عام دراسي جديد و«أدبيات» اليوم التالي
من حسن الطالع أنني وجدت أمامي هذا الكم الهائل من الأفكار التي تتوالد في لحظة وتتغير في جزء من «الفيمتو ثانية» وأنا أعد لكتابة هذا المقال الذي تتزامن إعداداته مع حلول عام دراسي جامعي جديد، فالمعلومات المتلاحقة والأفكار الخلاقة لا تولد عمداً بقدر ما نجدها بيننا حقيقة دامغة، تتحدث معنا وتلاطفنا، تدفعنا إلى التفكير وتغيرنا، وتطرح أمامنا الأسئلة فتظل الأجوبة معلقة حتى إشعار آخر. من حسن الطالع أيضاً أن هذا المقال قد جاء والعالم كله ومنذ «طوفان الأقصى» يتحدث عما أطلق عليه المحللون بـ«اليوم التالي»، وهو ما يعني الأمل بالقادم مهما تعكرت الأجواء، وتهدمت البيوت والأسواق، ومهما خلفت من ضحايا بشرية وخسائر في المقدرات والممتلكات وشتى مظاهر الحياة. عام دراسي جديد ينطلق من دون تحفظ، يحكي فيه الأكاديميون عن شكل وطبيعة الآليات المتسارعة التي ستنقل العلوم والفنون والآداب من عصر إلى آخر، ومن عقلية منضبطة عقارب ساعتها على التاريخ القريب، إلى ميزان إلكتروني حساس يقيس السرعة بالتقدير، والحجم بالعين المجردة، والمكانة بما ينجزه العقل البشري في زمن قياسي جديد. ومن حسن الطالع كذلك أن توقيت هذا المقال قد جاء متواكباً مع إصدار كتاب يحمل اسمي ورفيق الدرب الأستاذ الدكتور فؤاد شهاب، أستاذ الذكاء الاصطناعي والعلاقات الدولية بالجامعة الأهلية، حول الجامعة التي نريدها، رؤية لمستقبل التعليم العالي في عالم متغير. وأحمد الله وأشكر فضله أن توقيت إصدار هذا الكتاب قد جاء ونحن نعد العدة للتعامل مع عام دراسي جديد يحمل من شجن أحداث «العطلة الصيفية» أكثر مما كنا نتوقعه حول كل ما يقال عن «استراحة المحارب» أو تلك التي تروج لها الشاشات «فاصل ونعود». العطلة الصيفية كانت استعداداً لعقول لا تنام، وعيون لم يغمض لها جفن، وقلوب مؤمنة بأن الاستراحة القصيرة أو الطويلة مهما كان زمانها أو مكانها أو طبيعة الاستعدادات الخاصة بها، إلا أنها كان يجب أن تضع في اعتبارها ديمومة «اليوم التالي» وتواصله معنا وتزامله مع أفكارنا ونحن نبدأ العام الدراسي الجديد والوطن بأكمله يعاني من أكثر من حرب، الخليج والشرق الأوسط، حرب غزة وحرب أميركا - إيران وبالعكس. موقف العرب الذين تدور على أراضيهم حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وتخترق أجواءهم صواريخ ومسيرات وطائرات عملاقة تهدد وتتوعد وتتجسس ونحن نقف كمتفرجين لا حول لنا ولا قوة، هكذا كان المشهد، وتلك كانت الأحداث ونحن على مقربة من عام دراسي جامعي جديد. «اليوم التالي» لا يمكن التفكير فيه على قاعدة «إعادة الإعمار» أو تقسيم الغنائم، أو فتح المضيق نزولاً عند رغبة دول المنطقة المتوترة دائماً، بل على أساس القناعة التي تولد، والرؤية التي تكشف، والحقائق التي ينبغي الأخذ بها. هذا العام هو عام الأسئلة الكبرى، وتلك اللحظة بالذات هي التوقيت المناسب للمكاشفة، للتواصل عبر آليات الكشف العميق، والبحث الأكثر قدرة على الاستنجاد بالتاريخ، ولكن ليس على حساب الاستعانة بالمستقبل، هذا ما يؤشر إليه الكتاب الذي صدر حديثاً حول «الجامعة التي نريدها»، وهي جامعة لا بد أن تكون مستعدة لتغيير العقل الجمعي الأكاديمي أكثر من إجراء أي تعديل في المناهج أو المقررات، وهذا العقل الذي لم يخضع لأي تقييم في بلادنا أصبح يحتاج وأكثر من أي وقت مضى إلى إعادة نظر، بالتحديد إلى ما يسمى بـ«الآي كيو»، والذي وضع حداً للذكاء الإنساني لا يتجاوز الـ160 درجة وفقاً للتقديرات التي خضع لها عقل أنبغ العلماء «آينشتاين»، والذي حصد الـ160 درجة كاملة. بكل تأكيد نحن لا نمتلك خوارزميات ذلك التقييم، ولا ندعي بأننا خلال فصل دراسي مقبل يمكننا أن نخترعه وسط هذا الكم الهائل من المشاغل المرتبطة بالإعدادات والتجهيزات المتعلقة بالتهيئة الأكاديمية وما يتبعها من مناهج شديدة التحالف مع احتياجات المرحلة، وكثيرة الهمس من وراء حجاب. إنها اللحظة الفارقة بين أحداث حدثت، وعلوم تغيرت، وتقديرات اختلفت، وأولويات تبدلت. التقييم للقدرات سوف تكون له مكانة تحت شمس الدراسات المتخصصة على الأقل في جامعتنا الأهلية، علاوة على تلك البرامج التي تطورت بفعل الخلطة السحرية الجامعة ما بين النظرية والتطبيق، أو ما بين الاجتزاء للمعلومات والتجريب من أجل تحويلها إلى واقع على الأرض. «اليوم التالي» هو الأمل في التغيير، أن نكون أمة أفضل علمياً حتى نستطيع مواجهة التحدي الذي خرج من دون إذن بعد طوفان الأقصى وصولاً إلى حرب «العلوم» والتكتيكات العسكرية والتقنيات الرقمية في معارك الإثني عشر يوماً ثم الأربعين يوماً، و.. من يدري؟!