حافظه مطبوعاتی کویت آخرین اخبار
annaharدیدگاه‌ها نوشتهٔ سعدون مطلق السوارج

الطريق الذي صنع الحضارة الخليج بين ذاكرة التاريخ وقانون العالم الجديد (1-2)

لم تبدأ الحضارات الكبرى عندما امتلك الإنسان الثروة فقط، بل عندما امتلك الطريق الذي يصل به إلى العالم. فالتاريخ لا يحفظ المدن التي شُيدت وحدها، وإنما يحفظ الطرق التي جعلت تلك المدن تتبادل المعرفة والتجارة والثقافة، لأن الطريق كان دائمًا أكثر من مساحة للعبور؛ كان شريانًا تنتقل عبره الحضارات من عصر إلى عصر. ومنذ أن عرف الإنسان البحر، لم تكن الممرات البحرية مجرد خطوط على الخرائط، بل كانت جسورًا بين الشعوب، تحمل السفن فوق مياهها السلع والأفكار والخبرات. ولهذا فإن قراءة البيان المشترك بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والاتحاد الأوروبي، الذي أكد حرية الملاحة ورفض فرض أي قيود أو تصاريح أو رسوم على العبور في مضيق هرمز، لا ينبغي أن تقف عند حدود الخبر السياسي، بل يجب أن تُقرأ في سياقها التاريخي الأوسع؛ سياق يوضح لماذا بقي الخليج عبر آلاف السنين أحد الطرق التي صنعت الحضارة. فالقضية في جوهرها ليست قضية مضيق بحري فحسب، بل قضية مبدأ ارتبط بازدهار الإنسان منذ بداية التجارة البحرية: أن الطرق التي تصل العالم يجب أن تبقى مفتوحة وآمنة، لأن إغلاقها لا يؤثر على سفينة واحدة، بل يؤثر على حركة اقتصاد وحضارة بأكملها. والخليج العربي يقدم نموذجًا تاريخيًا فريدًا لهذه الحقيقة؛ فهو لم يكن يومًا مجرد منطقة جغرافية بين سواحل متقابلة، بل كان فضاءً للحركة والتواصل. فمنذ الحضارات الخليجية القديمة، مثل دلمون ومجان، كانت المنطقة جزءًا من شبكة تجارية بحرية واسعة ربطت الخليج ببلاد الرافدين وبحر العرب والمحيط الهندي، وأسهمت في انتقال السلع والمعارف بين الشعوب. ثم استمرت هذه الوظيفة الحضارية عبر القرون، فأصبحت مياه الخليج طريقًا للسفن العربية التي ربطت موانئ المنطقة بالهند وشرق أفريقيا، ولم يكن البحارة مجرد ناقلين للبضائع، بل كانوا أصحاب معرفة بحرية متراكمة، يقرأون الرياح والمواسم والنجوم، ويعرفون أن البحر لا يمنح أسراره إلا لمن يحترم قوانينه. ومن هنا تأتي خصوصية الذاكرة البحرية الكويتية والخليجية؛ فقد عرف أهل المنطقة البحر قبل النفط، وكانت السفينة بالنسبة لهم مدرسة للحياة ووسيلة للتواصل مع العالم. فقد أبحرت السفن الكويتية إلى موانئ الخليج والهند وشرق أفريقيا، تحمل اللؤلؤ والتمور والبضائع، وتعود محملة بالسلع والخبرات. وكان النوخذة الكويتي رمزًا لجيلٍ صنع مكانته من المعرفة والصبر والشجاعة، وأثبت أن البحر لم يكن مصدر رزق فقط، بل كان جزءًا من هوية المجتمع وتاريخه. فالخليج لم يصنع مكانته لأنه امتلك بحرًا فقط، بل لأنه عرف كيف يحول البحر إلى طريق للحضارة. ومن هذه الزاوية يمكن فهم المكانة الخاصة لمضيق هرمز؛ فهو ليس مجرد ممر ضيق بين سواحل متقابلة، بل نقطة التقاء بين التاريخ والجغرافيا والاقتصاد. فقد كان عبر القرون بوابة لحركة التجارة البحرية، ثم أصبح في العصر الحديث أحد أهم الممرات التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، خصوصًا مع ارتباطه بحركة الطاقة والتجارة الدولية. لكن قيمة هرمز لا تكمن فقط في حجم ما يمر عبره، بل في المعنى الذي يحمله؛ فهو يمثل اختبارًا لقدرة العالم على حماية القواعد التي تجعل التجارة ممكنة، وعلى ضمان ألا تتحول الممرات الدولية إلى أدوات للضغط أو الصراع. ولهذا فإن تأكيد البيان الخليجي–الأوروبي على حرية الملاحة ورفض فرض أي قيود على العبور يحمل دلالة تتجاوز الحدث السياسي نفسه؛ فهو تأكيد على أن أمن الطرق البحرية ليس مسؤولية منطقة واحدة، بل مسؤولية كل الدول التي تعتمد على استقرار النظام التجاري العالمي. إن ما يجعل قضية مضيق هرمز ذات أهمية استثنائية هو أنها تكشف العلاقة العميقة بين الجغرافيا والقانون والتاريخ. فالمواقع الاستراتيجية لا تكتسب قيمتها من موقعها فقط، وإنما من القواعد التي تنظم استخدامها، لأن الطريق مهما بلغت أهميته لا يستطيع أن يؤدي دوره الحضاري إذا أصبح خاضعًا للتهديد أو القيود أو محاولات فرض الأمر الواقع. ولهذا جاء القانون الدولي للبحار ليؤكد مبدأً أساسيًا عرفته الحضارات البحرية قبل أن يصبح قاعدة مكتوبة؛ وهو أن الممرات التي تستخدمها الأمم للتجارة والتواصل يجب أن تبقى مفتوحة أمام الحركة المشروعة. فالقانون لا يحمي البحر لمصلحة طرف على حساب طرف آخر، بل يحمي الفكرة التي جعلت البحر عبر التاريخ وسيلة للتقارب والنمو. ومن هنا، فإن البيان الخليجي–الأوروبي لا يمثل مجرد توافق سياسي حول أزمة محددة، بل يعكس إدراكًا مشتركًا بأن أمن الملاحة أصبح جزءًا من أمن العالم نفسه. فالسفينة التي تعبر مضيق هرمز لا تحمل طاقة أو بضائع فقط، بل تحمل معها شبكة واسعة من المصالح تبدأ من المنتج وتنتهي بالمستهلك، وتمتد آثارها إلى الأسواق والمصانع والمجتمعات في قارات مختلفة. ولهذا فإن أي تهديد لحرية الملاحة لا يبقى أثره داخل حدود المنطقة، بل ينتقل إلى الاقتصاد العالمي بأكمله؛ فارتفاع المخاطر يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع الثقة التي تقوم عليها حركة التجارة الحديثة. وهنا تظهر أهمية التحول في مفهوم الأمن خلال العقود الأخيرة؛ فلم يعد الأمن يقاس فقط بامتلاك القوة العسكرية، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الدول على حماية منظومات متكاملة تشمل الاقتصاد والطاقة والتجارة والقانون. فالدولة المؤثرة اليوم ليست فقط من تحمي حدودها، بل من تسهم في حماية البيئة الدولية التي تسمح للعالم بالاستقرار والنمو.

آخرین اخبار منبع اصلی مهم‌ترین اخبار امروز کویت
لینک کپی شد ✓