الاقتصاد الاسلامي: مراجعه وتقييم

ان مفهوم «الاقتصاد الاسلامي» يختلف كثيرا عن «التمويل الاسلامي»؛ فالاول اعتقاد اكثر منه حقيقه. اما الثاني - التمويل الاسلامي - فهو اختراع ناجح وموجود علي ارض الواقع من خلال عشرات او مئات البنوك والمؤسسات المصرفيه، التي توظف الاف العاملين، وتتعامل من خلال ادوات استثماريه مقبوله لدي مراجع دينيه. والتمويل الاسلامي موجود من خلال مؤسسات مصرفيه، استطاعت ان تكسب رضا ملايين المتعاملين في العالم الاسلامي، الا ان «الاقتصاد الاسلامي» كموضوع «اكاديمي» لم يبرهن علي اكاديميته، بمعني انه لم يتحول الي علم؛ لان منطلقه ايماني، بينما علم الاقتصاد استغرقت البشريه الاف السنين ليصبح علما مستقلا بحد ذاته. وكما شرحت سابقا، فان علم الاقتصاد لم يدرس كموضوع مستقل في الجامعات الا في عام 1905، وكان ذلك في جامعه كامبريدج علي يد الفرد مارشال (Alfred Marshall). وان كان قد بدا يتشكل بعد نشر كتاب «ثروه الامم» لادم سميث (Adam Smith) عام 1776، اذ ما كان يمكن ان يحدث هذا قبل ذلك التاريخ؛ لانه ما كان ممكنا لنظريه اقتصاديه ان تتطور دون تبادلات تجاريه دوليه وسياسات حكوميه، والتي لم تشهد كثافه معقوله الا في القرن الثامن عشر. وكان لابد لعلم الاقتصاد ان يستفيد من العلوم الاجتماعيه والرياضيات ليجد لنفسه طريقا مستقلا. واعتماده علي العلوم الرياضيه كان اساسيا؛ فبدون دراسات احصائيه ودراسه المؤشرات الاقتصاديه لا تتضح الرؤيه الاقتصاديه، حتي ان كثيرا من النماذج والمعادلات الرياضيه طورها علماء رياضيات دون ان يدركوا في البدايه فائدتها لعلم الاقتصاد، امثال الهنغاري جون فون نيومان (John von Neumann) والامريكي جون ناش (John Nash)، بل ان الاخير استغرب فوزه بجائزه نوبل في الاقتصاد، معلقا: «لكنني لست اقتصاديا». لذا اصبحت دراسه الرياضيات ضروره للتميز في الاقتصاد. كما ان هناك تداخلا كبيرا بين علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الاقتصاد، خاصه في ما يتعلق بما يطلق عليه «علم الاقتصاد السلوكي». وشهد عامي: 2002 و2017 فوز علماء في علم النفس والاقتصاد السلوكي بنوبل؛ فقد فاز الاسرائيلي دانيال كاهنمان (Daniel Kahneman) بجائزه نوبل في الاقتصاد، مع انه متخصص في علم النفس. كما فاز ريتشارد ثالر (Richard Thaler) بنوبل عن ابحاثه في الاقتصاد السلوكي. هذا وما زال كتاب «اقتصادنا» للمرحوم محمد باقر الصدر (الذي نشر المجلد الاول منه عام 1960) الاشهر في موضوع الاقتصاد الاسلامي. ولم يكن الصدر يطمح الي تاسيس اقتصاد اسلامي ينافس الاقتصاد الوضعي، الذي يدرس في الجامعات، ويعترف بان هذا يحتاج الي تجربه اقتصاديه تراكميه لم تتحقق للمسلمين. ومعظم ما نشر خلال الفتره 1960 - 1990، حول الاقتصاد الاسلامي، لم يكن يهدف لمنافسه الاقتصاد الوضعي، بل كان يهدف الي تعزيز الهويه الاسلاميه امام المد الماركسي، الذي ظهر في تلك الفتره؛ خاصه انه في تلك الفتره كان المرحوم الصدر قلقا من توسع الفكر الماركسي في العراق، لذا كانت المؤلفات الاقتصاديه الاسلاميه في تلك الفتره ناقده للفكر الشيوعي، وقلما تشير بالنقد الي الفكر الراسمالي. وخلال العقود الثلاثه الاخيره، ظهرت بعض الابحاث والمنشورات في الاقتصاد الاسلامي، ومن اهمها ما قدمه الدكتور منذر قحف والدكتور جعفر حاجي، وهما متخصصان في الاقتصاد من جامعات غربيه. لذلك كانت هناك محاولات من الاثنين لتوضيح خبرتهما وتعليمهما في الاقتصاد الوضعي في شرح رؤاهما لما سيفضي اليه موضوع الاقتصاد الاسلامي. لكن يبقي ان ما قدماه نابع من ايمان بوجود اقتصاد اسلامي اكثر من كونه تحليلا منطقيا؛ فيشير قحف الي ان الاسلام كدين لا بد ان يكون له نظامه الاقتصادي المستند علي القران والسنه، ويري ذلك في الايه الكريمه: «ويل للمطففين* الذين اذا اكتالوا علي الناس يستوفون* واذا كالوهم او وزنوهم يخسرون* الا يظن اولٰئك انهم مبعوثون* ليوم عظيم* يوم يقوم الناس لرب العالمين». اما الدكتور جعفر حاجي فقد استفاد من دراسته في الاقتصاد، لتقديم نسخه متطوره من كتاب «اقتصادنا» لمحمد باقر الصدر، واضاف ان القلب والالهام يؤديان الي الحصول علي المعرفه التي تنقلنا الي الحقيقه، معتمدا في استنتاجه هذا علي الايه الكريمه: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين». واري ان التميز الاسلامي في الاقتصاد ياتي من مساهمه اقتصاديين مسلمين في البحوث الاقتصاديه، التي تقدم علي مستوي العالم لمعالجه الازمات والمشاكل الاقتصاديه، التي يعاني منها العالم ككل، وليس الدول الاسلاميه فقط؛ ومشاكل مثل البطاله ورفع كفاءه الانتاج، وتحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للطبقه الدنيا، مهم للشعوب اينما كان انتماؤها الجغرافي او الديني. كما ان المتميزين في علم الاقتصاد، لا يتميزون بتقديم ابحاث تخص دينا او قوميه. ويلاحظ ان اليهود برعوا في التفوق في علم الاقتصاد، ولكن ذلك لا يرجع لانتمائهم او همومهم الدينيه، وانما لانهم قدموا ابحاثا اقتصاديه ضمن تخصصاتهم في جامعات مميزه. لهذه الاسباب واسباب اخري، فان التخصص في الاقتصاد الاسلامي متراجع، بالرغم من الاقبال والانجازات، التي حققها التمويل الاسلامي، الذي استفاد من خبراء ومؤسسات ماليه غربيه تعمل ضمن فضاء الاقتصاد العالمي، بل ان كثيرا من الادوات الاستثماريه في البنوك الاسلاميه تطور من قبل مؤسسات ماليه غربيه. د. حامد الحمود