گوداوا: اسطورههای پیشینیان

تاريخ الشعوب غني بمجموعة كبيرة من الأساطير التي تُعد جزءاً من الذاكرة الشعبية. وفي الكويت، وبسبب حداثة الدولة، لا تزال أساطيرنا حية أمام أعيننا، سواء تلك المرتبطة بـ«مقام الخضر» في فليكا، أو قصص الخروف المسلسل، والحمار القائل، والطنتن، التي كان آباؤنا يخوفوننا بها، وغيرها من الحكايات الفولكلورية التي غالباً ما تندثر مع هجمات باتمان والألعاب الإلكترونية على الهواتف والأجهزة اللوحية آيباد. كما كانت «سيرة الزير سالم» تشتهر في اليمن، واشتهرت في مصر حكايات أبو زيد الهلالي، والسيرة الهلالية، والندامة، وأمنا الغولة، وأبو رجل مسلوخة. كما يثقل تاريخ بريطانيا، التي حكمت يوماً ثلثي اليابسة وكل مياه البحار، عبء كبير من الأساطير والحكايات الشعبية، منها قصة الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة، وروبن هود، والملك كانوت الذي أمر بمنع ارتفاع المد، وجميعها تقريباً مزجت الحقيقة بالخيال، وهذا كثيراً ما يشوش الحقائق التاريخية الفعلية ويثير الحيرة. من أكثر الأساطير البريطانية إثارة وانتشاراً، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولأسباب معروفة، أسطورة «الليدي غوديفا»، التي تمثل قمة التضحية النبيلة والمقاومة السلمية، والتي استولت على خيال العامة، خاصة الرجال، لقرون عديدة. وهي قصة تمزج بين الحقائق التاريخية والزخارف الإبداعية. تقول الأسطورة: إن الليدي غوديفا انزعجت من الضرائب الباهظة التي فرضها زوجها الحاكم، خلال القرن الحادي عشر، على أهالي كوفنتري، التي أصبحت لاحقاً مقراً لكبير أساقفة الكنيسة الإنجليزية. استجاب الزوج أخيراً لتوسلات زوجته، بشرط قبولها أن تجوب شوارع «كوفنتري» عارية تماماً على ظهر حصان. قبلت غوديفا التحدي، ودفعها ذكاؤها لإصدار مرسوم يقضي ببقاء جميع المواطنين في منازلهم في ساعة محددة، وإغلاق نوافذهم في ذلك اليوم. ثم رمت حصانها، عارية إلا من شعرها الطويل الشهير الذي غطى جسدها، وبدأت تجوب شوارع المدينة، في جو صامت تماماً. أعجب زوجها بذكائها وشجاعتها وإخلاصها لشعبها، وأوفى بوعده وألغى الضرائب الباهظة عنهم. نتج عن تلك الأسطورة لاحقاً شخصيات أخرى بقيت راسخة في الذاكرة حتى اليوم، منها شخصية «توم المتلصص»، الذي كان خياطاً، ولم يستطع، على عكس أهل بلدته، مقاومة النظر إلى السيدة غوديفا الجميلة وهي عارية، وكيف أدى ذلك إلى إصابته بالعمى بسبب سوء فعلته. لا يوجد في السجلات التاريخية ما يؤكد صحة الرواية، رغم صحة شخصياتها. فأول رواية مكتوبة عن قيام الليدي غوديفا بالظهور عارية تماماً، ظهرت في سجلات «روجر من ويندوفر»، وهو راهب في دير سانت ألبانز، عاش بعد غوديفا بمئات السنين. لكن كوفنتري لا تزال تحتفل بارتباطها بالليدي غوديفا من خلال التماثيل والاحتفالات والمواكب السنوية، مظهرةً فخرها المدني بامرأة يبدو أنها كانت شخصية تاريخية بارزة. وبغض النظر عما إذا كانت قد قامت برحلتها الشهيرة أم لا، فقد كانت سيدة قوية استمر إرثها الخيري حتى في خضم اضطرابات الغزو النورماندي الفرنسي. * * * استغل صانع شوكولاتة بلجيكي شهرة اسم «غوديفا» واطلقه على أحد منتجاته، وكان ذلك قبل 200 عام بالتمام. توسع المصنع منذ ذلك اليوم وأصبحت منتجاته تصنع في دول عدة، منها تركيا، التي استحوذ لاحقاً صاحب مصنع فيها على كامل ملكية شركة غوديفا. أحمد الصراف