من هدم الدولة إلى هدم المجتمع.. 42 عاماً من صناعة الفوضى
لم تبدأ أزمة ليبيا في 2011، بل بدأت قبل ذلك بعقود. ومن الخطأ ان ننظر الى التجربة الليبية باعتبارها حالة منفصلة عن تاريخ المنطقة. فقد مرت دول عربية مختلفة بتجارب حكم عسكرية وقمعية وثورية وبعثية وقومية، واختلفت الشعارات والافكار والادوات، لكن القاسم المشترك كان واحدا: عندما يصبح الحاكم او الحزب او الثورة فوق الدولة، تبدأ الدولة في الانهيار من الداخل. ليبيا تقدم نموذجا صارخا لهذه الحقيقة. في سبتمبر 1969 لم يتغير الحاكم فقط، بل بدأت عملية اعادة تشكيل للنظام السياسي والمجتمع والدولة. تراجعت المؤسسات امام الثورة، وضعف القانون امام القرار السياسي، واصبح الولاء اهم من الكفاءة. ثم جاءت مرحلة 1973 بما سمي بالثورة الثقافية، وتصاعدت المواجهة مع النخب والمثقفين والطلاب واصحاب الرأي. وفي 1977 اعلنت سلطة الشعب والجماهيرية، وقدم النظام نفسه باعتباره نموذجا جديدا للحكم المباشر، لكن السلطة الفعلية ظلت مرتبطة بشخص القذافي ومنظومة الثورة واللجان الثورية. ثم امتد التفكيك الى الاقتصاد. ضعفت الملكية الخاصة والقطاع الخاص، واتسعت سيطرة الدولة، وارتبط المواطن بالخزانة العامة، حتى اصبحت الدولة بالنسبة لكثيرين مصدر الراتب والخدمة والفرصة، بدلا من ان تكون مؤسسة تحمي الحقوق وتفتح المجال امام العمل والانتاج. ولم يتوقف الامر عند الداخل. حروب وتدخلات في افريقيا، وحرب تشاد، ثم الصدام مع الولايات المتحدة والغارات على طرابلس وبنغازي عام 1986، وبعدها لوكربي والعقوبات الدولية والحصار، كلها راكمت على ليبيا اعباء سياسية واقتصادية واستراتيجية ثقيلة. لكن اخطر ما تم هدمه لم يكن الاقتصاد وحده. كان الانسان وثقته بالدولة. فالخوف يقتل المبادرة، والولاء يقتل الكفاءة، وغياب القانون يقتل الثقة، وتحويل الدولة الى اداة بيد السلطة يجعل المواطن يبحث عن الحماية خارج المؤسسة. وهنا تتضح الصورة العربية الاوسع. اختلفت التجارب بين الانظمة القومية والثورية والبعثية والعسكرية والدينية، واختلفت الشعارات من القومية الى الاشتراكية الى الثورة الى الدين، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الفكرة الى سلطة مطلقة، والحزب الى دولة، والثورة الى شرعية دائمة، والحاكم الى صاحب القرار النهائي. عندها لا تعود الدولة ملكا للمجتمع، بل يصبح المجتمع تابعا للسلطة. وهذا هو الدرس الليبي الاكبر. الحاكم الذي يعتقد ان بقاءه هو بقاء الدولة، وان معارضته خيانة للوطن، وان مؤسسات الدولة يجب ان تخدمه لا ان تراقبه، يتحول مع الوقت من حاكم للدولة الى وبال على الدولة. وهنا تكمن المأساة: قد يبدأ الحاكم بشعار إنقاذ الوطن، ثم ينتهي الوطن محتاجا الى الإنقاذ منه. قد يبدأ باسم الثورة، ثم تصبح الثورة سببا لمنع التغيير. قد يبدأ باسم الشعب، ثم يصبح الشعب عاجزا عن تغيير الحاكم. وقد يبدأ باسم حماية الدولة، ثم تنتهي الدولة ضعيفة لانها لم تبن مؤسسات قادرة على البقاء بعد رحيله. وهذا بالضبط ما كشفته ليبيا بعد 2011. سقط النظام، فسقط معه جزء كبير من البناء السياسي الذي كان قائما حول شخص الحاكم، وانكشف ضعف المؤسسات وتعدد مراكز القوة وغياب التداول الراسخ للسلطة. ثم جاءت مرحلة ما بعد 2011، ولم تنجح القوى السياسية في بناء دولة بديلة، فتحول الانقسام السياسي الى انقسام مؤسسي، وتحول السلاح الى نفوذ، وتحولت الثروة العامة الى جزء من الصراع. لذلك لا يجوز اختصار المأساة الليبية في القذافي وحده، ولا في فبراير وحدها. القذافي مسؤول عن عقود من إضعاف الدولة، ومن جاء بعده مسؤول عن فشل اعادة بنائها. والدرس الذي يجب ان نتعلمه اليوم ليس تغيير اسم النظام ولا تغيير الحاكم. الدرس هو إنقاذ الدولة من تكرار القاعدة نفسها. لا نريد حاكما ثوريا ولا عسكريا ولا حزبيا ولا دينيا ولا جهويا يكون فوق الدولة. نريد حاكما تحكمه الدولة، لا دولة يحكمها الحاكم. نريد دستورا فوق الجميع، وقانونا لا يخضع للسلطة، وجيشا وطنيا لا يكون اداة سياسية، وقضاء مستقلا، وانتخابات تضمن التداول، واقتصادا ينتج لا اقتصادا ينتظر المرتبات. ليبيا لا تحتاج الى رجل ينقذها بقدر ما تحتاج الى مؤسسات تمنع اي رجل من تدميرها. لقد تغير الحكام في العالم العربي، وتغيرت الشعارات، وتبدلت الأنظمة، لكن المأساة تتكرر كلما بقي الإنسان فوق المؤسسة. ولهذا فإن المعركة الحقيقية في ليبيا ليست: من يحكم بل: هل نبني دولة لا يستطيع الحاكم اختطافها؟ لأن الدولة التي تبنى على شخص تموت برحيله. أما الدولة التي تبنى على القانون والمؤسسات... فلا يموت برحيل الحاكم إلا الحاكم، وتبقى الدولة.