عقاب الإعلام الأميركي لترامب
من يعرف الولايات المتحدة الاميركية يدرك أن قوتها ليست في الدولار والاسلحة، بل إن القوة الاكبر هي الاعلام، فهي تعمل وفق منظومة قائمة على حرية الرأي، والديمقراطية الاعلامية، التي هي فعلاً سلطة رابعة.
على هذا الاساس حين منع الرئيس دونالد ترامب بعض وسائل الاعلام من دخول البيت الابيض، كان رد شبكات التلفزة الاميركية صاعقاً، إذ منعت عليه الصوت في تغطية صامتة، وهي اشد وقعاً على شخصية سياسية، لا سيما في موسم انتخابات نصفية حساسة جداً لترامب تحديدا في هذا الوقت بالذات، الذي كشفت فيه استطلاعات الرأي عن انخفاض شعبيته إلى ما دون 35 في المئة.
لهذا نجد أن الرجل قد يخسر سلاح الإعلام، رغم أنه يستطيع بتغريدة واحدة أن يشغل العالم، لكن ذلك حاليا لا يكفي، لهذا حين اعلن قبل ايام اطلاق "ترامب تي في"، كان واضحاً انه يحاول الالتفاف على قراره، لكنه عادة واعلن في تغريدة على منصته "تروث سوشيال" امكانية عودة "سي ان ان" و"بوليتيكو" إلى البيت الابيض، بعدما رأى نتائج العقاب الصامت له، حتى من الشبكات المقربة منه، ومنها "فوكس نيوز".
اشتراك صحيفة يومية
إعلانات مبوبة صحيفة
صُحف
وبعدها بيوم واحد رفعت ثلاث مؤسسات إعلامية كبرى، هي "سي.إن.إن" و"إم.إس ناو" و"بوليتيكو"، دعوى قضائية ضد الرئيس، وانه ينتهك حقوقها الدستورية في تغطية أنشطة الرئاسة وأخبارها، ولا يحق له حظرها لمجرد أنه لا يحب ما يسميه تغطيتها الإخبارية "السلبية"، وأن يسمح فقط لوسائل الإعلام التي تمدحه بالتغطية، أن من حق الجمهور الحصول على "المعلومات الكاملة وفي حينها" عندما يتعلق الأمر بأداء حكومته.
هنا لم يعد الخلاف بين مؤسسة حكومية وجهة اعلامية، بل ذلك يكشف إلى اي مدى قوة الاعلام والقضاء، كيف تمارس الديمقراطية، إذ إن رئيس اقوى دولة في العالم لا يستطيع الوقوف بوجه وسائل الاعلام محلية، بل إن القضاء حين يحكم لمصلحتها وعلى الرئاسة الانصياع.
هنا علينا التوقف عند حقائق كشفها القرار الرئاسي، اولها أنه اتخذه ضد السلاح الاقوى في الولايات المتحدة، فالمعروف أن المواطن الاميركي كائن اعلامي، يتابع وسائل الاعلام دائما، وكلنا نعرف كيف "هوليوود" صنعت الشخصية الاميركية، وحولت الهزائم في فيتنام والعراق وافغانستان إلى انتصارات في الذاكرة الشعبية الاميركية.
ولهذا حين يتحدى الرئيس وسيلة اعلامية ما، فهو كمن يطلق الرصاص على قدمه، لانه محتاج كثيراً لوسائل الاعلام، إذا كان يسعى إلى فوز حزبه "الجمهوري" بالانتخابات النصفية، لان التغطيات ستصب لمصلحة الحزب الديمقراطي.
ايا كان موقف وسائل الاعلام الاميركية من المسلمين او القضايا العربية، لكنها في النهاية تنشر تقارير تنتقد الحرب، واسرار تتعلق بالمنطقة العربية تؤدي إلى تحقيقات دولية، وصحيح أنها لا تعمل من فراغ، وتخدم مصالحها الخاصة، رغم هذا اشك ان ترامب سيكون بإمكانه السيطرة على وسائل الإعلام.
اعتقد أن ترامب لا يملك الكثير من الادوات الدستورية كي يخضع الاعلام، ولهذا فإن قراره ضربة قاضية في الحملة الانتخابية، لان اغلب المرشحين يحتاجون إلى الحملات الإعلامية، وتأثرهم سيكون واضحا حتى في تلك الحملات التيارات المحلية.
لقد كشف القرار الاخير للرئيس ترامب مأزق الاعلام الاميركي، والضغط الذي يمارسه البيت الابيض عليه، لكن دائما تفوز السلطة الرابعة في الولايات المتحدة.