ألوان الكذب
نعرف أن للكذب ألواناً.. بلى له ألوان.. لون للحماية.. لون للخلاص.. لون للـ«ترقيع».. لون للتجمّل.. لون للهروب.. لون للاستعطاف.. لون للتبرير.. لون للتلاعب.. لون للمصلحة.. لون للانتقام.. لون لإخفاء النقص.. لون لشهادة الزور.. لون لصناعة صورة براقة.. ولون أخطر من كل ما سبق.. عندما يتحول الكذب من وسيلة يستخدمها الإنسان إلى طريقة يعيش بها. قال لي أحدهم يشكو منها تلك المخادعة.. كم كانت تكذب.. وكنت أضحك وأعلم أنها متلاعبة.. ومع هذا أتجاهل.. أتغابى.. وأستشعر ضعفها فأعطيها ما تريد..! توقفت عند هذا.. الكذب المرضي كما وصفه.. الضعف في أوْجَه .. التحايل كما نسميه.. المربوط بالانتهازية والوصولية والاستغلال.. كل هذا من أجل ماذا؟ لفكرة غبية في رؤوسهم أنهم يحصدون بذاك شيئا ما.. «واو» بالنسبة لهم! كيف سيأخذونه بثمن بخس هو كل حيلتهم.. وللأسف أن ما لا يدركه الكاذب أن اكتشاف كذبته ليس دائما لحظة سقوطه أحيانا نكتشفه مبكرا جدا ونتركه يكمل فقط لنرى إلى أين يستطيع أن يصل. وهنا المفارقة.. يظن أنه أذكى لأنه استطاع أن يأخذ بينما الآخر كان أذكى لأنه عرف وسكت وأعطى عن وعي لا عن غفلة. هناك فرق شاسع بين أن تنجح في خداعي وبين أن أكتشف محاولتك وأقرر ألا أحرجك. وبين أن تصدق أنني صدقتك وبين أنني رأيت في كذبتك ضعفا جعلني أترفّع عن كشفك. ليس كل من سكت مخدوعا وليس كل من أعطى مستغَلا وليس كل من مرّر لك كذبتك لم يرها.. نحن نفعل ما نحن نريد لغاية في نفس يعقوب بما لا يخطر على بالك أنت أيضا.. وكما أسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم.. نسرها ما استطعنا بنية الإصلاح لا إعانة على التمادي. نرى ونعي الكذبة منذ أول ارتباكة من التناقض الصغير.. من المبالغة غير الضرورية.. من التفاصيل التي تُضاف بلا سؤال.. ومن تلك المحاولات المستميتة لإقناعك بشيء لم تطلب أصلا إثباته.. وأحيانا من فلتات اللسان.. من ذلك الجزء من الثانية الذي تتغيّر معه ملامح الوجه أو تتسابق فيه الرمشات أو تتبدّل نبرة الصوت فجأة أو تأتي الإجابة أسرع مما ينبغي أو من دفاع لم يتهمه أحد به. لكننا نفضل أن نتغابى نعم.. والتغابي هنا ليس غباء.. هو مساحة لك لتختار.. إما أن تعود إلى صدقك أو تجني على نفسك أكثر. وأظن أن هذا هو أكثر ما لا يفهمه المتلاعبون.. أنهم يعتقدون أن كل مرة مرّت فيها الحيلة بسلام تُحسب لهم نقطة ذكاء.. ولا يعلمون أنها ربما كانت نقطة تُخصم من رصيدهم في عين من أمامهم. مرة بعد مرة.. حتى يأتي يوم لا يعود فيه هناك شيء يستحق المواجهة. فالكذب يسرق قيمة صاحبه بالتقسيط.. وكثرة التجاوز تُسقط عن المستور نعمة الستر. وأكثر ألوانه إثارة للشفقة ذلك المرتبط بالمصلحة.. حين يتحول الإنسان إلى صياد فرص.. يختلق قصة هنا.. ويستدر عاطفة هناك.. ويتقمص دور الضحية عند هذا والمحتاج عند ذاك والمحب عند ثالث والمخلص عند رابع.. ليس لأنه كل هؤلاء.. هو يحتاج من كل شخص شيئا مختلفا.. إنه لا يبني علاقات.. يبني منافذ. ينظر إلى البشر كوسائط.. من هذا ماذا آخذ؟ ومن ذاك إلى أين أصل؟ ومن الثالث ماذا سيمنحني؟ وأي نسخة مني يجب أن أُظهرها لكل واحد حتى أحصل على مبتغاي؟ والمؤلم أن صاحبه قد يشعر بالنشوة كلما نجحت إحدى حيله.. حتى يموت قلبه حرفيا.. وكأنه يحقق انتصارا عظيما ويأخذ شيئا بثمن بخس ولا يعرف أنه دفع من كرامته. وهذه تحديدا عقلية الفقر التي لا علاقة لها بالمال.. أن ترى المكسب في الشيء الذي استطعت أخذه ولا ترى الخسارة في الطريقة التي اضطررت أن تنحدر إليها حتى تأخذه. فالإنسان الممتلئ لا يحتاج أن يتحايل ليُعطى.. لا يستجدي مكانته بقصة ولا يسرق اهتماما بكذبة ولا يصنع لنفسه قيمة وهمية ولا يتلون بحسب ما يريد الحصول عليه. أما الجائع.. فحتى لو امتلأت يداه يبقى ينظر إلى ما في أيدي الآخرين.. ويرضيه أن يتصدقوا عليه. لذلك فإن الكذب هو إعلان غير مباشر لعجز صاحبه عن الوصول إلى ما يريد بشخصيته الحقيقية.. وكأنه يقول لك دون أن يدري أنا كما أنا لا أعتقد أنني كافٍ للحصول على ما أريد لذلك سأختلق نسخة أخرى مني. والصدق يحتاج شجاعة.. لأنك تظهر به كما أنت وتطلب كما أنت وتتحمل احتمال أن يُقال لك: لا. أما التحايل فيبحث عن طريق خلفي لا يمر بمسؤولية المواجهة. وإلى أي حد اضطر أن يصغر من نفسه حتى يعتقد أن هذه الحيلة الصغيرة كانت طريقه الوحيد ليأخذ شيئا متوقعا لو طلبه بصدق. المضحك حقا أن بعض الأشياء التي يكذب الناس للحصول عليها كنا سنمنحهم إياها بمحبة لو أنهم طلبوها فقط ولهم فيها استحقاق.. لكنهم اختاروا الحيلة.. فأخذوا الشيء وخسروا مكانتهم. وهذه صفقة لا يعقدها إلا من لا يعرف قيمة الأشياء.. أو يتعمد الإيذاء. وأما أخطر ألوان الكذب هي أن يكذب الإنسان حتى يصدق نفسه.. وذاك موضوع آخر. وأنا لا أكره كل الكذب.. فكلنا يضطر إليه.. وأضع تحت يضطر عشرة خطوط. لِمَ؟ لأن منه التورية.. ومنه ما يُقال دفعا لضرر.. ومنه ما يحفظ معه ماء الوجه.. ومنه ما نلجأ إليه لأن الحقيقة في لحظة ما قد تكون أقسى من أن تُقال كما هي. ومن يقول إنه لم يكذب في حياته فهو كاذب.. ومن منا المنزّه؟ من من الأمهات لم تدافع عن ابنها بكذبة؟ ومن منا لم يُخفِ حزنا وقال: «أنا بخير» حتى لا يقلق من يحب؟ ومن لم يجامل خاطرا حتى لا يكسره؟ ومن لم يتحايل على سؤال لأنه لا يريد كشف سر ليس من حق سائله معرفته؟ ومن لم يقل لطفل شيئا كاملا رحمةً بعمره الصغير؟ ومن لم يبتلع حقيقة في مجلس لأن قولها سيشعل فتنة لا داعي لها؟ نحن لا نعيش في عالم نستطيع فيه أن نكون كما نود أتقياء أنقياء طوال الوقت. حتى الصمت أحيانا نصف حل والتورية نصف نجاة والمجاملة قد تحمل شيئا من الكذب وإخفاء بعض الحقائق لا يعد خيانة لمن أمامك. فمشكلتنا لا بالكذب مشكلتنا مع الدافع وراءها. هناك من يكذب ليحمي وهناك من يكذب ليؤذي.. من يكذب ليستُر ومن يكذب ليفضح غيره ويستر نفسه.. من يكذب لأنه خائف ومن يكذب لأنه طامع.. من يكذب مرةً للخلاص من مأزق ومن يصنع المآزق أصلا ثم يبني فوقها أكاذيب أخرى.. ومن يتورّى حتى لا يجرحك ومن يتلاعب حتى يستغلك. وهكذا تختلف ألوان الكذب.. ووحدات قياسها.. لماذا قيلت ومن سيدفع ثمنها؟ وليست سواء كذبة أمّ تحاول حماية صغيرها وكذبة انتهازي يريد الوصول إلى جيبك أو مكانتك أو عاطفتك.. وليست كذبة إنسان أخفى وجعه حتى لا يحمّلك إياه ككذبة شخص أخفى حقيقة لأنه يعلم أنك لو عرفتها لما منحته ما يريد. الأولى قد يكون خلفها خوف أو رحمة أو ضعف إنساني نفهمه.. أما الثانية فخلفها حساب. وهنا تبدأ مشكلة الكذب حين لا يعود مخرجا بل يصبح مدخلا.. مدخلا إليك.. إلى ثقتك.. إلى شيء يعرف صاحبه يقينا أنه لو جاءك بوجهه الأخير ونيته الحقيقية قد يفوته قد يُحرَم منه. عندها لا نعود أمام شخص اضطر إلى الكذب.. نحن أمام شخص اختار الكذب أداةً للوصول. والفرق بينهما عندي شاسع لأن الأول هرب بالكذبة من موقف أما الثاني فقد جاء بالكذبة إليك قاصدا ليوهمك. وأكثر ما يخيفني فيها ألوان الكذب سوادها.. ذلك اللون الذي يبدو بريئا جدا في بدايته حتى تكتشف أن صاحبه لم يكن يستغفلك ليستدرجك فحسب.. كان يخفي نيّته. فهلّا نتوب؟