ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alseyassahكل الآراء بقلم محمود كرم

القطيعة... مفهوماً وفلسفةً (1من 2)

القطيعة... مفهوماً وفلسفةً (1من 2)

ما أجملَ ذلك الذي يخرجُ من حطام الأفكار الخانقة، وتعصَّبات المعتقدات الهالكة، وشرور الثقافات السَّائدة، وقباحة التحيّزات المذهبية، ومِن سُلطة التفسيرات اليقينيّة، وليس في عقلهِ أو في نفسهِ شيءٌ من التعلّق المَرضيّ أو الوهميّ بها.

إنّه في هذه الحالة يملكُ استنارة القطيعة الكاملة مع كلّ ما كان يربطه بالوهم، والزيف والجهل، والكراهية، والشرور، والتعصَّب والانغلاق. إنّها لحظته التي أدركَ من خلالها قدرته على الالتفات إلى الأمام، والقطيعة مع الماضي القبيح، وليس ذلك بالأمر الهيّن بطبيعة الحال، لأنّ ما يتطلّبه هذا الأمر، هو الكثير من التفكّر بما كانَ عليه، والتقدَّم إلى الأمام، وعدم العودة مجدداً إلى ما كان عليه في الماضي البئيس، وقدرته هنا تتجلّى في كونهِ أصبح مدركاً لحالتهِ التفكيريّة التي تدفعه إلى التفكّر عبر ما استطاع أنْ يجد نفسه فيه مِن حريةٍ كاملةٍ في العودة إلى عقله، والاستنارة بجماليّة القطيعة الثقافية مع الماضويات البائسة.

خدمات إخبارية

قراءات إخبارية

من خلال القطيعة الثقافية، أصبح يدركُ أنّ ما كانَ ينظر إليه في الماضي، إنّما هو ما كان عليه أنْ يؤمن به من دون أنْ يعلم أنّ له حقّاً في استخدام عقله، فلم يكن ينظر إلى ما في أعماق ذاته وعقله مِن شساعةٍ في التحرَّر، والاستقلالية، والفهم، بل كان مؤمناً فقط بما قد توفّر أمامه من أفكارٍ جاهزة، ومعتقداتٍ سائدة، وثقافات متداولة بحكم التبعيّة والعادة والالتزام.

ولم يكن قد اختبرَ معنى أنْ يملكَ العقل حركته الذاتيّة عبر المعاني والتساؤلات والأفكار، لأنّ عقله في هذه الحالة لم يكن يملكُ مهارة التفكّر في كلّ ما قد توافر لديه من الآخرين، والمحيط من حوله، ولذلك يبقى قابعاً في كلّ ما قد آمَن به، على أنّه الضّروريّ له، والمتاح أمامه في الوقتِ ذاته، وليس إلى ما يريد أنْ يفهمه استنطاقاً للعقل، والفكر، والسؤال، وليسَ إدراكاً أيضاً للذات في حركتها المستقلّة.

ثقافة الانتقال من التقليد والتبعيّة إلى حالة القطيعة الخلاّقة، وإلى جماليّة التفكّر والتفرَّد، إنّما تتم عبر الحركة في النظر جيّداً إلى إمكانات الذات المستقلّة، التي تملكُ قدرة استكشاف، واستحضار جماليّة العقل المستقلّ والذات الحرَّة.

فهو الانتقال من الإيمان بما هو متوافر عند الآخرين، إلى فهم الذات واستجلاء إمكاناتها في التفكّر، والفهم، والتفلسف، وفي هذه الانطلاقة الخلاّقة والقفزة الملهمة، يسعى الإنسان الحرُّ إلى تأسيس وجوده المستقلّ، على أنّه التأسيس الكامل لحالته الباحثة عن الحقيقة، سواءً أكانت الحقيقة تتمثّل في عودته إلى ذاته وعقله، أو أنّها أصبحت تتجسَّد في اجتراحه الجميل للأفق الذي أصبح يرى نفسه فيه.

كلّ إنسان بطبيعة الحال يأتي حاملاً فوق ظهرهِ موروثه الثقافيّ، لكن الأمر يتوقّف دائماً على قدرته في التخلّص من أثقال، واكراهات هذا الموروث، فكلّ واحد منّا قد مرَّ طويلاً بما كانَ عليه دائماً أنْ يتقبّل ما هو موجودٌ أمامه من موروثاته من خلال ثقافة اللا نقد، واللا تفكير، واللا فهم، إلى أنْ أصبحتْ هذه الثقافة تعكس ما يجب أنْ يكون عليه دائماً من يقينٍ ثابت، وتسليمٍ كامل لِموروثاته، لذلك أصحبت ثقافة الاستقلالية، والتحرر، والفهم، والنقد، خروجاً كبيراً على موروثاتهِ، وتبعيّته ويقينيّاته، وتبعاً لذلك أصبحت القطيعة الحاسمة مع موروثاته الثقافية، بمثابة الخطوة الجبّارة في طريق العودة إلى ذاته، وعقله، واختياره، وقراره.

أنّه في هذا الانتقال يخلق بجدارة أفقه الخاص، وتفكيره المستقل، وقراره الحرّ، بما أصبح يملكُ من إمكانات ذاته وعقله، وهي ذاتها إمكاناته التي لم يختبرها من قبل، ولم يسعَ إليها، بحكم خضوعه التّام لموروثهِ الثقافيّ، وأيضاً أصبح لديه من الآفاق التي يخلقها، الكثير من اختيارات التفكير، والتفكّر، ولم يكن في السابق قد اختبرها، وعليهِ أرى أنّ مَن يملكُ أنْ يعود إلى ذاته، وعقله، يملكُ أنْ يخلق فرصته الكبيرة في اجتراح الآفاق، والمسارات الحرَّة والشاسعة والمفتوحة، إنّها في النهاية تصبح آفاقه التي تخبره عن مدى حاجته إلى السؤال، والنقد، والفهم، والتفكير والإبداع.

كاتب كويتي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓