من تحت الركام الي «ذاكره العالم».. مخطوطات غزه تفوز بجائزه «اليونسكو»

حين تهدم الحرب بيتا، يمكن اعاده بنائه يوما. وحين تتضرر مكتبه، يمكن ان تعود اليها الكتب. اما حين تضيع مخطوطه وحيده، فقد يضيع معها نص لا نسخه ثانيه له، وشهاده لا يستطيع احد استعادتها. من هذه الفكره يمكن قراءه التكريم الذي اعلنته اليونسكو للباحث الفلسطيني في المخطوطات عبداللطيف ابو هاشم والمرممه حنين العماسي، اللذين اختارتهما للفوز بجائزه اليونسكو/جيكجي لذاكره العالم لعام 2026، تقديرا لعملهما في انقاذ التراث الوثائقي المهدد في قطاع غزه. وقد تم اختيار الفائزين من بين 58 ترشيحا قدمتها الدول الاعضاء في اليونسكو. لم تات الجائزه من مشروع يعمل في ظروف طبيعيه، وانما من تجربه بدات تتخذ طابعا طارئا مع اتساع الخطر الذي احاط بالمكتبات والمجموعات الوثائقيه والمخطوطات في القطاع. فقد عمل ابو هاشم والعماسي علي انقاذ مواد تاريخيه من مواقع تعرضت للتدمير، وفي مقدمتها مقتنيات مكتبه الجامع العمري الكبير في غزه. وشملت المواد التي جري انقاذها مخطوطات نادره، ووثائق مكتوبه بخط اليد، ونسخا من القران الكريم، واعمالا تاريخيه. وبعد اخراج المواد من المواقع المتضرره، نقلت الي اماكن اكثر امنا، وبدات عمليات الحفظ والترميم والرقمنه. واستخدمت، في بعض عمليات الرقمنه، تقنيات مسح ضوئي لا تتطلب ملامسه الوثيقه، بما يقلل من احتمال تعرض الاوراق الهشه لمزيد من الضرر. 25 الف صفحه في مواجهه النسيان تكشف حصيله العمل حجم ما كان معرضا للضياع؛ فقد تمكن الباحثان من حفظ ورقمنه اكثر من 258 مخطوطه، بما يقارب 25 الف صفحه. والرقم هنا لا يقاس بعدد الصفحات وحده. فكل مخطوطه تحمل زمنا خاصا بها، ويدا كتبت، وعلما تناقلته الاجيال، وذاكره مدينه تركت اثارها علي الورق. ولذلك فان انقاذ هذه المواد لا يعني حمايه اوراق قديمه فحسب، وانما الحفاظ علي مصادر يمكن ان يعتمد عليها الباحثون في قراءه تاريخ غزه والحياه العلميه والثقافيه فيها. وتزداد اهميه هذه المهمه في حاله المخطوطات التي لا تتوافر منها نسخ متعدده؛ اذ تصبح النسخه التي تنجو من الحرب مصدرا لا يمكن تعويضه بسهوله. ومن هنا تبدو الرقمنه جزءا اساسيا من عمليه الانقاذ. فالنسخه الرقميه لا تحل محل الاصل، لكنها تمنح محتوي المخطوطه فرصه اخري للبقاء، وتوفر امكانيه الوصول اليه ودراسته حتي عندما تكون الوثيقه الاصليه معرضه للتلف. الجامع العمري.. ما بقي من مكتبه كان الجامع العمري الكبير واحدا من المواقع التي ارتبطت بالمهمه، بعدما تعرض لاضرار خلال الحرب. ومن بين ما نجا من مقتنياته مواد مخطوطه ووثائقيه امكن استردادها والعمل علي حفظها. وتكتسب مكتبه الجامع اهميه تتجاوز كونها مجموعه من الكتب والمخطوطات؛ فالمكتبات التاريخيه في المدن الفلسطينيه كانت جزءا من البنيه الثقافيه للمدينه، تحفظ ما انتجه علماؤها ونساخوها وطلابها، وتكشف، عبر ما تحتويه، طبيعه المعرفه التي كانت متداوله في تلك المجتمعات. وعندما تتعرض هذه المجموعات للتدمير، لا تكون الخساره في المبني وحده. ما يختفي قد يكون جزءا من تاريخ المعرفه نفسه. ولهذا تاتي مهمه ابو هاشم والعماسي في منطقه حساسه بين الترميم والبحث والتوثيق والانقاذ. انهما يتعاملان مع ماده لا يمكن فصل قيمتها العلميه عن قيمتها الانسانيه، لان الوثيقه هنا تحمل اثر المكان واثر الاشخاص الذين عاشوا فيه. لماذا «جيكجي»؟ تمنح اليونسكو الجائزه ضمن برنامج «ذاكره العالم»، وهو برنامج انشاته المنظمه لحمايه التراث الوثائقي العالمي، مع اهتمام خاص بالمجموعات المهدده نتيجه النزاعات والكوارث، وتعزيز اتاحتها امام الجمهور والباحثين. وانشئت جائزه اليونسكو/جيكجي لذاكره العالم عام 2004، وتمنح للافراد او المؤسسات او المنظمات غير الحكوميه التي تقدم اسهاما مهما في حفظ التراث الوثائقي واتاحته. وتحمل اسم كتاب «جيكجي»، وهو اقدم كتاب موجود معروف طبع باستخدام حروف معدنيه متحركه، وقد طبع في كوريا عام 1377. ومن اللافت ان الجائزه التي تحمل اسم كتاب نجا من قرون طويله تصل هذا العام الي مشروع يعمل علي انقاذ كتب ومخطوطات تواجه خطرا شديدا في حرب معاصره. في الحالتين، ثمه فكره واحده تجمعهما: المعرفه التي تصل الي الاجيال ليست تلك التي لم تتعرض للخطر، وانما تلك التي وجد من يحميها حين اصبحت مهدده بالاختفاء. رقم قياسي في الترشيحات شهدت دوره 2026 رقما قياسيا من الترشيحات، بلغ 58 ترشيحا رسميا من الدول الاعضاء في اليونسكو، قبل ان تختار اللجنه الاستشاريه الدوليه ابو هاشم والعماسي للفوز بالجائزه. كما ارتفعت قيمه الجائزه الماليه هذا العام الي 40 الف دولار، بعدما كانت 30 الف دولار في الدورات السابقه. ومن المقرر تقديمها خلال افتتاح مهرجان جيكجي 2026 في مدينه تشونغجو الكوريه، بالتزامن مع يوم جيكجي في الرابع من سبتمبر. وياتي فوزهما في سياق تاريخ الجائزه التي كرمت، في دوراتها السابقه، مؤسسات ومشروعات من بلدان مختلفه، من بينها المكتبه الوطنيه في جمهوريه التشيك، والارشيف الوطني الماليزي، والارشيف الوطني الاسترالي، والجامعه الامريكيه في القاهره، والمكتبه الوطنيه الاندونيسيه. انقاذ المخطوطه انقاذا للمدينه تكشف قصه المخطوطات في غزه جانبا من الخساره الثقافيه التي ترافق الحروب، وهي خساره لا تظهر دائما في الصور الاولي للدمار. فالانقاض تري. اما الوثيقه التي اختفت داخل الانقاض فقد لا يعرف احد انها كانت موجوده اصلا. لهذا تبدو مهمه حفظ المخطوطات عملا يتجاوز المهنه. الباحث الذي يبحث عن ورقه وسط الخراب لا يستعيد الماضي من اجل الماضي وحده؛ انه يحاول ان يترك للاجيال القادمه دليلا علي حياه ثقافيه كانت هنا. وما يجعل تجربه ابو هاشم والعماسي جديره بالتكريم ان عملهما لم يتوقف عند انتشال المخطوطات، وانما امتد الي حفظها وترميمها ورقمنتها، اي نقلها من حاله الخطر الي امكانيه البقاء والوصول. انها، في النهايه، معركه اخري تخوضها غزه الي جانب معاركها اليوميه: معركه الا تتحول الحرب الي قطيعه كامله مع ذاكرتها.