حين يفقد التكريم معناه!
كان التكريم، في زمن مضى، حدثاً له هيبته. ينتظر لأن وراءه إنجازاً كبيراً، ومسيرةً تستحق التوقف عندها، واسماً ترك أثراً لا يمكن تجاهله. وكانت الدرع التي تسلَّم على المسرح أشبه بشهادة تقول إن صاحبها قدم شيئاً يستحق أن يُحفظ في الذاكرة. أما اليوم، فقد كثرت التكريمات إلى الحد الذي جعل السؤال مشروعاً: ماذا بقي من معنى التكريم؟ مهرجانات تتكاثر، واحتفاليات تتوالى، ودروع توزع بسخاء، وألقاب تطلق بلا حساب. «عبقري»، «مبدع»، «قدير»، «قامة»، «رائد»، «استثنائي»، «أسطورة»… كلمات كبرت في حجمها حتى كادت تفرغ من معناها، وتحول قاموس المديح إلى قاموس للمجاملات، لا للتقييم. المشكلة ليست في الاحتفاء بمن يستحق. المشكلة تبدأ عندما يصبح التكريم غايةً في حد ذاته، وعندما يتحول الاحتفاء إلى واجهة للمحسوبيات، أو مساحة للمجاملة، أو دائرة مغلقة من التبخير المتبادل، يعرف فيها الجميع ما سيقال قبل أن يبدأ الحفل. والتبخير هنا ليس مجرد كلمات جميلة تقال على المنصة، بل ثقافة كاملة تجعل المديح أحياناً أهم من الإنجاز، والعلاقة أهم من الاستحقاق، والحضور الاجتماعي أهم من العمل الذي يفترض أن يكون سبب التكريم. والأكثر غرابة أن بعض الأسماء تكاد تصبح ضيوفاً دائمين على حفلات التكريم. وجوه محددة تتنقل من منصة إلى أخرى، ومن مهرجان إلى آخر، عاماً بعد عام، لتتلقى الدروع نفسها، وتسمع العبارات نفسها، وكأن الإبداع قد ضيق مجاله حتى صار محصوراً في الأسماء ذاتها. فهل يمكن أن يكون الشخص نفسه «المكرم الأبرز» كل عام، في مناسبة تلو الأخرى، من دون أن يثير ذلك سؤالاً عن المساحة التي ينبغي أن تمنح لوجوه وتجارب جديدة؟ التكريم يفترض أن يفتح الباب أمام منجزات تستحق الضوء، لا أن يعيد توزيع الضوء على من يعيشون فيه أصلاً. هناك فنان شاب قدم عملاً لافتاً ولم يجد من يلتفت إليه. وكاتب يملك مشروعاً حقيقياً، لكنه لا يملك شبكة العلاقات التي توصله إلى المنصة. وباحث أو مخرج أو موسيقي يعمل بعيداً عن الأضواء، وربما يستحق التكريم أكثر من أسماء اعتادت أن تتصدر المشهد. لكن حين تصبح المحسوبيات جزءاً من آلية الاختيار، لا يعود السؤال: «من يستحق؟»، بل يصبح أحياناً: «من نعرف؟ ومن نريد أن نرضيه؟ ومن ينبغي أن يكون حاضراً؟». وهنا يخسر التكريم أهم ما يملكه: العدالة الرمزية. فالتكريم، حتى لو لم يمنح صاحبه مالاً أو منصباً، يمنحه اعترافاً. والاعتراف حين يمنح بغير استحقاق، يتحول من قيمة معنوية إلى مجاملة عامة، وقد يفقد بذلك شيئاً من قيمته بالنسبة إلى من يستحقه فعلاً. ولعل ما يزيد المشهد التباساً هو اللغة المستخدمة في وصف المكرمين. لقد أصبحت كلمة «عبقري» سهلة إلى درجة مخيفة. و«المبدع» لم يعد بالضرورة صاحب تجربة مميزة. و«القدير» قد يصبح مجرد صفة تضاف إلى الاسم لأن المناسبة تحتاج إلى صياغة احتفالية. لكن ماذا يحدث عندما نطلق وصف «الاستثنائي» على الجميع؟ نلغي مفهوم الاستثناء نفسه. حين يكون الجميع «رواداً»، لا يعود واضحاً من الذي فتح الطريق فعلاً. وحين يصبح كل صاحب شهرة «أسطورة»، تتحول الأسطورة إلى لقب قابل للتوزيع. وحين نمنح الكلمات الكبيرة بلا حساب، لا نرفع من قيمة المكرم بقدر ما نخفض من قيمة الكلمة. فاللغة أيضاً تحتاج إلى عدالة. والتكريم يحتاج إلى الشجاعة التي تسمح للجهة المكرمة بأن تقول: هذا الشخص يستحق الآن، وهذا الشخص لا يستحق بعد. لأن عدم التكريم ليس إهانة، كما أن التكريم ليس مجاملة واجبة. ليس مطلوباً أن نمنع المهرجانات من الاحتفاء، ولا أن نقلل من قيمة الأشخاص الذين أمضوا أعمارهم في الفن والثقافة والإبداع. المطلوب أن نعيد للتكريم معناه، وأن نجعل الدرع نتيجةً لمسيرة، لا وسيلةً لصناعة صورة أو صناعة نجومية من الفراغ. ومن حق أصحاب المسيرات الطويلة أن يحتفى بهم، لكن من حق الأجيال الجديدة أيضاً أن تجد مكاناً تحت الضوء. ومن حق من يملك اسماً كبيراً أن يكرم، لكن ليس من العدل أن يصبح الاسم الكبير حاجزاً أمام كل اسم لم تتح له الفرصة بعد. ربما نحتاج اليوم إلى مهرجانات أقل عدداً وأكثر قيمة، إلى لجان أكثر استقلالاً، ومعايير أكثر وضوحاً، ومساحات أوسع للأسماء التي لا تملك العلاقات الكافية للوصول إلى المنصة. نحتاج، قبل كل شيء، إلى أن نتوقف قليلاً عن التبخير. فالفن لا يكبر بكثرة المديح، والثقافة لا تتقدم بكثرة الدروع، والمبدع الحقيقي لا يحتاج إلى أن يسمى عبقرياً كل عام حتى تثبت عبقريته. أعماله تفعل ذلك. والزمن يفعل ذلك. والذاكرة تفعل ذلك. أما التكريم، فوظيفته أن يكتشف القيمة ويحتفي بها، لا أن يصنعها بالمجاملة. فليس كل من صعد إلى المنصة مستحقاً للدرع، وليس كل من حمل درعاً صار قامة، وليس كل من تكرر تكريمه أصبح أكثر قيمة. وأحياناً، يكون أفضل ما يمكن أن يفعله مهرجان تكريمي هو أن يسأل نفسه، قبل أن يوزع دروعه: هل نكرم المبدع لأنه أبدع.. أم نكرمه لأننا اعتدنا وجوده على المنصة؟