تَلٌّ وكُتُب
على ذاك التل الصغير، حيث يتوقف الزمن هناك إجلالا للسكينة والهدوء، تتدفق الطمأنينة وسط صمت المكان، وتنساب الهموم بعيدا خلال الدروب الضيقة، لتصل إلى محيط النسيان، في هذه الأرض، حيث لا كدر، ولا صخب، فقط أنت وذاتك، حيث ذاكرتك أكثر ما يخون طمأنينتك، وأكثر ما يُقلق رخاؤك! في المرحلة الثانوية، توثقت علاقتي به، حين نبذت كتب المقرر، وخلقتُ لي مقرر خاص أقرأه بجانبه، ربما تعجب من قولي هذا، وتسأل: أي جنون وصلت إليه هذه؟ سأخبرك أنني لم يروقني المقرر فأخترتُ_ عوضا عنه_ كتب الأدب، وأصول الفقه، وبعض كتب التاريخ، ألصقت فكري بالثقافات والأديان الأخرى، وطفت البلاد البعيدة من خلال الصفحات، في الخفاء كنتُ أعيش وسط عقول الشعراء و العباقرة، وحين أخرج للناس أخرج وأنا تلك الفتاة التي ما زالوا يعتقدون أنها مجرد اسم في سجلات المصحة، إن أضطرَّتهُم مهاراتي لطلب مساعدة مني في الرسم، أرى الحذر في تعاملهم معي، كنت أقرأ خوف الأمهات من تأثيري السلبي على بناتهن، يبررن ذلك بأني أخوض في حديث لا ينبغي الخوض فيه، لتخبرنهن إذاً: أني لا أُرغمهن على الجلوس، ولا أملك شغف مجالستهن أساسا؛ لأني أكاد أفقد ذاتي بينهن، يأتين فأبصر تصرفات ترهقني، فأعود لعزلتي وأنا مطمئنة النفس؛ لأني أدركت _ يقينا_ ليس هناك ما فاتني؛ فالبشر ما زالوا كما هم، مجرد أُذُن تصغي لما يألفونه، لا إلى الحقيقة، يختزلوك فيما سمعوا عنك، ويعاملوك على أنه حقٌ محض، أصبحوا كأنهم يعاملون كيانا ضبابيا، وَجَبَ الحذر منه، كانت جلسة واحدة معهم كفيلة بأن تريق أملي في أن أشعر أني فتاة طبيعية، فتاة حُقَّ لها أن تُعامل ككيان إنساني حساس يُحترم، لا أن يُحْذَرُ منه كأنه أجرم سابقا!في عزلتي أُعيد ملء ما أُريق مني، لا أعلم لمَ هذا الإصرار على أني سأمكثُ عُمُرا بين ممرات التهميش! أخترتُ الصمت، وانزويتُ للظلِ، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. في خلوتي كنتُ أقرأ كثيرا، رسمتُ كثيرا، تأملت سير العظماء، قرأت كل ما سقط في يدي من كتب علم النفس، كنت أبحث عن نفسي بينها، علني أجد تشخيصا يريحني، كنت أتساءل: هل أنا فعلا مجرد عقلية حالمة؟ تعيش في واقع لا يَسْعِف حلمها، أم أن لقصتي بقية؟