العادات والتقاليد.. بين الذاكره والوصايه

ما اكثر ما نستدعي «العادات والتقاليد» في تعاملاتنا اليوميه، كاننا نستحضر نصا واحدا محكما، لا اختلاف فيه ولا تعدد، ولكن هذا الاستدعاء - علي شيوعه - يخفي قدرا كبيرا من التبسيط، فالعادات ليست كتله صماء، ولا ارثا جامدا يتوارثه الناس علي هيئه واحده، بل هي نسيج طويل من التجارب واختلاف البيئات والازمنه، تتشكل في البيوت والفرجان والاسواق والبحر والصحراء، ثم تتبدل كما تتبدل الحياه نفسها. وهذا ما يستدعي التوقف عنده، وادراك ان المجتمع الواحد لا يملك عاده واحده في كل شان. ففي الكويت القديمه، لم تكن شرق مثل جبله، ولا المرقاب كغيرهما، لا في بعض مفردات اللهجه، ولا في مخارج الحروف احيانا، ولا في تفاصيل المعيشه اليوميه كذلك. وما يبدو اليوم تفصيلا صغيرا لا يستحق الالتفات اليه، كان في حقيقته شاهدا علي تنوع داخلي عميق، بل ان طبقا مالوفا مثل «مجبوس الدجاج» يكفي احيانا ليكشف ان البيوت لا تتشابه كما نظن، فلكل بيت مذاقه، ولكل اسره طريقتها في اعداد الوصفه وحفظها وتوارثها جيلا بعد جيل. وما ينبغي ان ندركه ايضا ان ما يراه جيل خروجا علي المالوف، قد يغدو عند جيل اخر امرا طبيعيا لا يثير الدهشه. ولناخذ بدايات التعليم النظامي في الكويت مثالا، فمع تاسيس المدرسه المباركيه عام 1911، لم تكن كل المعارف الحديثه مقبوله بالسهوله، التي نتصورها اليوم. كانت بعض العلوم، كالجغرافيا والرياضيات، بل فكره كرويه الارض نفسها، مثار اخذ ورد في المجتمع المحلي، ولا سيما في بعض البيئات المحافظه دينيا. ومع الزمن، لم تعد تلك المعارف تهديدا للعادات او خروجا عليها، بل اصبحت جزءا من تكوين الانسان والمجتمع، وهذا وحده كاف لان يعلمنا شيئا من التواضع قبل ان نحاكم كل جديد بمنطق الخوف، او نخلط بين صيانه المجتمع واغلاق ابوابه. ان الخطر اليوم لا يكمن في اختلاف الناس، بل في نزعه بعضهم الي تحويل عادته الخاصه الي معيار عام. فقد اعطت وسائل التواصل الاجتماعي والهاتف الذكي كل فرد منبرا، ومنح الغضب سرعه لم تكن له من قبل. يلتقط احدهم مشهدا عابرا، او يقتطع صوره من سياقها، ثم ينصب نفسه حارسا علي الاخلاق العامه، كان المجتمع كله مطالب بان يعيش وفق عاده بيته، او ذوق اسرته، او حدود تجربته الشخصيه. ومع تنامي هذه الظاهره، يتضح ان جانبا واسعا من هذا الخطاب يقوم علي خلط عميق بين العادات والتقاليد من جهه، وبين الاخلاق والفضيله العامه من جهه اخري. فبعض من يرفعون شعار المحافظه علي المجتمع لا يدافعون دائما عن قيمه جامعه، بل عن المالوف الخاص بهم، وعن الصوره التي يعرفونها وحدها للحياه، ولانهم قليلو الاطلاع علي تنوع البيئات واختلاف الثقافات وتعدد طرائق العيش داخل المجتمع الواحد، فانهم يميلون الي اعتبار ما الفوه هو الصواب المطلق، وما عداه خطا او انحرافا او خروجا علي الاخلاق. وهنا تكمن المشكله، اذ تتحول العاده الخاصه الي فضيله عامه، ويتحول اختلاف الناس الطبيعي الي ماده للادانه، كان المجتمع لا يتسع الا لصوره واحده من السلوك والذوق والمعيشه. طارق عبدالله العيدان