Kuwait Press Memory Latest news
annaharBack Page By سلطان مساعد الجزاف

ماذا كان مصيرنا لو تمت الوحدة العربية؟

هل يستطيع أحد أن يتخيل ولو للحظة واحدة، ماذا كان سيكون مصيرنا اليوم لو تحققت تلك الدعوات التي صدحت بها حناجر الأنظمة السياسية والأحزاب والتيارات القومية والشارع العربي منذ مطلع خمسينيات وستينيات القرن الماضي، واستمرت بأشكال مختلفة حتى يومنا هذا، تحت شعار الوحدة العربية؟ ماذا كان سيكون وضع دول الخليج وشعوبها اليوم لو نجحت تلك المشاريع السياسية التي بشرتنا بأن الوحدة هي الطريق إلى القوة، وأن توحيد الدول والمجتمعات في كيان عربي واحد هو الخلاص؟ تخيلوا أن مشروع الوحدة قد تحقق فعلا، وأن جميع الدول العربية أصبحت دولة واحدة، وأن النخب السياسية والعسكرية التي تصدرت المشهد العربي خلال العقود الماضية هي التي تولت إدارة هذه الدولة. من تتخيلوا من كان سيقود هذه الأمة؟ فخلال العقود الماضية، شهد العالم العربي انقلابات عسكرية وحروبا أهلية وصراعات حدودية وحروبا بالوكالة وأنظمة حكم فردية وحزبية، وشهدت شعوب عربية بأكملها انهيار دولها، واضطرت ملايين الأسر إلى النزوح والهجرة واللجوء. فالوحدة لم تكن مجرد فكرة رومانسية عن أمة واحدة ولغة واحدة وتاريخ مشترك. حيث كانت وراء شعارات الوحدة أنظمة وأحزاب وانقلابات ومشاريع سياسية وعسكرية متصارعة، وكل طرف كان يرى نفسه الأحق بقيادة الأمة. هل تتخيلون أن يكون قادة الوحدة هم الضباط الأحرار، وحزب البعث، والأنظمة التي حكمت باسم القومية العربية؟ هل تتخيلون أن يكون المشهد الذي عرفناه في العراق وسورية وليبيا واليمن والسودان وتونس هو النموذج الذي كان يمكن أن تدار به أمة عربية موحدة وذات رسالة خالدة؟ وهل يمكن أن نتخيل اليوم دولة عربية واحدة تحت قيادة شخصيات وأنظمة مثل الأسد وصدام والقذافي وعلي عبدالله صالح وزين العابدين بن علي والبشير، وقوى وحركات مسلحة وسياسية مثل الشيوعية والاشتراكية والقومية وحزب الله والحوثيين والتيارات الدينية المتطرفة؟ هل تتخيلون ذلك فعلا؟ ماذا كان سيكون مصيرنا لو أصبحت هذه التجارب السياسية المختلفة، بما حملته من انقلابات وصراعات وحروب وقمع سياسي وانقسامات، جزءا من نظام عربي موحد؟ كم من دولة عربية دخلت دوامة الانقلابات؟ وكم من شعب دفع ثمن الصراعات السياسية والعسكرية؟ وكم من بلد امتلك ثروات هائلة، ثم انتهى به الأمر إلى الفقر والدمار والهجرة؟ وكم من أجيال عربية ولدت في ظل الحروب والانقسامات، ثم وجدت نفسها تبحث عن وطن آخر أكثر أمنا واستقرارا؟ هل تتخيلون ذلك فعلا؟ ماذا كان يمكن أن يكون مصير المجتمعات الخليجية لو ذابت في مشروع سياسي عربي واحد، تقوده النماذج السياسية التي عرفتها المنطقة خلال القرن الماضي؟ هل كنا سنصل إلى ما نحن عليه اليوم؟ هل كانت ستصل إلينا هذه النهضة العمرانية والاقتصادية والتعليمية والصحية؟ هل ستكون الرياض ودبي والدوحة والمنامة والكويت ومسقط كما هي اليوم؟ هل كانت ستبنى هذه المدن، والجامعات، والمستشفيات، وشبكات الطرق، ومؤسسات الدولة، والاقتصادات الحديثة؟ أم كنا سنجد أنفسنا وسط صراعات سياسية وأيديولوجية لا تنتهي، وانقلابات وحروب أهلية، وفوضى، وبطالة، وهجرة، وربما لكنا لاجئين في أوروبا وأميركا بحثا عن الأمن والعمل والاستقرار؟ ماذا كان مصيرنا لو تمت الوحدة؟ ماذا لو استيقظنا اليوم ووجدنا أن حدود الخليج قد اختفت، وأن القرار السياسي والاقتصادي والعسكري أصبح مركزيا في دولة عربية واحدة؟ هل كان النفط سيبقى نعمة أم يتحول إلى وقود للصراع؟ وهل كانت ثروات الخليج ستذهب إلى التنمية، أم إلى تمويل الحروب والصراعات؟ هل كان المواطن الخليجي سيعيش في وطنه آمنا مستقرا، أم كان سيجد نفسه واحدا من ملايين العرب الذين اضطروا إلى ترك أوطانهم بسبب الحروب والانقسامات؟ فالحمد لله على نعمتي الأمن والاستقرار. الحمد لله أن تلك المشاريع لم تتحول إلى واقع سياسي شامل يضم دول الخليج تحت قيادة واحدة، وأن لكل دولة خليجية مسارها السياسي والاقتصادي الخاص. لقد أنعم الله على دول الخليج بقيادات وأسر حاكمة اختارت الاستقرار وبناء الدولة والمحافظة على مواردها وتوظيفها في تنمية بلدانها. لقد انتقلت دول الخليج خلال عقود قليلة من مجتمعات محدودة الإمكانات إلى دول حديثة ذات بنية تحتية واقتصادات مؤثرة ومؤسسات تعليمية وصحية وخدمية متقدمة. والأهم من ذلك أن المواطن الخليجي يعيش في بيئة مستقرة وآمنة، في منطقة عاشت ولا تزال تعيش حوله على وقع الانقلابات والحروب والصراعات. ولم تذهب عائداته إلى المغامرات السياسية والعسكرية أو سباقات النفوذ، بل تحولت في دول الخليج إلى مدارس وجامعات ومستشفيات وطرق ومساكن ومدن ومؤسسات وخدمات وفرص عمل، وإلى بناء مجتمعات تتمتع بمستويات عالية من الأمن والاستقرار. ومع ذلك لم تحتفظ دول الخليج بثرواتها لنفسها فقط ونست أشقاءها، بل قدمت مساعدات مالية وتنموية وإنسانية واسعة إلى الدول العربية والإسلامية، وأسهمت في دعم اقتصادات ومشاريع وبنى تحتية في دول عديدة. قدمت المال، وتحملت الأعباء، وساندت الأشقاء في أوقات الأزمات، ودفعت في كثير من الأحيان ثمن مغامرات سياسية وعسكرية فاشلة، ومع هذا دول الخليج تجد نفسها في النهاية أمام كلفة سياسية واقتصادية باهظة، لأنها لا تستطيع أن تدير ظهرها لشعوب عربية شقيقة. ومع كل ذلك، ما زال هناك من بعض النخب السياسية والإعلامية من يواصل مهاجمة دول الخليج وإنكار الحقائق، وكأن كل ما قدمته هذه الدول للعرب والمسلمين يمكن محوه بخطاب سياسي أو اصطفاف أيديولوجي. ومع كل موقف سياسي يجدون ذريعة للطعن في دول استطاعت خلال عقود قليلة أن تبني ما عجزت عنه مشاريع وشعارات كبرى في المنطقة. فقد لا تكون دول الخليج كاملة، ولا تخلو من الأخطاء أو التحديات، ولكنها نجحت في الحفاظ على استقرارها وبناء دول حديثة في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابا. وسلكت طريقها الخاص، وبنت دولها ومؤسساتها، وحافظت على مواردها، واستثمرت في شعوبها. اللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا من أمن واستقرار، والحمد لله على نعمة الأوطان التي لم تتحول إلى ساحات صراع، وعلى نعمة الدول التي اختارت بناء الإنسان بدلاً من استنزافه في مغامرات السياسة والحروب.

Latest news Original source
Link copied ✓