حالة غريبة!

شهدت الكويت في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك اعتداءً صاروخياً إيرانياً وبالمسيرات، وكالعادة دون مراعاة لجيرة أو مناسبة دينية. وهذا الحادث يسبّب قلقاً واسعاً في دول الخليج بسبب ما تمثله من تهديد للأمن والاستقرار في المنطقة وهي (مو ناقصة)، ويكفي تداعيات مضيق هرمز.
وهذا العدوان (الذي تكرر على الكويت فجر أمس) يزيد التطور الخطير في وقت يعيش فيه الخليج حالة غريبة! لا هي حرب شاملة ولا سلام كامل، حيث تستمر التوترات والمخاوف من أي تصعيد مفاجئ. وفي مثل هذه الظروف، تبرز أهمية التعاون بين دول الخليج في المجالات الأمنية والدفاعية، وتبادل المعلومات بشكل أكبر، مع الاستمرار في الجهود الدبلوماسية بالتنسيق مع أميركا والدول الكبرى لخفض التوتر ومنع تفاقم الأزمات.
كما يبقى الحفاظ على أمن المنشآت الحيوية والملاحة البحرية أولوية أساسية لضمان استقرار المنطقة وحماية مصالح شعوبها. واذا ركزنا على الكويت بشكل عملي فدائماً المهم هو رفع مستوى الجاهزية الأمنية والعسكرية، وحماية الموانئ والمطار ومحطات الكهرباء والمياه والمنشآت النفطية، والتركيز على زيادة التنسيق مع دول مجلس التعاون والشركاء الدوليين في مجال الدفاع الجوي والإنذار المبكر، مع تكثيف المراقبة البحرية والجوية.
وعلى الصعيد الداخلي ضمان استمرارية الخدمات الأساسية وسلاسل الإمداد و المخزون الإستراتيجي للمواد الأساسية وخطط الطوارئ لضمان استمرار الحياة اليومية بصورة طبيعية حتى في ظل التوترات الإقليمية.
وفي السياق المتأرجح ذاته، كتبت مقالة في شهر أبريل الماضي وكانت بعنوان (خدعة دبلوماسية!) وما يحصل حالياً يؤكد ما ذكرته بتلك المقالة، ومنها باختصار أن ما بين إيران والولايات المتحدة الأميركية مهلة ولكن لا يسعى كل طرف بالضرورة إلى الحرب المباشرة، بل إلى تحقيق مكاسب عبر الضغط والمناوشة والتفاوض وكسب الوقت، أي كوسيلة أو كأداة صراع وليس حلاً نهائياً! لأن في كل مرة تُعلن فيها «مهلة» جديدة يتشكل انطباع أولي بأن المنطقة تتجه نحو التهدئة، لكن القراءة الأعمق والفهم الأدق تكشف أن هذه المهلات ليست سوى أدوات لإدارة الصراع لا حله، إذ تُستخدم كمساحة زمنية لإعادة ضبط التوازنات وامتصاص الضغوط والبحث عن عناصر القوة لكل طرف وتلافي عناصر الضعف، وذلك دون تقديم تنازلات جوهرية أو سلام دائم في المنطقة، ولا يسعى كل طرف بالضرورة إلى الحرب المباشرة، بل التعامل معها على أنها خيار تكتيكي من الجانب الأميركي ويحقق لها أهدافاً عدة في آن واحد، وهي تتجنب الانخراط في الحرب المباشرة الشاملة لأنها مكلفة سياسياً وعسكرياً إلى جانب إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، وهو ما يمنحها مرونة في التصعيد أو التهدئة بناءً على تطور المصالح.
وفي المقابل، تنظر إيران إلى هذه المهلات ضمن إطار إعادة توزيع القوة حيث لا تسعى إلا إلى كسب الوقت فقط مستفيدة من شبكة نفوذها غير المباشر في المنطقة ومنها الميليشيات الموالية لها، وهي تحاول إرسال رسائل ضغط متعددة المستويات دون الدخول في مواجهة تقليدية شاملة، وبالتالي تتحول هذه المهلة إلى ساحة صراع تُدار فيها الرسائل السياسية والعسكرية بين الطرفين.
فإن أحد السيناريوهات القوية أن يتم الاستمرار في المنطقة الرمادية إن جاز التعبير حيث يتم تمديد المهلة بشكل متكرّر مع الحفاظ على مستوى منخفض من التوتر والتلاعب الدبلوماسي والعسكري يسمح لكل طرف بالحفاظ على صورته أمام شعبه دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وأنا أضيف على كل ما سبق بضرورة المرونة الاقتصادية والتعامل مع التقلب في مضيق هرمز واستخدام شبكة نقل بديلة و حماية مصالح الخليج العربي ودولة الكويت من أي صراعات أو سياسات متداخلة أو خطابات لمصالح معينة مع الحفاظ على النظرة الإستراتيجية والخطاب الإعلامي المتزن. وعمل سيناريو لكل حدث متوقع حتى يسهل الحذر منه وعمل الإجراء المناسب. والله عز وجل المعين في كل الأحوال.