Kuwait Press Memory Latest news
alraiOpinion By د. خالد أحمد الصالح

حين تُصبح لغتنا غريبة في جامعاتنا

نحتفل باللغة العربية، ونعدد مفرداتها، ونستشهد بشعرائها، ثم نغلق دونها أبواب المختبرات وكليات الطب والهندسة؛ نريدها لغة للوجدان، ونتردد في قبولها لغة للعقل العلمي. وبعد ذلك نتساءل: لماذا يتعثر توطين المعرفة في مجتمعاتنا، ولماذا نظل أقرب إلى استهلاك العلم منا إلى إنتاجه؟

لا يمكن اختزال تخلفنا العلمي في لغة التدريس؛ فضعف تمويل البحث، وغياب البيئة المُحفزة، والبيروقراطية، وقلة الفرص أمام الباحثين، كلها عوامل مؤثرة. لكن استبعاد لغة المجتمع من تعليمه العلمي يستحق أن يُناقش باعتباره جزءاً كبيراً من المشكلة، فكيف نبني ثقافة علمية واسعة إذا بقيت المعرفة محصورة في لغة غير اللغة الأم، اللغة التي يفكر بها الإنسان ويبدع وبها يكتب العلماء إبداعاتهم ويصيغ الأدباء جمال إنتاجهم، ولو طُلب من شكسبير، أن يكتب بلغة غير لغته الأم لما سمعنا عنه أبداً.

اللغة وعاء للتفكير والسؤال والمناقشة؛ والطالب الذي يبذل جهده لفهم العبارة قبل فهم الفكرة يتحمّل عبئاً إضافياً، خصوصاً حين ينتقل فجأة من تعليم مدرسي بالعربية إلى تعليم جامعي بلغة أجنبية. وقد ينجح في حفظ المصطلحات واجتياز الاختبارات، بينما تظل قدرته على مناقشة المفهوم وشرحه أقل مما يمكن أن تكون عليه.

وقد كشفت واقعة جامعة الأزهر جانباً من موقفنا المضطرب من لغتنا؛ ففي يناير 2025 أُعلن تشكيل لجان لتعريب مقررات طبية وصيدلانية، وأثار ذلك جدلاً واعتراضات، ثم أكدت الجامعة أن المشروع يخضع للدراسة، وأوضح متحدثها أن المقترح يتضمن توفير ترجمة عربية للمناهج تساعد الطلبة على الفهم، مع استمرار التدريس بالإنكليزية؛ حتى هذه المساحة المحدودة لإدخال العربية إلى المعرفة الطبية أثارت كل ذلك الاعتراض، وبعد أشهر، أعلنت جامعة القاهرة إطلاق برنامج لدراسة الطب باللغة الفرنسية في قصر العيني، ثم استقبل البرنامج دفعته الأولى في أكتوبر 2025. وكان هدفه المعلن خدمة الطلاب الناطقين بالفرنسية، لا سيما القادمين من الدول الأفريقية؛ إنه هدف مفهوم ومشروع، وتحضيراته بدأت منذ عام 2023. لكن المقارنة تطرح سؤالاً: إذا أمكن إعداد المناهج والكوادر لتعليم الطب بالفرنسية في بلادنا العربية، فما الذي يمنع بذل جهد مؤسسي مماثل لإتاحة تعليم طبي رصين بالعربية؟

من حق الطالب الناطق بالفرنسية أن يجد تعليماً بلغته، ومن حق الطالب العربي أن نسعى إلى توفير الفرصة نفسها له، وتستحق العربية أن يُبحث حضورها في الجامعة بالجدية التي نبحث بها أي مشروع لتطوير التعليم، من حيث جودة المناهج، وكفاءة الأساتذة، ونتائج الطلبة.

وحين يُقال إن المصطلحات العربية غير مألوفة، ينبغي أن نسأل: كيف ستصبح مألوفة إذا امتنعنا عن استخدامها؟ وحين يُقال إن المراجع غير كافية، فهذه دعوة إلى التأليف والترجمة والتحديث، وقد حمل هذا العبء عنا مراكز عربية آمنت باللغة العربية ومنها المركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية..

إذاً أمامنا مراجع كثيرة نستطيع البدء بها كما أن نقص الأدوات يحمّل الجامعات مسؤولية بنائها، ولا يعفيها من هذه المسؤولية إلى الأبد.

إتقان الإنكليزية ضرورة للطبيب والباحث؛ فهي تفتح أبواباً واسعة أمام متابعة الأبحاث والتعاون الدولي، ويمكن للطالب أن يفهم العلم ويناقشه بالعربية، وأن يتقن في الوقت نفسه المصطلحات اللاتينية، ويقرأ مراجعه الأصلية وينشر أبحاثه بما يبدع به من اللغة كما يفعل الياباني الذي يكتب أبحاثه بالياباني وتقوم مراكز متخصصة بالترجمة للغات متعددة؛ هذه قدرة إضافية ينبغي أن نسعى إلى بنائها في جامعاتنا.

كما أن للغة الطب صلة مباشرة بالمريض. فالطبيب يحتاج إلى شرح التشخيص، وموازنة خيارات العلاج، وتوضيح مخاطره، بلغة يفهمها الإنسان الذي أمامه. وإتقان التعبير العلمي بالعربية جزء من كفاءة التواصل الطبي، ومن حق المريض أن يشارك بوعي في القرار المتعلق بصحته.

والمطلوب مشروع متدرج: توحيد المصطلحات، وإعداد مراجع عربية تُحدَّث باستمرار، وتدريب المدرسين، وتجربة مسارات تعليمية تُقيَّم نتائجها بموضوعية، ولنا في التجربة السورية خير مثال، لا سيما أن خريجيهم الأطباء أثبتوا قدرتهم على الإبداع بالطبابة وفهماً بأكثر من أولئك الذين يحفظون دون أن يفهموا.

لن تحقق العربية وحدها نهضتنا العلمية، لكن إخراجها الدائم من ميدان العلم يضيّق فرص انتشار المعرفة في مجتمعنا؛ فالنهضة تحتاج إلى علم يستطيع الناس فهمه، ومناقشته، والبناء عليه، وحين نمنح لغتنا مكانها في الجامعة والمختبر، فإننا نمنح مجتمعنا فرصة أوسع للمشاركة في صناعة مستقبله.

Latest news Original source Kuwait's top news today
Link copied ✓