فجوات الاستدامة
تتراجع الدهشة التي كانت تؤرقني في كل مؤسسة يتسنى لي قراءة مؤشراتها، أو التواصل مع قادتها وصنّاع القرار فيها، ويعود السبب ربما لأن اتساع فارق الفجوات بات واقعاً شائعاً في كثير من المؤسسات التي يصل في بعضها إلى نسب تتجاوز30 في المئة بين ما هو مُستهدف، وما يُنجز، أو ما بين ما هو موجود ومنشود. لن أستغرق كثيراً في الأسباب الكامنة خلف هذا الفارق، وأود التركيز أكثر في مقالتي على الحديث عن "استدامة الأعمال" بوصفها من الغايات التي نسعى إليها جميعاً، ونضع لها الخطط والمبادرات والمؤشرات، ونعلن التزاماتنا تجاه تحقيقها، وتساءلت إلى أي مستوى نعرف بدقة موطئ أقدامنا، ومنصة وقوفنا اليوم، وإلى أي مدى تفصلنا المسافة عما نطمح إلى بلوغه، والوصول إليه.
من هنا تنطلق أهمية تحليل فجوات الاستدامة، باعتباره مدخلاً عملياً لإعادة قراءة واقع المؤسسات، واختبار قدرتها على تحويل أهدافها المعلنة إلى نتائج ملموسة ومستدامة، فالفجوة في جوهرها مسافة بين الواقع القائم والمأمول، وهي فكرة بسيطة، لكنها تفتح باباً واسعاً للمراجعة المؤسسية، إذ تدعونا إلى توصيف ما ننجزه فعلاً، ومقارنته بما ينبغي إنجازه، وتحديد الفارق بينهما، ثم البحث عن أسبابه، ووضع مسار عملي لمعالجته.
سألت في إحدى المرات عن الفرق بين الفجوة والمشكلة، وهنا تكمن نقطة التحول، فالتعامل مع الفجوات بوصفها أداة للتشخيص يختلف عن الاكتفاء برصد المشكلات الظاهرة، قد تتراجع النتائج في إدارة ما، أو تتأخر المعاملات، أو تنخفض كفاءة الإنفاق.
لكن معالجة هذه المظاهر لن تكون كافية، ما لم نكتشف أسبابها الجذرية، ونحدد ما إذا كانت مرتبطة بالمهارات، أو الموارد، أو الإجراءات، أو السياسات، أو منظومة الحوكمة ذاتها.
عبارة كررتها على مسامع من أشاركهم حوارات الفجوات "ما لا يُقاس لا يُدار"، وهذه العبارة تذكير أن القرارات الرشيدة تحتاج إلى بيانات موثوقة، فهي ليست مجرد مقولة إدارية شائعة، لقد أصبح قياس الواقع شرطاً لصناعة المستقبل عبر المؤشرات الواضحة، وخط أساس يمكن الرجوع إليه، وأهداف محددة زمنياً، ومن دون ذلك قد تنشغل المؤسسة بكثرة الأنشطة، والاجتماعات والتقارير، فيما تظل قدرتها على قياس التقدم الفعلي محدودة، كمن يحاول التهديف في غير المرمى، ولا تدون لوحة الملعب إلا الأصفار.
تزداد الأهمية وتتعاظم حين ننظر إلى فجوات الاستدامة في المؤسسات المجتمعية، تنموية أو أهلية أو إنسانية، التي تتحمل مسؤولية مزدوجة في المحافظة على الأصول والموارد، وتحسين أثرها التنموي في حياة المستفيدين، فاستدامة المؤسسة لا تُختزل في استمرار أعمالها، أو توازن مواردها، إنما تمتد إلى قدرتها على تطوير أدائها، وتجديد أدواتها والاستجابة للاحتياجات المتغيرة، وإثبات القيمة التي تضيفها إلى المجتمع. والأمر ذاته ينطبق على المؤسسات، العامة والخاصة، إذ تتسع الفجوات عندما تتغير التوقعات والتقنيات، والمتطلبات التنظيمية، بينما تبقى أساليب العمل ومؤشرات الأداء على حالها، ومع مرور الوقت قد تتحول الفجوة الصغيرة إلى كلفة مالية وتشغيلية، وعلى السمعة بحجم أكبر، حين تتراجع فرص التحسين التي كان بالإمكان استثمارها مبكراً، لا زلت أتذكر تلك العبارة التي صارحني بها أحد القياديين المخضرمين قال: "الفجوات لا تبقى على حالها إنها تتسع إذا لم تتداركها".
حين أبدأ في طرح التساؤلات وإثارة النقاشات مع مختلف المستويات القيادية، والإشرافية، أو التنفيذية، أحرص على سبر جذور التحديات لا الظاهر منها أو هوامشها، إن تحليل فجوات الاستدامة اختبار لا يسعى لتسجيل أوجه القصور، ولا هو مناسبة لإلقاء اللوم على الإدارات والعاملين، إنه ممارسة مؤسسية للتعلم والتحسين، تبدأ بالاعتراف الموضوعي بالواقع وتنتقل إلى فهم "الأنين" وأسبابه، وتنتهي بتحديد الأولويات والمسؤوليات، والموارد والجدول الزمني، ومؤشرات المتابعة بمثل هذه الجدية في التناول نملك زمام "الجاهزية" للمستقبل.
نصيحتي التي أهديها من قلبي، وعصارة تجربتي في تحليل فجوات الاستدامة، ضعوا نصب أعينكم هدفاً يتجاوز المعرفة النظرية إلى تمكين العاملين، أو الفاعلين من تشخيص فجواتكم الحقيقية في بيئة أعمالكم، حتى تكون صياغتكم لمبادرات سدها ناجزة وعملية، احرصوا على ربطها بمقاصد وجودكم، أو وحدات أعمالكم، أو بالأهداف الستراتيجية ذات الصلة، سواء كانت على صعيد مؤسستكم، أو رؤية الدولة، وأهداف التنمية المستدامة( SDGs2030)، أوقفوا هذا التفاقم بكل اقتدار وإقدام.
خبير استدامة
نشر مقال حول فجوات الاستدامة