة ابنها الغائب، وفي إنسان يلملم شتاته ليبدأ بعد الخسارة، وفي طالب يواصل دراسته رغم سنوات صعبة، وفي موهبة تصرّ على الوصول بعد سنوات من العمل في الظل. ويكفي أن نتذكّر د. أمل إسماعيل، المصرية التي نالت درجة الدكتوراه في الثالثة والثمانين من عمرها، لندرك أن الأحلام لا تنظر دائمًا إلى تقويم السنين. لم تكن تلك السن المتقدمة بالنسبة إليها خاتمة المطاف، بل كانت موعدًا لإنجاز جديد. اختلفت حكايتها عن حكاية جدّتي، لكن المعنى ظلّ واحدًا: امرأة لم تسمح للسنوات بأن تقرّر نيابةً عنها أن الحلم قد انتهى. ليس العمر حجّةً على انقضاء الأحلام، ولا التأخّر دليلًا على الإلغاء. قد تتأخّر الفرصة حتى يصبح الإنسان أكثر نضجًا واستعدادًا لها، وقد يأتي النجاح بعد صقل التجارب ليكون أشدّ ثباتًا وأبقى أثرًا. ولو أُعطينا بعض الأشياء قبل أوانها، ربما لم نعرف كيف نصونها. لكنّنا نحن البشر نستعجل؛ نضع للحلم موعدًا نهائيًا، فإذا لم يتحقّق في إطارنا الزمني، توهّمنا أنه لن يتحقّق أبدًا. ننسى أن الحياة لا تسير وفق جداولنا، وأن بعض التأخير هو إعداد للروح قبل أن يكون تأجيلًا للمطلب. الأمل الحقيقي ليس انتظارًا سلبيًا متفرّجًا، بل هو حركة ودأب رغم غياب الضمانات. أن تزرع وأنت لا تملك وعدًا بالمطر، وأن تواصل المحاولة وأنت لا تضمن النتائج. وقد يختصر الأمل نفسه في كلمة صغيرة جدًا، لكنها تتّسع للمدى: «ربما». ربما يأتي الشفاء، وربما تُفتح الأبواب المغلقة، وربما يعود الغائب، وربما يتحقّق الحلم بصورة لم تخطر على بال. وربما لا يحدث شيء ممّا أردناه، لكننا نكون قد واصلنا الطريق بكرامة، ومن دون أن نُسلّم لليأس قيادتنا. لذلك، لا تضعوا للأحلام مواعيد وأعمارًا، ولا تحكموا على ما لم يولد بعد بمقياس ما انقضى بالأمس. قد يأتي العِوَض من طريق لم نحسب له حسابًا، وقد يزهر حلم قديم بعد طول جفاف. وهذا هو المعنى الأعمق لمفتاح جدّتي: لم يكن وعدًا حتميًا بأن العودة ستأتي، بل كان رفضًا قاطعًا لأن تصبح العودة مستحيلة في الوجدان. الأمل لا يعدنا بأن الحياة لن تؤلمنا، بل يمنحنا القدرة على ألّا نجعل الألم يكتب الفصل الأخير. فبعض المفاتيح لا تُحمل لفتح باب خارجي، بل لحراسة احتمال داخلي. ويكفي الإنسان أحيانًا أن يبقى في يده شيء بسيط، يهمس له كل صباح: إن الحكاية لم تنتهِ بعد. ذلك هو الأمل.. مفتاحٌ لا يصدأ.

تازہ ترین خبریں اصل ماخذ
لنک کاپی ہو گیا ✓