Digger.. توم كروز في دور العمر.. وفرصه جديده للفوز بالاوسكار

امجد جمال - منذ الصور الدعائيه الاولي، التي خرجت من كواليس فيلم Digger، كان السؤال ماذا فعل توم كروز بنفسه؟ وجه لا نعرفه، مكياج غريب وملامح متورمه، وهيئه تبدو كان الزمن عاقبها. الفضول تجاه الفيلم تفاقم، خصوصا انه ياتي بتوقيع المخرج المكسيكي الحاصل علي الاوسكار اليخاندرو جونزاليس ايناريتو، صاحب افلام Birdman وThe Revenant، وهو مخرج لا يصنع افلاما كي تمر بهدوء، افلامه تحب ان تضع نفسها في مرمي النقاش، وان تختبر حدود الوسيط السينمائي. والنتيجه جاءت علي قدر هذا الفضول. كروز وايناريتو لم يبتعدا عن الطموح المنتظر منهما، وقدما فيلما مليئا بالمجازفات الفنيه، وخارجا تماما عن منطقه الامان، التي كان من الممكن ان يختاراها مع مشروع بهذا الحجم، والميزانيه التي تجاوزت 125 مليون دولار. Digger بالفعل واحد من اغرب الافلام التي يمكن ان تشاهدها في هوليوود حاليا، وهو فيلم يستحق المشاهده والنقاش والحديث عنه طويلا، ليس لانه فيلم متكامل او مضمون التاثير، وانما لانه تجربه شديده الخصوصيه والاستقطاب، قد تحبه جدا، وقد لا تطيقه علي الاطلاق. كارثه بيئيه يحكي الفيلم، في طبقته الظاهريه، عن «ديجر راكويل»، مستثمر شديد الثراء والنفوذ في مجال التنقيب عن البترول، يجد نفسه متورطا في صناعه كارثه بيئيه تهدد مستقبل البشريه. العالم الذي صنع ثروته من استغلال موارده الطبيعيه يبدا في دفع ثمن هذا الاستغلال، بينما يحاول اصحاب السلطه والثروه التعامل مع الكارثه، ولكن من خلال مصالحهم وحساباتهم الخاصه. اللافت ان Digger يتعامل مع هذه الفكره منذ البدايه باسلوب يميل الي المبالغه. الشخصيات مرسومه بدرجه كبيره من الكاريكاتوريه، والاداء اكثر صخبا من المعتاد، والتفاصيل البصريه والديكورات تتحركان احيانا في مساحه اقرب الي المسرح الهزلي منها الي الواقعيه. في البدايه يمكن ان يبدو هذا الاختيار غريبا، لكن مع تطور الفيلم يتضح انه جزء اساسي من لغته؛ ولاسباب يتم تبريرها لاحقا بافضل شكل ممكن. فايناريتو لا يريد تقديم نسخه واقعيه من عالمنا، وانما يريد تقديم عالم يشبه عالمنا، بعد ان يتم تضخيم تناقضاته الي اقصي درجه. السياسيون يتصرفون بطريقه عبثيه، اصحاب المال يواصلون التفكير بمنطق المصلحه، والصراعات الدوليه تبدو احيانا منفصله تماما عن الخطر الحقيقي الذي يواجه الجميع. مفاجاه تغير شكل الفيلم بحلول نصف الساعه الاول تقريبا، تحدث مفاجاه علي المستوي السردي، تجعلنا ننظر الي الاحداث في سياق مختلف تماما. يدخل الفيلم في منطقه سرد ما ورائي metafiction (حين يعلق النص علي نفسه، ويملك وعيا ذاتيا يكسر الايهام ويبدد الحاجز بين الواقع والخيال)، اي تصبح هناك طبقات متعدده للحكايه، بحيث تمثل كل طبقه منها واقعا خاصا. هذا التحول يمكن ان يسبب قدرا من الاحباط للمتفرج لحظه الكشف عنه، خصوصا ان اسلوب كسر الايهام بهذا الشكل اصبح سيئ السمعه في السينما الحديثه. ان تكتشف فجاه ان ما تشاهده ربما يكون حلما، او خيالا في ذهن البطل، او روايه يكتبها احدهم، او مسرحيه لا تزال في طور البروفات، اصبح من الحيل السرديه، التي يمكن ان تفقد تاثيرها اذا استخدمت لمجرد الاستعراض، او التعقيد الاجوف. ايناريتو سبق ان اقترب من هذه المنطقه في Birdman، الفيلم الذي حصل من خلاله علي الاوسكار، لكنه استخدمها هناك بطريقه اقل راديكاليه من Digger. هنا ياتي استخدام الميتافيكشن اكثر ارتباطا ببنيه الفيلم ورسالته، ولذلك اراه اكثر ملاءمه وضروره. والاهم ان هذه الطريقه تخدم الممثلين، وعلي راسهم توم كروز، لانها تمنح الاداء اكثر من مستوي ونبره. الممثل لا يؤدي الشخصيه نفسها داخل واقع واحد، وانما يستطيع ان ينتقل بين مستويات مختلفه من الاداء، وهو ما يبرر بعض المبالغات، التي قد تبدو في البدايه غير منطقيه. كما ان هذا الاسلوب يخدم فكره الفيلم الاساسيه المتعلقه بالنجاه البشريه وحمايه الطبيعه، لكن من زاويه اخري تتعلق بدور الفنان وواجبه تجاه مجتمعه. وهنا يصل الفيلم الي استنتاج شديد السوداويه، ربما يكون الوقت قد فات اصلا علي الفنانين لكي يلعبوا دور الواعظ. هذه الفكره تجعل البناء الميتاسردي اكثر من مجرد استعراض، بل بناء ياخذ الفيلم الي مساحه اكثر اثاره من الناحيه الذهنيه، ويجعله اكثر جاذبيه بصريا، وفي الوقت نفسه يسمح للفيلم بان ينتقد نفسه: ينتقد ايقاعه، واداء ممثليه، والمبالغات الموجوده فيه، وحتي النبره الوعظيه، التي تعتمد عليها افلام كثيره، عندما تتناول قضايا المناخ والكوارث. مخرج يسيطر علي العالم بطبقاته نجاح الفيلم في التعامل مع هذه الطبقات يعود بدرجه كبيره الي المخرج. ايناريتو ينجح في احكام بناء عالم متعدد المستويات، ويستخرج الكوميديا السوداء من عبثيه المواقف. وهو يقدم فيلما كبيرا من الناحيه البصريه، لكن متعته لا تعتمد علي الابهار او المؤثرات، وانما علي الافكار الجماليه والتكوينات البصريه وتفاصيل بناء كل مشهد. وهناك حاله انصهار بين ميزانسين السينما وميزانسين المسرح، بطريقه تجعل الانتقال من مشهد لاخر لا يعتمد دائما علي القطع التقليدي، بل تغيير زاويه الصوره فحسب. كما يمزج ايناريتو بين اكثر من اسلوب ونبره، هناك المهزله farce، والعبثيه absurdism، والكوميديا الجافه deadpan comedy. وهذه التركيبات ليست منفصله عن بعضها، وانما تنتقل من واحده الي اخري داخل المشهد الواحد، وهو ما يجعل الفيلم متغير النبره باستمرار. استعراض محسوب من ابرع المشاهد في الفيلم الخطبه، التي يلقيها ديجر اثناء التحقيق معه في البرلمان الاوروبي، هذا المشهد استغرق تصويره نحو عشر دقائق في لقطه واحده دون قطع، وهو اعجاز في التمثيل والكريوغرافيا والتصوير وقياده المجاميع وكانه لوحه تشكيليه؛ الالوان الباهته والوجوه الشاحبه منحت هذا المشهد احساسا بحاله من التحلل الانساني، كما تذكر بكادرات المخرج السويدي المعروف «روي اندرسون»، الذي يستخدم هذه الطريقه في كثير من افلامه، للتعبير عن حاله الانسان وموقعه داخل عالم فقد كثيرا من حيويته. مدير التصوير ايمانويل لوبيزكي، ينجح في تحريك الكاميرا بين البطل والمجاميع المحيطه به بخفه، ولم يعب المشهد تحول الحركه فيه الي استعراض تقني في بعض الاحيان. وفي الوقت نفسه، فان المونولج الذي يلقيه البطل جاء مليئا بالافكار الجريئه، ولا يخلو من الفكاهه، خصوصا في ادانته للبشر جميعا بسبب انتهاك الطبيعه نتيجه انانيتهم ورغبتهم المستمره في مظاهر الرفاهيه. توم كروز.. اعطوه الاوسكار الان توم كروز هو العنصر، الذي يصعب الاختلاف عليه في الفيلم. يقدم هنا دور عمره، سواء في الشكل المختلف للشخصيه، وايضا الطريقه التي يبني بها الاداء من الداخل. ديجر شخصيه غريبه الاطوار، كريهه، عاليه الصوت، انانيه، قبيحه وفظه. يمزج كروز في ادائه الممتع بين المسرحيه الكلاسيكيه بحركتها المبالغ فيها وانفعالاتها الشديده، وبين جانب اخر اكثر هدوءا واتزانا، حين يتحول بسلاسه للجانب الاخر من الشخصيه، وينتقل بين الجانبين بسلاسه كلما احتاج المشهد ذلك. حتي عمليه التحول الشكلي كانت مرهقه. مكياج الشخصيه كان يستغرق في تحضيره نحو ست ساعات في البدايه، اضافه الي ساعتين لازالته. وهي واحده من التفاصيل الطريفه، التي تكشف حجم الالتزام الذي وضعه كروز في تجسيد الشخصيه. ولهذا، فان Digger يمثل فرصه مثاليه لتوم كروز، لكي يحظي اخيرا بجائزه الاوسكار، قدم هنا من قدرات تمثيليه جاده ومعقده في التقمص ما يؤهله بالتتويج، ستكون جائزه مستحقه بالكامل، وتكليلا لمشوار سينمائي حافل ومؤثر في صناعه السينما علي اكثر من مستوي. كروز لم يوظف نجوميته فقط في افلام الحركه، التي ساهمت في انعاش خزائن هوليوود، وانما دعم ايضا تجارب سينمائيه مغايره، لم يكن من السهل ان تحصل علي تمويل كبير لولا وجود اسمه، من بينها هذا الفيلم. وسابقا فعل ذلك مع ستانلي كوبريك في Eyes Wide Shut، ومع بول توماس اندرسون في Magnolia، ومع كاميرون كرو، وسيدني بولاك وغيرهم. انه انسان عاشق لمهنته، مخلص، متفان. لذلك فان حصوله علي الجائزه عن Digger لن يكون تقديرا لهذا الدور وحده، وانما اعترافا بمسيره نجم ظل لسنوات طويله يخدم صناعه السينما من داخلها وخارجها، ودافع عن الشاشه الكبيره ورمزيتها في المشاهده. وحان الوقت ليحصل توم كروز علي حقه الادبي بوصفه ممثلا، وليس مجرد نجم. ريز احمد فاكهه الفيلم في المقابل، ياتي ظهور الممثل ريز احمد في دور العالم «جانيش» كفاكهه من فواكه الفيلم. الشخصيه تحاول تحذير الساسه من ان الوضع يخرج عن السيطره، لكن تحذيراته تقابل بعدم اهتمام، ولذلك تتدرج ردود افعاله بطريقه فكاهيه مع تصاعد الاحداث. احمد يلعب الشخصيه بدرجه من الهدوء، تجعلها تبدو وكانها خرجت من فيلم لاحد كبار صناع الكوميديا الجافه كـ«ويس اندرسون». ولم يحتج الي بذل مجهود كبير لكي يكون مضحكا، لان الكوميديا تاتي اساسا من التناقض بين ما يعرفه هو وما يرفض الاخرون الاعتراف به. الديكور بطلا والموسيقي صوتا للطبيعه التصميم الانتاجي والديكور من اهم عناصر قوه Digger، لانه يصنع حاضنه بصريه شديده التميز للاحداث. ايناريتو يجعل المكان جزءا من عمليه السرد والكوميديا في الوقت نفسه. حركات بسيطه لبعض عناصر الديكور يمكن ان تكون مسؤوله عن جزء من الفكاهه. تغيير في المكان او حركه عنصر داخله او مصدر للاضاءه قد يصبح هو النكته. وهذا يتناسب مع الطبيعه المسرحيه للعمل، لهذا استخدم ايناريتو تقنيه VistaVision ذات الاطار العريض في تصوير الفيلم، ليتمتع بصوره اكثر نقاء وقدره علي نقل تفاصيل الكادر باتساعه. اما الموسيقي التصويريه، التي وضعها كوزمو شيلدريك، فكانت لافته باستخدامها اصوات طبيعيه للطيور والضفادع والحشرات، مع مزجها بجمل مبتوره تعزفها الات النفخ الخشبيه والنحاسيه، ضمن هارموني مقبض وكئيب رغم اشراقه، كما يستخدم في الايقاعات اصوات الخبط والارتطام المستمده من الحياه اليوميه. والنتيجه شريط صوتي اخاذ ومثير، والاهم انه مرتبط مباشره بفكره الفيلم، الطبيعه تتحدث عبر الموسيقي. احكام النقاد ليست النهايه ليس غريبا ان ينقسم النقاد حول Digger. فهو لا يقدم تجربه سهله، وغلبت عليه المراجعات السلبيه في الاستقبال الاولي، حيث لم يتخط تقييمه علي موقع Rotten Tomatoes حاجز الـ%60. كثير من المراجعين راوا انه نسخه اضعف من تحفه ستانلي كوبريك Dr. Strangelove، خصوصا في السخريه من السلطه والقرارات السياسيه، التي تقود العالم نحو الفناء. لكن، الناقد جوش لارسين اشار الي نقطه مهمه في مراجعته للفيلم، وهي ان حتي Dr. Strangelove لم يستقبل بحفاوه وقت عرضه! ولم يصل لمكانه التحفه الكلاسيكيه، التي نعرفها اليوم، بل اكتسب مكانته مع مرور الوقت. هذه النقطه لا تعني بالضروره ان Digger سيصبح كلاسيكيه مستقبليه، لكنها تذكرنا بان بعض الافلام تحتاج الي وقت حتي نعرف موقعها الحقيقي، خصوصا عندما تكون شديده الاختلاف عن السائد. ياتي Digger في توقيت لافت ايضا؛ فهو اخر الافلام الكبيره التي تنتجها استوديوهات «وارنر براذرز» قبل وقوعها تحت استحواذ «بارامونت سكايدانس» من خلال الصفقه المثيره للجدل. وفي ذلك انعكاس يحمل بعض الشاعريه. نحكي عن فيلم يقدم نهايه العالم، وياتي هو نفسه كنهايه لهذه الشركه المنتجه العريقه. ختاما، Digger ليس فيلما مصنوعا لكي يرضي الجميع، وربما هذه واحده من اهم نقاط قوته. انه فيلم ياخذ مخاطر حقيقيه علي مستوي الشكل والبناء والاداء، ويضع قضيه المناخ والسياسه ودور الفنان داخل تجربه ميتاسرديه معقده. والاجمل انه فيلم لا ينتهي بانتهاء احداثه، وانما يبدا في العمل داخل ذهنك، وانت تري تترات النهايه.