لا قوه تدوم الي الابد

مع حلول الذكري الثالثه، ودخول حرب الاباده علي غزه وجنوب لبنان عامها الرابع، يشهد العالم تحولات هائله في الراي تجاه ما يحدث في الشرق الاوسط بشكل عام، وفي غزه وجنوب لبنان بالتحديد، فحين يقف ثاكر كارسلون، الذي كان من ابرز المدافعين عن اسرائيل، حين يقف لينتقد الدعم الامريكي غير المشروط لاسرائيل، وليندد بحرب الاباده في غزه، وحين يتحول خطاب ببرس مورغان، الذي كان يعارض وبشده وصف ما يحدث في غزه بكونه حرب اباده، ليصبح اليوم صوتا معارضا لسياسات اسرائيل من الاباده الي الاستيطان، وحين يحتج بينك فلويد، احد ابرز الفنانين الغربيين، ويهاجم سياسه اسرائيل ويدعو الفنانين الي عدم اقامه حفلات فيها، ويشبه المقاطعه الثقافيه اليوم لاسرائيل بالمقاطعه التي مورست ضد نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، حين تتحول مواقف اعلاميين كهؤلاء وفنانين من تاييد للسرديه الاسرائيليه، ودعوي المظلوميه التي تبناها الكيان الصهيوني عبر ثمانيه عقود، الي معارضه ورفض للكيان وسياساته، يبرز السؤال هنا عما اذا كانت القوه العسكريه وحدها هي التي تحسم الامور في ارض المعارك، ام ان للقوي الناعمه والعداله النظريه الاعلاميه قوه لا تقل اطلاقا عن قوه الاله العسكريه، ولا عن التفوق المالي والاقتصادي. في عام 2011، كتبت روجر ووترز في صحيفه الغارديان مناشدا العالم بضروره فرض المقاطعه الثقافيه لاسرائيل، ومؤكدا ان الامتناع عن اداء اي نشاط فني في اسرائيل يمكن ان يؤدي الي ضغط سلمي وناعم يخدم الحقوق الفلسطينيه، ثم ليكرر نفس الخطاب في عام 2013، معتبرا حينها ان المقاطعه التي مورست ضد نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا كانت من اكثر وسائل الضغط فعاليه. ليست القوه العسكريه دائما هي التي تحسم الامور، فهنالك الكثير من التحولات التاريخيه التي حسمتها التغيرات التي طرات علي الوعي البشري، والتبدل في وجهه الراي العام العالمي، وما حدث في جنوب افريقيا من تراكمات لمثل هذا الوعي وبشكل كان عاملا مهما في اسقاط نظام الفصل العنصري الظالم، يحدث اليوم مع غزه حيث تتراكم كل يوم تداعيات التغيير في المواقف الاخلاقيه لاعلاميين بارزين وفنانين ورواد مسرح وفن و موسيقي، مع مقاطعات رياضيه واكاديميه وعقوبات اقتصاديه وسحب لاستثمارات ومقاطعه لشركات وعلامات تجاريه، وذلك بعد ان شاهد العالم، وبالبث الحي المباشر، جرائم اسرائيل في حق الاطفال والشيوخ والارض والحقوق والحريات وكل شيء. قد لا يكون مثل هذا الضغط وحده هو الذي ادي لسقوط نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، لكنه كان سببا رمزيا ومباشرا اسهم في سقوطه، وذلك حين شعر النظام انذاك بعزلته، وبكونه اصبح منبوذا ومطرودا من حلقات الرياضه والفن والثقافه بشكل عام، قبل ان يكون معزولا سياسيا. اليوم يحدث امر مشابه لما يتعلق بالموقف الاعلامي والثقافي والادبي لاعلام كبيره في هذه المجالات وجدت في ممارسات اسرائيل خروجا وتعديا مباشرا علي الحق الانساني في الكرامه والحياه والحريه، هؤلاء سموا الاشياء باسمائها فاطلقوا علي جرائم اسرائيل في غزه وصف الاباده وليس الحق المشروع في الدفاع عن النفس، والذي كانت تروج له اسرائيل عبر ثمانيه عقود. كانت اللحظه الحاسمه في جنوب افريقيا هي التي حدثت في منتجع سن سيتي، حين اطلق حينها الفنانون حمله الوقوف في وجه الفصل العنصري، حدث ذلك في عام 1985 ليبدا التفكيك السياسي الحاسم لهذا النظام في عام 1990، وليتوج بتاريخ رمزي في ابريل عام 1994، ثم ليتكرر المشهد اليوم حين وقع الاف العاملين في السينما في سبتمبر عام 2025 علي تعهد بعدم التعاون مع مؤسسات سينمائيه اسرائيليه يعتبرونها متواطئه في حرب الاباده في غزه. حقا ان «وتلك الايام نداولها بين الناس»، فلا قوه تدوم الي الابد، خاصه اذا ما استيقظ وعي وضمير الناس تجاه ممارساتها اللاعادله. سعاد فهد المعجل