المعلم الكبير والتلميذ النجيب

في كويت الماضي الجميل، كانت بين نواخذتها الكرام علاقه تنساب كالموج في هدوء البحر، علاقه ابويه جميله بين النوخده المعلم الكبير، الذي كان يحمل في قلبه كنوز التجربه، وبين النوخده المتعلم المبتدئ، الذي طرق باب التجربه حديثا، ويسعي بشغف الي طلب المعرفه واثبات نفسه، حيث كانت الحياه علي متن السفن البحريه الكويتيه المنطلقه بين الشواطئ هي المدرسه الكبيره، يمثل فيها النوخذه المعلم دور الموجه والمرشد؛ الذي يغرس في نفوس المتعلمين من بحارته مبادئ واخلاق هذه المهنه الصعبه الشاقه، فيزرع في نفوسهم قيم: الصبر والوفاء والتضحيه والحكمه والمروءه، وغيرها من القيم النبيله التي لا يستغني عنها من يركب البحر ويصارع الامواج، فكانت هذه العمليه التربويه التعليميه دائمه ومستمره ومتواتره بين نواخذه الكويت وبحارتها علي متن جميع السفن الكويتيه، ومن بين القيم الجميله، التي يرتكز عليها نجاح هذه العمليه القيميه؛ قيمتان كبيرتان: الاولي: سعه صدر وصبر النوخذه المعلم، والثانيه: فطنه المتعلم وقدرته علي التعلم واداره الامور. وقد ضرب اهل الكويت الكرام اروع الامثله في تحقيق هذه القيم التربويه الجميله، ومن بين المواقف، التي تبرهن علي ذلك، موقف النوخذه عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان مع النوخذه احمد السبيعي رحمهما الله تعالي، والذي رواه النوخذه احمد السبيعي بنفسه في مقابلته التلفزيونيه مع العم المؤرخ سيف مرزوق الشملان، وفيه يقول: «كان عمري انذاك ثمانيه عشره عاما، عندما توسم في النوخذه الكبير عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان رحمه الله تعالي خيرا، واسند لي مشكورا مهمه قياده البوم «تيسير»، والبوم «تيسير» من اشهر واكبر سفن العثمان، بل ان صح القول فانه من ضمن اكبر سفن الكويت في ذلك الوقت، وقد ادرك النوخذه عبدالوهاب العثمان شغفي الي قياده البوم «تيسير»، وقدرتي بفضل الله تبارك وتعالي علي قيادته رغم صغر سني، فطلب مني ان ابحر الي «البصره» لتحميل التمر، ومن ثم استئناف الرحله الي الهند لبيعه هناك، لكنه اشترط علي الخروج من خلف جزيره «عوهه»؛ بعيدا عن سواحل الكويت، حتي يضمن ان يكون منسوب مياه البحر عاليا ومناسب لعبور البوم «تيسر»، وذلك حرصا منه علي ان يكون البحاره والبوم في امان من ايه مخاطر. وقد كنت اتفهم جيدا حرص النوخذه عبدالوهاب العثمان رحمه الله تعالي علي العبور من خلف جزيره «عوهه» (حفاظا علي سلامه البحاره وسلامه البوم «تيسير»)، ولكن حماس الشباب، وتمكني من ادوات القياس البحريه، وتاكدي من معرفه ارتفاع منسوب المياه؛ حيث اننا كنا في ايام «حمل» (هي ايام معروفه لدي البحاره، يكون فيها المد كبيرا، ويكون الجزر في حاله انحسار، فيصبح التيار المائي قويا)، وكان اتجاه الرياح مناسبا لخروجنا من السواحل الكويتيه بسهوله، وقد هيا الله سبحانه وتعالي لي كل تلك الظروف والاسباب الملائمه حينها؛ فاتخذت القرار بالعبور بالقرب من سواحل الكويت، وتحديدا بالقرب من جزيره «فيلكا»، وقد استغرب البحاره الذين معي علي متن «تيسير» هذا القرار المفاجئ، والذي كان دربا من دروب المخاطره من وجهه نظرهم، الا انني كنت متمكنا من ادوات القياس، ومتاكدا ايضا من ان عمق المياه في ذلك الوقت كاف جدا لابحار البوم بامان دون ايه مخاطر باذن الله تعالي، لاسيما ان هذا القرار سوف يوفر علينا مده لا تقل عن اسبوع كامل او يزيد من الوقت، الذي كنا سنستغرقه لو سلكنا الدرب الذي حدده لي النوخذه عبدالوهاب العثمان بالقرب من جزيره «عوهه»، فتوكلت علي الله تعالي، وسلكت هذا الطريق القريب، ولله الحمد والمنه وصلنا «البصره» بسلام وامان. وتشاء اراده المولي سبحانه وتعالي ان نتواجه في طريقنا مع بعض السفن الكويتيه القادمه الي الكويت بالقرب من «الفاو» قبل وصولنا الي «البصره»، وذلك بعد عبورنا بالبوم «تيسير» بالقرب من سواحل جزيره «بوبيان»، فعندما قدموا الي الكويت اخبروا العم عبدالوهاب العثمان انهم شاهدوا البوم «تيسير» علي مقربه من «الفاو» قادما من اتجاه جزيره «بوبيان»، لم يصدق النوخذه عبدالوهاب روايتهم في بدايه الامر، واخبرهم ان البوم «تيسير» سيكون عبوره بعيدا عن شواطئ الكويت، وتحديدا بالقرب من جزيره «عوهه»، ولكنهم اكدوا له انهم واجهوني انا وبحارتي، وسلموا علينا، واعطوه من العلامات والدلائل ما يؤكد صدق روايتهم، وانه بلا ريب البوم «تيسير»، وانني من اقوم بقيادته، فتعجب النوخذه عبدالوهاب العثمان عندما سمع منهم ذلك، وتاكد بما لا يدع مجالا للشك ان الخبر صحيح، وارجا الامر لحين ان نلتقي سويا في «البصره» ليعلم مني مباشره اسباب هذا القرار المفاجئ ودوافع هذه المغامره. وبعد وصولنا بسلامه الله تعالي الي «البصره» بايام قليله، وصل العم عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان رحمه الله تعالي، وتواجهت معه وسلمت عليه، بعدها مباشره سالني عن الطريق الذي سلكته عند الخروج من الكويت، فقلت له مباشره: «عمي.. يري الحاضر ما لا يري الغائب، اعذرني يا عمي كانت المياه عاليه، والرياح علي كيفنا، والامور علي ما يرام، فعبرت من صوب (بوبيان)»، هنا ابتسم العم عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان رحمه الله تعالي ابتسامته المعهوده، وذلك اقرارا منه لما فعلت، وقد لمحت خلف تلك الابتسامه اقتناعه بكلامي وموافقته الضمنيه علي ما قمت به، وسعادته التي حاول اخفاءها بان خرج من تحت يديه نوخذه بهذه السن، يتحمل مثل هذه القرارات الحاسمه، والتي تعد في ذلك الوقت قرارات مصيريه، لا يستطيع البت فيها الا النواخذه الكبار اصحاب الخبرات الكبيره، ولكن توفيق المولي سبحانه وتعالي هو الذي هيا لي الامر، واعانني علي اتخاذ القرار، وان رزقني نوخذه حكيما متسامحا مثل النوخذه الكبير عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان رحمه الله تعالي، فجزاه الله تعالي عني خير الجزاء، انا وكل من تتلمذ علي يديه، وهذا فضل الله تعالي يؤتيه من يشاء». ومن الجدير بالذكر ان النوخذه عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان رحمه الله تعالي من نواخذه الكويت الكبار اذا عدوا، فهو نوخذه حاذق ماهر شجاع، واما علي الجانب الانساني فمن المعلوم والمتواتر ان النوخذه عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان رحمه الله تعالي كان يعتز كثيرا ببحارته، ويحمل نفسا انسانيه محمله بالوفاء والاعتراف بالجميل، ومن اقواله الماثوره، التي يمدح فيها رجاله من بحاره الكويت، الذين ركبوا معه في البوم «تيسير»؛ بل انه كان يتحدث عن جميع بحاره الكويت، حين قال كلمته الجميله للاخ الفاضل د. يعقوب يوسف الحجي (وقد اوردها في كتابه: «نواخذه السفر الشراعي في الكويت»): «لا تنس البحاره، هم اهل امانه وذمه وصلاح وصدق، يفنون انفسهم في سبيل سفينتهم وكانها حلالهم.. لهم الشهاده والحق.. اهل صدق ووعد، لا يتاخرون عن موعد السفر، تراهم دائما علي اتم الاستعداد للسفر، ودائما هم مخلصون.. لهم الفخر دائما، نقول ذلك امامهم وفي غيابهم.. وحين جربنا غيرهم عرفنا فضلهم اكثر». وهكذا ترك لنا النوخذه عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان رحمه الله تعالي، من خلال هذا الموقف النبيل وتلك الكلمات الجميله، ماثر وعبرا تكتب بماء الذهب، فكان رحمه الله تعالي نعم المعلم الحكيم المتسامح، وسجل بافعاله واقواله دروسا رائعه في فنون القياده الحكيمه والاخلاق الانسانيه الراقيه، وعلي الجانب الاخر تركت اخلاق المتعلم الفطن والتلميذ النجيب النوخذه احمد السبيعي رحمه الله تعالي بصماتها الطيبه، وبرهنت علي اهميه الفطنه والمهاره والاستثمار الامثل للظروف في ظل القياده الحكيمه والتفاهم الواعي مع القائد. رحمهم الله تعالي جميعا رحمه واسعه هم وامثالهم من اهل الكويت الكرام، واسكنهم جنات النعيم، جزاء ما تركوه لنا من ارث طيب نفتخر به، ونستقي من نفحاته نحن واجيالنا القادمه العبره والعظه النافعه المفيده. د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي