Kuwait Press Memory Latest news
annaharOpinions By سعدون مطلق السوارج

إذاعة الكويت في يوبيلها البلاتيني: خمسة وسبعون عاماً من صناعة الوعي وحراسة الهوية الوطنية

في مساء الثاني عشر من مايو عام 1951، لم يكن أحد يتوقع أن العبارة التي خرجت من غرفة صغيرة متواضعة في مبنى الأمن العام بميدان المرقاب ستتحول لاحقاً إلى واحدة من أكثر العبارات رسوخاً في الذاكرة الخليجية والعربية: هنا الكويت. لم تكن مجرد افتتاحية إذاعية عابرة، بل كانت إعلاناً مبكراً عن ميلاد مشروع دولة، وصوت وطنٍ قرر أن يحجز لنفسه مكاناً متقدماً في خريطة الإعلام والثقافة والتأثير الحضاري. حين تمتلك الدولة صوتاً يحفظ ذاكرتها، فإنها لا تبث الكلمات فقط… بل تبث استمرارها التاريخي في وجدان الأجيال. خمسة وسبعون عاماً مرت منذ أن انطلق صوت المذيع الكويتي الراحل مبارك الميال عبر جهاز إرسال بسيط لا تتجاوز قوته نصف كيلوواط، لتبدأ رحلة إذاعة الكويت؛ تلك المؤسسة التي لم تكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو بث المحتوى الفني والثقافي، بل تحولت مع الزمن إلى ذاكرة وطنية حيّة، وإحدى الركائز الأساسية التي شاركت في تشكيل الوعي الكويتي والخليجي والعربي. إن الاحتفال اليوم باليوبيل البلاتيني لإذاعة الكويت لا يمكن قراءته بوصفه مناسبة إعلامية تقليدية، بل باعتباره احتفاءً بمسيرة وطنٍ آمن مبكراً بأن الكلمة جزء من السيادة، وأن الإعلام ليس ترفاً مؤسسياً، بل أحد أعمدة بناء الدولة الحديثة. لقد جاءت ولادة إذاعة الكويت في مرحلة تاريخية شديدة الحساسية، كانت فيها الكويت تتحول تدريجياً من مجتمع بحري وتجاري تقليدي إلى دولة حديثة تنفتح على العالم بوتيرة متسارعة. وفي تلك المرحلة، كانت المنطقة الخليجية بأسرها لا تزال في بدايات تشكلها الإداري والمؤسساتي، بينما استطاعت الكويت أن تدرك مبكراً أهمية الإعلام بوصفه أداة بناء داخلي وتأثير خارجي في آن واحد. ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن تنطلق الإذاعة الكويتية قبل اكتمال التنظيم الإداري الحديث للدولة نفسها، في دلالة عميقة على الوعي السياسي المبكر بأهمية القوة الناعمة. وفي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بينما كانت العديد من المؤسسات الإعلامية الخليجية لا تزال في مراحلها التأسيسية الأولى، كانت الكويت قد بدأت بالفعل في بناء مشروع إعلامي متكامل سبق محيطه الإقليمي بمراحل. فالكويت لم تكتفِ بإطلاق إذاعة وطنية مبكرة، بل صنعت نموذجاً إعلامياً احترافياً جمع بين الخبر والثقافة والفن والوعي العام، حتى أصبحت خلال سنوات قليلة واحدة من أبرز العواصم الإعلامية الخليجية والعربية. ومن هنا لم يكن غريباً أن تتحول الكويت لاحقاً إلى حاضنة للصحافة العربية والمسرح الخليجي والإنتاج الدرامي والإذاعي، وأن تترسخ صورتها بوصفها مركزاً متقدماً للقوة الناعمة في المنطقة. ومن يتأمل تاريخ الكويت الحديث، يدرك أن التجربة الإعلامية الكويتية لم تنشأ منفصلة عن المشروع الوطني العام، بل كانت جزءاً عضوياً من مسار النهضة الكويتية. فكما بنت الكويت مدارسها وموانئها ومؤسساتها الدستورية مبكراً، بنت أيضاً خطابها الإعلامي والثقافي على أسس احترافية جعلتها تتقدم خليجياً وعربياً لعقود طويلة. لقد كانت إذاعة الكويت منذ سنواتها الأولى أكثر من مجرد محطة بث؛ كانت مدرسة كاملة في اللغة والثقافة والفن والوعي السياسي. فمن خلالها تشكلت أجيال من الإعلاميين والمذيعين والمثقفين والفنانين الذين أصبحوا لاحقاً علامات فارقة في المشهد الخليجي والعربي. كما لعبت الإذاعة دوراً محورياً في ترسيخ اللهجة الكويتية البيضاء القريبة من الوجدان الخليجي والعربي، وفي تقديم نموذج إعلامي يجمع بين المهنية والرصانة والبعد الثقافي. ولعل أحد أهم أسرار قوة إذاعة الكويت أنها لم تتعامل مع المستمع باعتباره متلقياً عابراً، بل باعتباره شريكاً في تشكيل الهوية الوطنية. ولهذا ارتبط صوت الإذاعة في الوعي الشعبي الكويتي بلحظات الفرح الوطني، وبالبيانات الرسمية، وبالفنون الشعبية، وبالدراما الإذاعية، وبالبرامج الثقافية التي صنعت ذاكرة أجيال كاملة. ولم تكن الإذاعة تحفظ الأحداث الكبرى فقط، بل حفظت أيضاً التفاصيل الصغيرة التي صنعت الحياة الكويتية اليومية عبر العقود. فمن خلال أرشيفها الصوتي الهائل، بقيت أصوات المذيعين القدامى، والبرامج الرمضانية، والمحتوى الفني والثقافي، والنقل المباشر للاحتفالات الشعبية، والتغطيات التاريخية، جزءاً من الذاكرة الجمعية للكويتيين. وهنا تتجاوز قيمة الإذاعة دورها الإعلامي التقليدي لتصبح أرشيفاً وطنياً حيّاً يوثق التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية للدولة الكويتية منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم. فالأمم لا تحفظ تاريخها بالوثائق الرسمية وحدها، بل أيضاً بالصوت الذي رافق حياة الناس اليومية وشكّل وجدانهم العام. ومع توسع البث الإذاعي وتطور الدولة، تحولت إذاعة الكويت إلى منظومة إعلامية متكاملة تضم محطات متنوعة ومتخصصة، مثل البرنامج العام وإذاعة القرآن الكريم وإذاعة الفنون والمحتوى الثقافي والمحطات الأجنبية الموجهة للجاليات المختلفة. وقد أسهم هذا التنوع في تعزيز صورة الكويت بوصفها دولة منفتحة تمتلك خطاباً إعلامياً متوازناً يجمع بين الأصالة والانفتاح الحضاري. لكن التأثير الحقيقي لإذاعة الكويت لم يكن محلياً فقط، بل تجاوز الحدود ليصل إلى الفضاء الخليجي والعربي بأكمله. ففي حقبة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، كانت الإذاعة الكويتية إحدى أهم المنصات الثقافية والفنية في المنطقة، حتى أصبحت الدراما الإذاعية الكويتية نموذجاً متقدماً جذب كبار الفنانين والكتاب والمخرجين. ومن رحم هذه الإذاعة خرجت أسماء صنعت مجد الفن الخليجي، وأصبحت جزءاً من الذاكرة العربية، مثل العملاق عبدالحسين عبدالرضا، وسعاد عبدالله، وحياة الفهد، وغيرهم من الرواد الذين وجدت مواهبهم في إذاعة الكويت بيئة حاضنة قادرة على تحويل الفن إلى رسالة اجتماعية وثقافية وإنسانية. إن اليوبيل البلاتيني لإذاعة الكويت ليس مجرد مناسبة للاحتفاء بالماضي، بل فرصة لإعادة قراءة تجربة إعلامية خليجية رائدة استطاعت أن تتحول من غرفة صغيرة إلى مؤسسة صنعت ذاكرة وطن، وأسهمت في تشكيل وجدان شعب، ورسخت صورة الكويت بوصفها دولة تؤمن بأن الثقافة والإعلام ليسا هامشاً في مشروع الدولة، بل جزء من قوتها الناعمة ومكانتها الحضارية. وبين هنا الكويت التي صدح بها مبارك الميال عام 1951، وهنا الكويت التي لا تزال تتردد حتى اليوم عبر الأثير والمنصات الرقمية، تمتد رحلة وطنٍ أدرك مبكراً أن الدول العظيمة لا تُبنى بالاقتصاد والسياسة فقط، بل تُبنى أيضاً بالصوت الذي يحفظ هويتها، والكلمة التي تصون ذاكرتها، والإعلام الذي يبقى وفياً لرسالة الوطن مهما تبدلت الأزمنة وتعاقبت الأجيال.

Latest news Original source Kuwait's top news today
Link copied ✓