اقتلوا الاثرياء!

في الرابع من ديسمبر عام 2024 قتل رئيس تنفيذي لاحدي شركات التامين الصحي امام فندق هيلتون في وسط مانهاتن، بعد ايام تم القبض علي الشاب لويجيني مانجيوني، الذي اعترف فيما بعد بقيامه بقتل الرئيس التنفيذي. المثير في القضيه هنا ان لويجيني قد جاء من خلفيه اجتماعيه ميسوره الحال، فهو خريج جامعه مرموقه، ولم يكن ينطبق عليه النموذج التقليدي للشخص المدفوع بالفقر او بالياس الاقتصادي لارتكاب جريمته. اخذت قضيه مقتل الرئيس التنفيذي لشركه التامين الصحي، فيما بعد، بعدا اعلاميا واجتماعيا، حيث جاء التعاطف مع لويجيني عبر منصات التواصل كبيرا، وكانت الحادثه قد تزامنت مع غضب امريكي كبير من شركات التامين الصحي، خاصه ما يتعلق منها بارتفاع التكاليف وبيروقراطيه الاجراءات ومشاكل اخري، ولتتحول فيما بعد قضيه لويجيني لتصبح نقاشا مفتوحا حول النظام الراسمالي وعدم المساواه، وربط ذلك بالرعايه الصحيه، وبالطبع التامين الصحي. عبر التاريخ كانت مساله التفاوت الطبقي قضيه تثار عند كل حادثه يتجسد فيها مثل هذا التفاوت، فاغلب الثورات حملت شعار تراكم الثروات الهائله، مقابل الفقر او تراجع الخدمات، واصبحت الثوره ضد الاثرياء عنوانا بارزا منذ الثوره الفرنسيه وحتي جيل زد، الذي حمل شعار «اقتلوا الاثرياء»، في رده فعل راديكاليه تعبر عن غضب من تراكم الثروه والنفوذ لدي فئه صغيره. ليس كل صاحب ثروه ظالما، ولا كل غني يتحمل مسؤوليه الخلل في بنيه المجتمع وتفاوت الدخل فيه، فالمشكله ليست في ثراء البعض، بل في غياب الفرص امام قطاعات كثيره في المجتمع. وهو بالتحديد ما اصبح العالم يشهده اليوم، حيث تحتكر الفرص والنفوذ والثروات فئه صغيره جدا من المجتمع البشري، في الوقت الذي تسود العالم موجات جوع وفقر، تتراجع فيها مؤشرات العداله في التوزيع والفرص والثروه. الكل اليوم يتحدث عن ثروه ايلون ماسك، التي شارفت التريليون دولار، والمشكله هنا ليست في ايلون ماسك، ولا في حقه بجمع ثروته، وانما بما اصبح يشكله ارتفاع حصته مقارنه بما يحصل عليه مئات الملايين من الناس، سواء في امريكا او في العالم. والسؤال هنا عما اذا كان من حق ايلون ماسك ان يكون ثريا، يقابله تساؤل عن حق المجتمع في ان يكون متجانسا الي حد مقبول ومعقول. فكما يحتاج اقتصاد اي دوله الي اثرياء، يحتاج كذلك الي طبقات اخري تضمن التوازن، وتمنع الخلل، وترسخ مفهوم عداله التوزيع، وبشكل يضمن استقرارا نسبيا للجميع. لا شك بان التفاوت الكبير في الثروات لا يقتصر اثره علي القدره الماليه فقط، بل يتجاوزها ليصبح قدره علي المعيشه بشكل افضل، والتعليم بشكل جيد، والرعايه الصحيه بصوره مميزه، بمعني اخر من يملك الثروه يملك الحق في حياه افضل واكثر رفاهيه واستقرارا، ومعها يصبح التفاوت هنا ليس تفاوتا في الدخل فقط، بل في فرص الحياه بشكل عام. موجه الاحتجاجات الرقميه، التي تبناها جيل زد وغيره من الاجيال الافتراضيه، تدور في فلك هذه المشكله. فحين رفع جيل زد وجيل ميمز وغيرهما شعار «اقتلوا الاثرياء»، لم يكونوا يقصدون القتل الفعلي، وكما فعل مانجيوني، وانما في ضروره اصلاح فجوه لم تحدث في التاريخ البشري، جعلت 99% من دخل العالم في قبضه اقل من 1% من سكان الارض، في الوقت الذي تعاني فيه اغلبيه سكان الارض شحا وظيفيا، وقصورا في التامين الصحي، وضبابيه في المستقبل الوظيفي. اليوم وفي ظل استيلاء ميزانيات الحروب والسلاح علي الحصه الاكبر من الميزانيات، تصبح قضيه التفاوت الطبقي واختلال ميزان العداله في اغلب المجتمعات البشريه بارزه وخطيره، والخوف كل الخوف من ان يتحول «اقتلوا الاثرياء» من شعار الي فعل. سعاد فهد المعجل