ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alseyassahكل الآراء بقلم د.رندا دياب بهمن

الامتثال في العمل لا يلائم الجيل القادم

الامتثال في العمل لا يلائم الجيل القادم

لن يقتصر تشكيل بيئة العمل المستقبلية على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي فقط، بل سيتأثر أيضاً بتغير نظرة الأفراد إلى السلطة، وكيفية تعريفهم للنجاح، ومعاييرهم في تقييم مدى استحقاق المؤسسة لالتزامهم. وبالنسبة إلى المديرين من الأجيال السابقة، قد يصبح فهم الجوانب النفسية الكامنة وراء سلوك الموظفين، لا يقل أهمية عن فهم التكنولوجيا التي تغير طبيعة العمل.

ومن أبرز التحولات التي يأتي بها الجيل الجديد تزايد الرغبة في الاستقلالية؛ إذ يميل أفراده إلى الشعور بأن لديهم قدراً من السيطرة على قراراتهم، وأنهم قادرون على إنجاز مهماتهم بصورة مستقلة، مع الحد الأدنى من الإشراف. وعندما يواجه هؤلاء الموظفون إشرافاً مفرطاً، أو قواعد غير مبررة، أو فرصاً محدودة للتطور، فقد تتراجع دوافعهم إلى العمل.

وغالباً ما يُعبر الموظفون الأصغر سناً عن استيائهم من هذه الممارسات بصراحة، إذ يتحدون الإجراءات التي تبدو غير ضرورية، بدلاً من قبولها، كما فعلت الأجيال السابقة، لمجرد أنها ممارسات راسخة منذ زمن طويل.

علاوة على ذلك، تقدم الأبحاث التي أُجريت في منطقة الخليج العربي منظوراً ثقافياً مهماً؛ فقد أشارت دراسات حول الشباب في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى أن المرونة، وبيئات العمل الداعمة، والتطوير المهني، والعمل ذي المعنى، تُمثل عوامل جوهرية في اختياراتهم الوظيفية. وبالمثل، سلطت أبحاث شملت طلاباً من "الجيل زد" في تخصصات الهندسة في الكويت الضوء على أهمية القيادة الأصيلة والشمولية والأمان المالي والاستقلالية والتطوير الوظيفي.

وتشير هذه النتائج إلى أن الموظفين الأصغر سناً لا يرفضون التوقعات التقليدية لمجرد الرفض، بل يسعون إلى الموازنة بين تطلعاتهم إلى النمو والاستقلالية من جهة، وحاجتهم إلى الاستقرار والقيادة الموثوقة من جهة أخرى.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن "الجيل زد" لا يمتلك شخصية مختلفة كلياً، بل إن التغيرات في البيئات الاجتماعية والتكنولوجية، تؤثر في كيفية تجلّي السمات النفسية المألوفة في سياق العمل. وتُظهر الأبحاث حتى الآن أن الجيل القادم من الموظفين قد يكون أكثر ميلاً إلى مساءلة الإجراءات القائمة، لا سيما عندما تبدو القواعد تعسفية، أو غير متسقة.

من هنا، يكمن التحدي أمام المديرين من الأجيال الأكبر سناً في توفير الاستقلالية دون التخلي عن المساءلة، ومنح المرونة دون التأثير سلباً في الأداء، وتعزيز التواصل المفتوح دون إضعاف المعايير المهنية، فضلاً عن تقبّل فكرة مراجعة الإجراءات التي فقدت جدواها، دون اعتبار ذلك إساءة شخصية. غير أن تحقيق هذا التحول يتطلب تغييراً جوهرياً في ممارسات العمل الحالية، وهو ما يستلزم خطة طويلة الأمد للتدريب على المهارات الشخصية، ولا يمكن إنجازه بين عشية وضحاها.

إن الانتقال من الإدارة القائمة على الامتثال إلى القيادة المستندة إلى فهم النفس البشرية لا يعني جعل العمل أكثر سهولة، أو منح الموظفين حرية فرض جميع شروطهم؛ بل يعني فهم الدوافع التي تجعل الأفراد ينجزون مهماتهم، أو يفقدون حماستهم، أو يتكيفون مع المتغيرات، أو يقاومونها، ثم توظيف هذا الفهم في ممارسة القيادة بفاعلية أكبر.

ففي بيئة العمل الحالية، قد لا يكون المديرون الأكثر كفاءة هم أولئك الذين يمارسون أكبر قدر من السيطرة، بل أولئك الذين يدركون كيفية استثمار قدرات الأفراد المختلفين، واستخراج أفضل ما لديهم، مع الحفاظ في الوقت ذاته على المعايير التي تعتمد عليها مؤسساتهم.

باحثة في العلوم الاجتماعية

ملخّص قياس

دراسة حول تفضيلات الجيل الجديد في بيئة العمل

آخر الأخبار المصدر الأصليّ أهم أخبار الكويت اليوم
تم نسخ الرابط ✓