حافظه مطبوعاتی کویت آخرین اخبار
annaharمحلی نوشتهٔ عادل بدوي

أحمد الملا: توليت مهمة تجميع ما تبقى من القوة البحرية في أعقاب الغزو

أحمد الملا: توليت مهمة تجميع ما تبقى من القوة البحرية في أعقاب الغزو

على مدى 36 عاما ارتبط الغزو في ذاكرة الكويتيين بصور الدبابات التي اجتاحت الحدود، وبطولات المقاومة على الأرض، ثم بمشهد التحرير الذي أعاد للوطن نبضه. لكن بعيدا عن اليابسة، كانت هناك معركة أخرى موازية تدور رحاها فوق صفحة مياه الخليج، معركة لا تقل خطورة ولا أهمية، شاركت فيها القوات البحرية الكويتية التي أعادت تنظيم صفوفها في المنفى، ثم عادت لتقاتل ضمن قوات التحالف من أجل استعادة السيادة على مياه الوطن قبل أن تكتمل عملية التحرير. هذا الحوار مع الفريق بحري متقاعد أحمد يوسف الملا، قائد القوات البحرية الكويتية خلال مرحلة الغزو والتحرير، لم يكن مجرد استعادة لوقائع عسكرية موثقة، بل رحلة في كواليس صنع القرار، وفي تفاصيل لم تروَ كثيرا عن إعادة بناء القوة البحرية، والتنسيق مع قوات التحالف، وعمليات تحرير الجزر والمنصات البحرية، ومواجهة حقول الألغام، وأول الأسرى العراقيين في حرب «عاصفة الصحراء». امتد اللقاء لساعات، وتجاوز الحديث ما لا تسعه صفحات النشر الصحفي، إذ تنقل الفريق الملا بين ذاكرة القائد الذي خطط وأدار العمليات، ومشاعر الإنسان الذي ما زال يستحضر أسماء الشهداء ورفاق السلاح، واستعاد مواقف تختلط فيها قسوة الحرب بمعاني الوفاء والانتماء. في السطور التالية، لا يروي الفريق أحمد الملا تاريخ القوات البحرية الكويتية فحسب، بل يقدم شهادة من عاش الأحداث من قلبها وشارك فيها، ويكشف جانبا أقل تداولا في ملحمة التحرير، ليذكرنا بأن استعادة الكويت لم تُحسم على البر وحده، وإنما كان للبحر أيضا رجاله، ومعاركه، وتضحياته التي تستحق أن تُروى. وإلى تفاصيل الحوار. - قبيل الغزو، كيف كانت طبيعة عمل القوات البحرية الكويتية وعلاقتها مع نظيرتها العراقية؟ - كانت علاقتنا جيدة مع القوات البحرية العراقية، ونظرا للحرب الطويلة التي كانت تخوضها العراق مع إيران، المعروفة بـ«حرب السنوات الثماني»، وفي إطار دعم القوات العراقية، كان هناك تنسيق واتفاق يقضي بابتعاد قواتنا عن مناطق العمليات في خور عبد الله وجزيرة بوبيان وغيرها من المناطق المشتركة بيننا وبين العراق، باعتبارها منطقة حرب. وفي شهر يونيو 1990 ذهبت بتكليف رسمي إلى العراق، وتحديدا إلى أم قصر، للتفاهم معهم والتأكيد على السيادة الكويتية في تلك المناطق، وبيّنت لهم سبل الدعم والمساندة البحرية، لكن من دون أي تفريط أو تهاون في الحدود والسيادة الكويتية على مياهها الإقليمية. وكان ذلك آخر لقاء لنا مع البحرية العراقية قبل الغزو. - وكيف كان رد البحرية العراقية على رسالتكم والزيارة؟ - قالوا إن لديهم بعض التخوف والقلق من عودة العمليات العسكرية مع إيران مرة أخرى، ولذلك يتمركزون في تلك المناطق البحرية المشتركة. لكنني أكدت لهم أن الكويت تدعمهم في مواجهة إيران، وأن البحرية الكويتية ستتوخى الحذر، وستسهم في تأمين المنطقة، وبالفعل كنا نقدم لهم دعما مباشرا. - وماذا كان رد القيادة العسكرية والسياسية في ذلك الوقت؟ - ارتأت القيادة أن نبتعد قليلا عن المنطقة لفترة مؤقتة، حتى تعيد القوات العراقية تنظيم أوضاعها، وتنجز عمليات تطهير المنطقة من الألغام. - أين كنتم عندما بدأ الغزو العراقي فجر الثاني من أغسطس 1990؟ وما أول قرار اتخذتموه في تلك الساعات الحاسمة؟ - كنت خارج الكويت، أقضي شهر العسل في لندن. وبصفتي مدير العمليات البحرية آنذاك، كنت أتابع الأخبار والتطورات أولا بأول. وفي مساء الأربعاء الأول من أغسطس، تواصلت مع أحد الزملاء في القوة البحرية، وأبلغته بأن ما تبثه شبكتا BBC وCNN يشير إلى وجود تحركات مقلقة على الحدود، واحتمال وقوع هجوم على الكويت، لكنه هوّن من الأمر، وقال إنها مجرد مناوشات ولن يحدث شيء. وفي صباح الخميس الثاني من أغسطس، اجتاحت القوات العراقية الكويت بهجوم مباغت احتلت فيها الكويت وعلى إثرها حجزت أول رحلة من لندن إلى البحرين، ومن هناك استعنت ببعض الأصدقاء، وأخذت سيارة وانطلقت إلى الرياض، حيث التقيت رئيس الأركان والملحق العسكري هناك، وبدأت مباشرة الانخراط في إدارة العمليات. - متى وصلتم إلى الرياض؟ وهل تم استدعاؤكم أم كانت مبادرة شخصية بصفتكم مدير العمليات البحرية؟ - تحركت من دون أي استدعاء، ووصلت إلى الرياض تقريبا يوم 7 أغسطس. تأهيل القوات - متى بدأتم مباشرة العمل؟ - كنت أقدم ضابط بحري موجود خارج الكويت وقت الغزو، وتوليت في تلك المرحلة مهمة تجميع ما تبقى من القوة البحرية الكويتية التي تمكنت من الخروج عقب الغزو. فبعض الأفراد توجهوا إلى البحرين، وآخرون إلى المنطقة الشرقية في السعودية، وآخرون إلى أماكن مختلفة. وكانت المهمة الأولى تتمثل في تجميع الزوارق والمعدات البحرية والضباط والأفراد، وخلال تلك المرحلة وجدنا دعما غير محدود من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وقياداتهم. - ما أبرز التحديات التي واجهتكم في جمع شتات القوة البحرية؟ هل كانت في المعدات والعتاد أم في الروح المعنوية للأفراد؟ - كل خطوة كانت تمثل تحديا كبيرا. وكانت المهمة الأولى هي تجميع القوة البشرية من أماكن وجودها في السعودية والبحرين والإمارات ومصر، كما أوضحت للقيادة السياسية ضرورة استدعاء الأفراد لسد النقص في أطقم قيادة وتسليح الزوارق التي خرجت من الكويت أثناء الغزو. لقد خرجنا من الكويت بزورقين وسفينة إسناد كانت تتبع خفر السواحل، ثم أُعيد تأهيلها وتحويلها إلى الخدمة ضمن القوات البحرية. وكانت هذه القطع البحرية مرهقة، ولا تمتلك أي قطع غيار أو إمكانات صيانة، لأن جميع هذه الإمكانات كانت موجودة في القاعدة البحرية داخل الكويت. إخواننا في المملكة العربية السعودية لم يقصروا معنا، لكن طبيعة الزوارق وقطع الغيار ومنظومات الصيانة هناك كانت تختلف عن الموجودة في الكويت. ومن حسن الحظ أن البحرية البحرينية كانت تستخدم الزوارق نفسها الموجودة لدينا، ولذلك استطعنا تجاوز مشكلة قطع الغيار والصيانة الفنية. وفي البحرين بدأنا إعادة تأهيل المعدات، وتجميع الأفراد، ورفع معنوياتهم، والاهتمام بعائلات الضباط وصف الضباط والفراد الموجودين في البحرين، حتى يتفرغ الجميع لأداء اعمالهم على الزوارق، ثم بدأنا بالتجهيز والاستعداد لعمليات التحرير. دعم البحرين والسعودية - ماذا تتذكرون عن موقف مملكة البحرين وقيادتها في دعم البحرية الكويتية؟ وكيف انعكس ذلك على جاهزية القوة؟ - علاقتنا بمملكة البحرين علاقة أخوة صادقة، وكذلك علاقتي الشخصية بقائد البحرية البحرينية، اللواء يوسف مال الله واللواء الشيخ محمد بن عيسى آل خليفة أسهمتا بصورة كبيرة في تسريع عملية إعادة التأهيل واستعادة الروح المعنوية والجاهزية القتالية لدى جميع الأفراد. والتقيت آنذاك بولي العهد، جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، الذي أصدر تعليماته إلى جميع القيادات العسكرية، ولا سيما قيادة البحرية، بتقديم كل أشكال الدعم للقوات البحرية الكويتية. وقد تكفلت البحرين بتوفير الفنيين وقطع الغيار وأعمال الصيانة، وكان لذلك أثر بالغ في إعادة بناء قواتنا البحرية. - متى التحقت القوات البحرية الكويتية بقوات درع الجزيرة الخليجية؟ - جاء التنسيق والالتحاق بقوات درع الجزيرة في مرحلة لاحقة، لأن دول الخليج في ذلك الوقت لم تكن تمتلك قيادة بحرية مشتركة. كانت هناك تدريبات مشتركة وتنسيق، لكنه لم يكن على مستوى قيادة عملياتية موحدة كما هو الحال في القوات البرية. قوات درع الجزيرة تمثل تجميع للواجب للقوات البرية لدول مجلس التعاون، لأن دول الخليج في ذلك الوقت لم تكن تمتلك قيادة بحرية مشتركة. كانت هناك تدريبات مشتركة وتنسيق، لكنه لم يكن على مستوى قيادة عملياتية موحدة كما هو الحال في القوات البرية. وبعد سلسلة من الاجتماعات والتنسيق الخليجي، أُنشئت القوة البحرية الخليجية المشتركة عام 2015 تحت اسم «قوة الواجب البحري 81»، (GCC-TF81) واتخذت من البحرين مقرا لها. - كيف وازنتم بين الحماس لتحرير الوطن وضرورة الالتزام بالتخطيط العسكري الدقيق؟ - لحسن الحظ، ساعدتنا الظروف على إعادة تأهيل الزوارق بفضل الدعم المباشر الذي قدمته البحرين، وكان لذلك أثر كبير على المستويين الفني واللوجستي. أما على المستوى المعنوي، فقد كنت حريصا على التواصل المباشر مع الضباط والأفراد، وكنت موجودا معهم على رأس العمل طوال أربع وعشرين ساعة، في التدريب والتوجيه وعلى متن القطع البحرية. وكانت مسؤوليتي كقائد أن أحقق التوازن بين الحماس الوطني والانضباط العسكري. عاصفة الصحراء - كيف جرى التخطيط لدمج البحرية الكويتية ضمن قوات التحالف؟ وما الذي مثلته هذه الخطوة لكم؟ - كانت تربطني علاقات جيدة بالقوات الأميركية الموجودة في البحرين، وكنا نعقد اجتماعات تنسيقية بشكل مستمر، لكن مرحلة الدمج والعمليات المشتركة بدأت في شهر سبتمبر، أي بعد نحو شهر ونصف من الغزو. بعد ذلك صدرت التعليمات من وزير الدفاع آنذاك، المغفور له بإذن الله الأمير الشيخ نواف الأحمد، وكان موجودا في الطائف، بتكليفي بقيادة القوات البحرية الكويتية في الخارج، ومنذ تلك اللحظة بدأت الأمور تأخذ طابعا رسميا، وكان ذلك في نهاية شهر سبتمبر تقريبا. وبعد تعييني قائدا للقوات البحرية الكويتية في الخارج، عقد في البحرين مؤتمر لقوات التحالف برئاسة نائب رئيس الأركان الكويتي الفريق جابر الخالد الصباح وأُعلن خلاله أن القوات البحرية الكويتية، بكل إمكاناتها، ستكون ضمن هيكل عمليات «عاصفة الصحراء» تحت قيادة الجنرال نورمان شوارزكوف، وكنا نحن القوة العربية الوحيدة التي تعمل مباشرة تحت القيادة الأميركية. - شاركت البحرية الكويتية ضمن مجموعة الواجب (KILO)، فما أبرز المهام التي كُلفتم بها؟ - لكي نشارك مع القوات الأميركية في العمليات القتالية، كان لا بد أولا من التأهيل الفني والعملياتي، ثم الدخول في مرحلة التدريب المشترك. لذلك قضينا أشهر الغزو السبعة ننتقل من مرحلة إعداد إلى أخرى، حتى وصلنا إلى الجاهزية الكاملة، كما قمنا بتجنيد وتدريب نحو 160 متطوعا كويتيا، معظمهم من الطلبة والمعلمين والموظفين، وتلقوا تدريبهم الكامل في البحرين، وكانوا نواة لسرايا المشاة البحري الكويتية ضمن القوة المشاركة في العمليات. وتكونت مجموعة الواجب (KILO) من ثلاث قطع بحرية كويتية، هي زورقا الصواريخ وسفينة الإسناد، إلى جانب ثلاث سفن أميركية، ثم بدأت العمليات بالتقدم شمالا والتمركز في حقل مرجان داخل المياه السعودية، بالقرب من حقل اللؤلؤ الكويتي، وقد اختير هذا الموقع بين الحقول النفطية لصعوبة اكتشاف تحركات مجموعة كيلو بين حقول النفط في المياه الدولية. الأسرى العراقيون - حدثنا عن عملية تحرير منصات حقل الدرة، وما الذي جعلها محطة مهمة في العمليات البحرية؟ - كانت القوات البحرية العراقية تتمركز في حقل الدرة، الذي يبعد نحو 40 إلى 50 كيلومترا عن نقطة تمركز قواتنا. بدأنا بعمليات الاستطلاع، وجمع المعلومات عن طبيعة مواقع العدو ومصادر دعمه، وكنا نعقد اجتماعات يومية مع القيادات الأميركية والقيادة العسكرية الكويتية في السعودية لتقييم الموقف، ثم أعود إلى موقع تمركز القوة لإصدار الأوامر. وكانت أهمية حقل الدرة تكمن في أنه يمثل اول نقطة تمركز بحرا للقوات العراقية، توزعت على أربع منصات نفط مجهزة لإطلاق الصواريخ، ولذلك بدأنا التخطيط للهجوم عليه مع انطلاق الحملة الجوية في 17 يناير 1991. وكانت البداية الفعلية عندما تعرضت إحدى السفن الأميركية لهجوم بصاروخ عراقي، وكنت موجودا على متنها مع قائد مجموعة كيلو الأميركي في ذلك الوقت. وفي الليلة التالية راجعنا الخطة، ونفذنا الهجوم على منصات حقل الدرة، التي كانت تضم مدافع وصواريخ مضادة للطائرات، وتحظى بحماية ودعم قوات خاصة عراقية متمركزة في جزيرة قاروه. هاجم الزورق استقلال والطائرات العامودية الاميركية الموقع بالمدفعية والصواريخ، وتمكنا من تدميره بالكامل، وأسرنا نحو 26 عسكريا عراقيا، بينهم ضباط، فيما بلغ عدد القتلى العراقيين ضابط وأربعة أو خمسة جنود. - كيف تمت معاملة الأسرى العراقيين؟ - تمت معاملتهم معاملة إنسانية راقية، بل بما يفوق ما تنص عليه الاتفاقيات الدولية. وكانت تعليماتي واضحة بعدم الخروج عن الانضباط أو الإساءة إلى أي أسير. كانوا يعانون الجوع ونقص الإمدادات، فقدمنا لهم الطعام والشراب، كما عاملتهم القوات الأميركية معاملة حسنة، وبعد استجوابهم، باعتبارهم أول أسرى حرب في عملية «عاصفة الصحراء»، نُقلوا إلى معسكرات الأسرى في المملكة العربية السعودية، بعد مصادرة أسلحتهم وتطهير المنطقة من الألغام. - هل لفت نظركم شيء في اعترافات الأسرى العراقيين؟ وهل شعرتم أنهم كانوا مجبرين على تنفيذ الأوامر رغم عدم اقتناعهم باحتلال الكويت؟ - لدي رؤية مختلفة في هذا الجانب. فقد كنت موجودا على متن السفينة الأميركية، واستمعت شخصيا إلى إفادات الأسرى العراقيين. الأفراد العاديون لم تكن لديهم معلومات مهمة، أما الضباط، فإلى جانب تنفيذهم الأوامر العسكرية، لمست لديهم حالة من الضغينة والحقد تجاه الكويت، نتيجة الشحن الإعلامي الذي سبق الغزو، والذي وفر مبررات نفسية للقوات العراقية للتعامل بقسوة مع الكويت والكويتيين. - بعد تطهير حقل الدرة والتمركز فيه، ما طبيعة المهمة التالية لمجموعة الواجب «KILO»؟ - تم الهجوم على جزيرة قاروه في 24 يناير، حيث كانت تتمركز فيها القوات الخاصة العراقية. ومع الموجة الأولى من الضربات، فرّت تلك القوات وتركت أسلحتها، فنزلنا إلى الجزيرة، ورفعنا علم الكويت فوقها، لتصبح أول أرض كويتية تتحرر قبل عمليات الاجتياح البري الاميركي- البريطاني في تحرير الكويت كاملة بنحو شهر. الألغام البحرية - ما أبرز التحديات والصعوبات التي واجهتكم في عرض البحر؟ - كانت الألغام البحرية التي زرعها العراقيون من أكبر التحديات، وكانت على شكل قوس من الحدود السعودية الكويتية مرورا حول المياه الدولية لدولة الكويت حتى مدخل خور عبدالله. شملت حقول الغام وخطوط الغام تنوع من ألغام قاعية وطافية وإرساءيه في متوسط العمق. ان المواصفات الفريدة للزوارق الكويتية جعلها تبحر فوق حقول الالغام، وتتولى مع القوات الخاصة الاميركية مهام الكشف وفتح معابر وممرات بحرية وتأمينها باستخدام غواصات صغيرة خاصة قبل عبور السفن الأميركية، نظرا لأن غاطس الزوارق الكويتية اقل من ثلاثة أمتار، الذي جعلها قادرة على الابحار بسلام طوال فترة عمليات عاصفة الصحراء. وكما هو ثابت في التاريخ، وخلال تقدمنا شمالا، تعرضت السفينة البرمائية الهجومية الأميركية «يو إس إس تريبولي» (USS Tripoli LPH-10) للارتطام بلغم بحري عراقي في 18 فبراير 1991، ما أحدث فجوة كبيرة في بدنها قُدرت بنحو 6 × 9 أمتار، ما اعاقها عن مواصلة أداء مهمتها وانسحبت لتخضع لاحقا للإصلاح. بعد تحرير الكويت شكلت القوات الاميركية قوة بحرية متعددة الجنسيات، للكشف وتطهير الالغام تتكون من قانصات وكاسحات الغام ومروحيات ومعدات كشف قاعية وفرق خاصة للتخلص من الالغام، من تسع دول بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وتشمل المملكة المتحدة وفرنسا والمانيا واليابان وهولندا وبلجيكا وايطاليا والبحرية الكويتية. وتمكنوا من التخلص من 1283 لغم بحري خلال 7 شهور بعد تحرير الكويت، واستمرت فرق التخلص من الالغام من القوة البحرية في التعامل مع حالات الغام فردية حتى نهاية سنة 2008. - هل مررتم بلحظة شعرتم فيها أن الخطر كان أقرب من أي وقت مضى؟ - شعرت بالخطر في مرحلتين. الأولى أثناء وجودنا في البحرين، حيث كنا في مرحلة التدريب مع القوات الاميركية، ولم تكن لدينا حماية كاملة سوى التأمين الذي وفرته القوات البحرينية داخل ميناء سلمان. لذلك اتخذت موقعا خاصا لتدريب القوات، وإجراء الاتصالات، وعقد الاجتماعات مع الجانب الأميركي، وعرض الخطط، وكنت متخوفا من أي اختراق أمني في تلك المرحلة تتعرض فيها الزوارق لاي اعتداء يمنعها من الدخول عمليات عاصفة الصحراء. أما اللحظة التي شعرت فيها بالخطر الحقيقي، فكانت عندما كنت على متن سفينة الاسناد «الدرر»، بعد تحرير جزيرة قاروه، وأثناء توجهنا إلى جزيرة أم المرادم. وكانت التعليمات تقضي بعدم التحرك ليلا لتجنب الاصطدام بالألغام الطافية. وبينما كنت في غرفتي، جاءني قائد السفينة وأبلغني بأنه يسمع صوت لغم طافٍ يرتطم بجسم السفينة، ولم يكن بإمكاننا استخدام أي إضاءة بسبب اتخاذ حالة العتمة التامة على القطع البحرية. فأصدرت التعليمات بالتعامل فورا، وذلك بنزول أفراد القوات الخاصة الاميركية، فقاموا بسحب اللغم بعيدا عن السفينة يدويا قبل تفجيره. فاللغم الطافي يعمل بطريقة تجعل احتكاكه بجسم السفينة بقوة يكسر أحد القرون ويؤدي ذلك إلى تسرب المادة الكيميائية على المتفجرات داخل اللغم فيحدث الانفجار الذي يتسبب بغرق السفينة لكن الله سبحانه وتعالى حفظنا وسلمنا من ذلك الخطر. - هل هناك موقف إنساني أو قصة لأحد رجال البحرية ما زالت عالقة في ذاكرتكم حتى اليوم؟ - من أكثر المواقف إيلاما استشهاد الضابط جمال السلطان، حيث أطلق النار عليه أحد الجنود العراقيين داخل القاعدة البحرية الكويتية وتركه ينزف حتى استشهد أمام أعينهم بدم بارد، ثم دُفن داخل القاعدة مع شهداء آخرين، وبعد فترة من الغزو اكتُشفت مقبرة جماعية في القاعدة البحرية. ومن الذكريات المؤلمة أيضا، أسر الشهيد الرائد محمد الرميضين، الذي تعرض للتعذيب ثم قُتل أمام منزله وعلى مرأى ومسمع من أبنائه. ومن المواقف التي لا أنساها أبدا، أننا أقمنا عام 1998 عرضا عسكريا بحضور ذوي الشهداء والأسرى والمفقودين من منتسبي القوات البحرية الكويتية، وكان عرضا مؤثرا للغاية، امتزجت فيه دموع أهالي الشهداء باستحضار بطولات أبنائهم وذكرياتهم. كما دعونا في العرض نفسه المتطوعين الكويتيين الذين كان لهم دور كبير خلال عمليات عاصفة الصحراء، فقد تمركزوا في الجزر المحررة قاره وام المرادم، واستمروا مرابطين لمدة شهرين بعد التحرير، وكانت تجمعنا بهم ذكريات ومواقف إنسانية لا يمكن أن تُنسى. - عندما وطئت قدمكم أرض الكويت بعد التحرير، ما أول مشهد لن تنسوه؟ وكيف كان شعور القائد والإنسان في تلك اللحظة؟ - شعور لا يمكن وصفه. ولم نرسُ في القاعدة البحرية بالقليعة لأنها كانت مفخخة بالكامل، ولذلك نزلنا يوم 28 فبراير في نادي رأس الأرض بالسالمية، برفقة مجموعة من القوات الخاصة الأميركية. وكانت أمامنا مهمة إنسانية كبيرة، إذ كُلفت السفينة الكويتية «الدرر» بقيادة اللواء خالد الكندري بنقل المواد الغذائية من البحرين إلى الأسر الكويتية مرات عدة. أما أنا، فبحكم مسؤولياتي وضرورة وجودي مع القوات الأميركية، كنت أزور والدي ووالدتي -رحمهما الله- لفترة قصيرة جدا، ثم أعود مباشرة إلى موقع عملي. ترسيم الحدود البحرية - لفت نظري في سيرتك العامرة أنك كنت عضوا في لجنة الحدود الكويتية بوزارة الخارجية خلال الفترة من 2008 إلى 2014، فدعني أسألك: هل الحدود البحرية الكويتية آمنة؟ - دعني أوضح نقطة مهمة. فالقوة البحرية في أي دولة هي الجهة المسؤولة عن ترسيخ السيادة على المياه الإقليمية، وأي قرار أو مرسوم سياسي يصدر بشأن ترسيم الحدود البحرية تتولى القوات البحرية تنفيذه. ولا توجد لدينا اليوم مناطق بحرية متنازع عليها مع دول الجوار، لكن ينبغي أن ندرك أن كل دولة قد تنظر إلى مفهوم السيادة من زاويتها الخاصة. ونحن لا نسعى إلى الصراع مع دول الجوار، وإنما نتمسك بسيادتنا وفق القرارات والقوانين الدولية. والكويت دولة مسالمة برا وبحرا وجوا، وحتى إذا وُجدت اختلافات في وجهات النظر، فإننا نحرص على معالجتها بالحوار، لا بالصراع. - بعد التحرير وحتى نهاية خدمتكم في البحرية الكويتية، هل كانت هناك لقاءات مع البحرية العراقية؟ وكيف أصبحت العلاقة بعد سقوط نظام صدام حسين؟ - بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، قامت الأمم المتحدة بترسيم الحدود بين الكويت والعراق، باستثناء الجزء الأخير، الذي يمتد لنحو 40 كيلومترا، بسبب تداخل المياه الإقليمية، وتركت معالجته للتفاوض بين البلدين. وخلال عامي 2006 و2007 كانت العلاقات مع البحرية العراقية جيدة، والتقيت قائد البحرية العراقية الجديد آنذاك، بتكليف من القيادة السياسية، للتوصل إلى حل توافقي. وفي عام 2008 وقعنا بروتوكول تعاون وتفاهم يقوم على تجاوز الماضي وبناء علاقة قائمة على التعاون المشترك. وعسكريا وفنيا وقانونيا، تم التفاهم على ما تبقى من موضوع الحدود البحرية، أما الجوانب السياسية والإعلامية فكانت سببا في استمرار التأجيل والمماطلة. وللأسف، قامت العراق لاحقا بتعليق هذا البروتوكول من جانب واحد، بعد نحو خمسة عشر عاما من التفاهم والاستقرار. - ما الخطأ الذي تعتقد أنه وقع في هذا الملف ولم تكن مقتنعا به؟ - أرى أن الكويت تساهلت في دعم إخراج العراق من الفصل السابع لقرارات مجلس الأمن، فكان من الاولى انهاء جميع الامور العالقة، خصوصا ترسيم الحدود البحرية لما بعد النقطة 162 سياسيا، مع ان الترتيبات التي تمت بين البحرية الكويتية والبحرية العراقية في بروتوكول المبادلة الأمني لسنة 2008, حدد فيه خط الوسط الفاصل لحدود مسئوليات كل دولة على مياها لما بعد النقطة 162 في خور عبد الله بموافقة الطرفين. دروس - ما أهم الدروس التي ينبغي أن نتعلمها من تجربة الغزو والتحرير؟ - الدرس الأول أن بناء الإنسان وتأهيله نفسيا أهم من شراء المعدات العسكرية، فالمعدات يمكن شراؤها في أي وقت، أما إعداد الإنسان فيبدأ منذ الصغر، من البيت والمدرسة، ثم يستكمل داخل المؤسسات العسكرية. أما الدرس الأهم، فهو أن قوة الدولة لا تُقاس بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بمنظومة متكاملة تشمل القوة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والمعلوماتية، والتكنولوجية، والبيئية، والبنية التحتية. والمهم كيف نجعل كل هذه القدرات تعمل في منظومة واحدة، وتحت قيادة واحدة، فلا يمكن لأي دولة أن تكسب حربا، أو حتى تدير شأنا داخليا أو إقليميا أو دوليا بنجاح، من دون وحدة الصف ووحدة القيادة. وأقول للجميع: «من دون استعداد لا يمكن أن تخطو خطوة واحدة.» ومن أكبر الأخطاء التي وقعنا فيها، وكانت أحد الأسباب الجوهرية لغزو الكويت، أننا لم نكن مستعدين، بل كانت التعليمات تقضي بعدم استفزاز العراقيين. الاستعداد يمنع الحرب، أما عدم الاستعداد فيمنح العدو الجرأة على إشعالها. - من بين الأوسمة والتكريمات العديدة التي حصلتم عليها، أيها الأقرب إلى قلبكم؟ - حصلت على تسعة أوسمة من القيادات الأميركية خلال فترة الغزو وخدمتي في البحرية الكويتية، لكن أكثرها اعتزازا بالنسبة لي وسام الاستحقاق الدفاعي، وهو أعلى وسام يُمنح لضابط من خارج الولايات المتحدة الأميركية، وقد تسلمت نفس الوسام مرتين من قائد القوات البحرية الأميركية، ثم من رئيس الولايات المتحدة. ويبقى وسام تحرير الكويت هو الوسام الذي أعتز به أكثر من غيره، إلى جانب أوسمة عديدة حصلت عليها من البحرين والسعودية وعدد من الدول الشقيقة والصديقة. - في ختام هذا اللقاء، كيف تنظرون إلى مستقبل التوتر في الخليج، في ظل الصراع الدائر حول إيران ومضيق هرمز؟ - الحرب بدأت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ونحن لا علاقة لنا بها. أما الذريعة الإيرانية بشأن وجود قواعد أميركية في دول الخليج، فهي -من وجهة نظري- غير مبررة، لأن الولايات المتحدة موجودة في مواقع كثيرة، وإذا كانت إيران تريد استهداف القوات الأميركية، فلديها خيارات أخرى. ومنذ بداية التصعيد، رأينا أن معظم العمليات انعكست آثارها على دول الخليج، وهو ما يثير كثيرا من التساؤلات. في المقابل، كانت المطالب الأميركية واضحة، وتتمثل في منع البرنامج النووي الإيراني، والحد من الصواريخ بعيدة المدى، ووقف التدخلات الإيرانية في المنطقة. لكن الإيرانيين نقلوا المواجهة إلى ملف مضيق هرمز، ثم انتقل الحديث لاحقا إلى مضيق باب المندب، في إطار توسيع أوراق الضغط. ومن وجهة نظري، فإن أخطر سيناريو يجب الانتباه إليه هو احتمال التفكير في استهداف إحدى دول الخليج برا، ولذلك فإن الاستعداد، والتنسيق، وقراءة المؤشرات مبكرا، تظل أمورا في غاية الأهمية. وأنت سألتني قبل قليل عن الدروس المستفادة من غزو الكويت، وهنا أستحضر ما فعله صدام حسين عندما أكد قبل الغزو أنه لا ينوي مهاجمة الكويت، ثم نفذ الغزو بعد أيام قليلة. ولهذا أقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، ويجب أن ننتبه جيدا لأي خداع استراتيجي قد يحيط بنا.

آخرین اخبار منبع اصلی مهم‌ترین اخبار امروز کویت
لینک کپی شد ✓