الاتفاقية الدولية لمكافحة الجرائم السيبرانية.. خطوة تاريخية
في ظل التسارع الرقمي الهائل واعتماد العالم شبه الكامل على أنظمة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تنامى حجم الجرائم السيبرانية بشكل غير مسبوق، شملت العديد من الهجمات الخبيثة، والقرصنة المنظمة للبيانات ولأنظمة المعلومات إلى جانب استغلال البيانات، والجرائم الموجهة ضد الأطفال عبر الإنترنت.استجابة لذلك، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة «اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم السيبرانية»، لتكون أول معاهدة دولية شاملة تهدف إلى تقليص التفاوت التشريعي للجرائم السيبرانية بين الدول، وخلق بيئة أمنية دقيقة تسهل آليات للتعاون القضائي الدولي، وملاحقة المجرمين من ملاذاتهم الآمنة من خلال إقرار مبدأ المحاكمة أو التسليم، وبما يحفظ حقوق الإنسان وسيادة الدول.فقد ألزمت الاتفاقية الدول الأطراف بتجريم أفعال محددة في تشريعاتها الوطنية، ومن أبرزها:٭ الوصول غير المشروع: الدخول غير المبرر أو اختراق أنظمة تكنولوجيا المعلومات.٭ التدخل في البيانات والأنظمة: العبث المتعمد، الإتلاف، الحذف، أو تعطيل البيانات والأنظمة السيبرانية (بما يشمل برمجيات الفدية والهجمات التخريبية).٭ الاحتيال والتزوير السيبراني: استخدام الوسائل التقنية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لخداع الأفراد أو المؤسسات بهدف تحقيق مكاسب غير مشروعة.٭ الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت: وضع إطار دولي لتجريم وملاحقة مرتكبي جرائم الاستغلال والإيذاء الجنسي للأطفال عبر الشبكات الرقمية.كما منحت الاتفاقية السلطات المختصة في الدول الأطراف جملة من التدابير الإجرائية وصلاحيات حديثة لإنفاذ القانون وبما يتماشى مع الطبيعة الرقمية المتسارعة للجريمة، وتشمل:٭ الحفظ العاجل للبيانات: إلزام مزودي خدمات الإنترنت بحفظ وتأمين الأدلة الرقمية لفترات محددة لمنع تدميرها.٭ الأمر بتقديم البيانات: إجبار مقدمي الخدمات والأشخاص المعنيين على الإفصاح عن بيانات المشتركين والمعلومات المخزنة المرتبطة بالتحقيقات.٭ التفتيش والحجز الرقمي: وضع آليات قانونية لتفتيش وسائط تخزين البيانات وأنظمة المعلومات وحجزها أو نسخها.٭ الجمع الفوري لحركة المرور: تتبع حركة البيانات عبر الإنترنت في الوقت الفعلي للجرائم الخطيرة، مثل: تتبع تدفقات الأموال الرقمية في الوقت الفعلي.كما رسخت مبدأ التعاون الدولي والمساعدة القضائية المتبادلة من خلال إنشاء نقاط اتصال تعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع لضمان الاستجابة السريعة وتبادل المعلومات الفورية بين الدول في حالات الطوارئ السيبرانية، مع تسهيل النقل الآمن والسريع للأدلة الرقمية عبر الحدود لدعم المحاكمات الجنائية، وتسليم المطلوبين في تلك القضايا السيبرانية الخطيرة، وتتبع وتجميد ومصادرة العائدات الناتجة عنها (مثل العملات المشفرة والأصول الرقمية المهربة)، وإزالة المحتوى الضار أو غير القانوني المرتبط بالجرائم الإلكترونية.حيث سعت الاتفاقية إلى إيجاد توازن دقيق بين الأمن السيبراني والحريات الأساسية، من فرض ضوابط مشددة على كيفية جمع، واستخدام، ونقل البيانات الشخصية كأدلة رقمية بين الدول الأطراف، وفقا لمعايير تضمن حماية الخصوصية ومنع سوء استخدام البيانات المتبادلة في التحقيقات، إلزام الدول الأطراف بضمان المحاكمة العادلة، واتخاذ الوسائل القانونية أثناء إجراءات التفتيش الرقمي والحجز الإلكتروني.وأشارت أيضا إلى وجوب إطلاق استراتيجيات وطنية توعوية ووقائية بالتعاون مع القطاع الخاص والمجتمع المدني لرفع مستوى مرونة البنى التحتية الرقمية، وتوفير آليات ميسرة لتعويض الضحايا، ومساندتهم قانونيا واجتماعيا.ونظرا لأهمية تلك الاتفاقية الدولية قررت دولة الكويت أن تنظم لها رسميا في 25 سبتمبر 2026، ووقعت عليها خلال انعقاد الدورة الـ 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك على هامش أعمالها، ليؤكد حرص الدولة على دعم كل الجهود الدولية المبذولة المعززة للأمن والاستقرار العالمي لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة للفضاء الرقمي والتكنولوجيا الفائقة.
[email protected]